فكر وثقافة

أما آن للإنسان الاقتصادي أن يفنى؟

حديث نيك هانوير المثير عن الأكاذيب التي شُيدت عليها النيوليبرالية

  • نيك هانوير
  • ترجمة: يوسف داوود
  • تحرير: إبراهيم البابطين

هذا النص مأخوذ عن حديث ألقاه نيك هانوير في الثلاثين من سبتمبر في معهد ماساتشوستس التكنولوجيي بعد فوزه بجائزة الإنسانوي الأبرز لعام 2018 والتي تقدمها كل من جامعة هارڤارد ومعهد ماساتشوستس.

يجتاحني السرور جراء تسلمي هذه الجائزة من قِبل مثل أولئك المُضيفين المرموقين. لكن لا أخفيكم سرًا، فور معرفتي بأنني سأنال شرف الحصول على جائزة إنسانوي العام، كان أول ما قمت به هو البحث عن تعريف لهذا الوصف لأتيقن من كونه شيئا محمودًا؛ وقد كان، لذا حضرت أمامكم الآن، فشكرًا لكم.

بالنسبة لشخص ينحدر من ثلاثة أجيال من اليهود ممن لا يمارسون الشعائر ولا يُعدون من المتدينين، فإن سؤال: “من أنت” يعد أمرًا محيرًا. لم أكن مطمئنًا أبدًا للتشابه بين الأديان المنظمة ولا لتقاليدهم ولا لطقوسهم. لم ينل إعجابي التفكير الأخلاقي الذي يُقر بأشياء من قبيل: “قم بالشيء الصحيح وإلا كان مصيرك العذاب الأبدي في الجحيم”. طالما اعتراني شعور التيه في البحث عن هويتي الثقافية والأخلاقية. اعتاد أحد أصدقائي أن يناديني بالـ WASP[1] اليهودي، أما الآن فأنتم تقولون أنني “إنسانوي”، من كان يتوقع ذلك؟

غالبًا ما يكون حكم الناس علينا في الحياة قوامه أفعالنا وإنجازتنا وقد شُرفت على هذا النحو قبلئذ على كوني فاعلًا للخير ورأسمالي ناجحًا ولنشاطي المدني. لكن هذه الجائزة أكثر إثارة لي وتملأ نفسي بالرضا لأن في هذه الحالة تُكون علة قيامي بما أفعله ذات أهمية بنفس القدر الذي يهمكم به ما أفعله، وهذا أمر أقدره أيما تقدير.

أرى أن أكثر ما يجعل الإنسانوية جذابة ليس أنها تفرض علينا معايير أحسن، بل مطالبتها لنا بأن نُلزم أنفسنا بهذه المعايير. من اليسير أن تقوم بالشيء الصحيح لخوفك من عقاب يترصدك، حتى وإن كان في الآخرة؛ لكن من العسير -وبالتالي الأثرى من حيث المعنى- أن تقوم بالشيء الصحيح ببساطة لأنه الشيء الصحيح، لاسيما إن ترتب على فعله تضحيات شخصية بين الفينة والأخرى.

ومن توابع ذلك أنه كلما اتسع فهمي لرأسمالية السوق -بصفتي ممارسًا ودارسا للنظرية الاقتصادية- زاد اقتناعي بأن الأخلاقيات الإنسانوية شرط أساسي للازدهار الإنساني ذاته.

لاحظت أنني الرأسمالي الوحيد الذي مُنح هذه الجائزة. وأحسب أن سبب ذلك هو رؤيتكم للعالم الذي أعيش فيه -عالم الأعمال والاقتصاديات- على أنه عالم تعوزه الأخلاق. إن كانت الصراحة مرامكم فإن ثقافة الأعمال والاقتصاديات الأمريكية المعاصرة تقوم على إطار أخلاقي ألا وهو: النيوليبرالية. وأرى أنه من الحق القول بأن ذلك الإطار مبتوت الصلة بتًا جذريًا بالمعايير الأخلاقية والتقاليد المستمرة من خمسين ألف سنة.

أقسيتُ على النيوليبرالية؟ ربما، إلا أن المقولة الأخلاقية الراسخة عند الرأسمالية الحديثة وهي “كان قرارًا لمصلحة العمل” تنتمي لفيلم الأب الروحي أكثر من انتمائها للقاعدة الأخلاقية. لنكن صرحاء، فور سماعنا من يقول “إنه ليس أمرًا شخصيًا، إنه مجرد عمل” نعرف أن مصيبة ما ستقع.

إن من علامات زماننا أن يكون الادعاء الأخلاقي الذي ذاع صيته أكثر من غيره في الشركات الأمريكية هو شعار جوجل: “لا تكن شريرًا”… على الأقل لديهم شعار، لكنه شعار يثير التفكر؛ دع عنك ما إذا كانت جوجل قد التزمت بعقيدتها تلك أم لا؛ لكن تأمل كيف وصل بنا الحال إلى أن يكون أسمى معيار يمكن أن تلتزم به شركة ما هو معيار غياب الشر؟

وكيف وصلنا إلى ما يُسمى بـ”أخلاقيات العمل” التي تصر على أن المسؤولية الوحيدة للمديرين التنفيذيين للشركات هي أن يزيدوا قيمة الأسهم لحامليها.

يقيني أن تلك الادعاءات الأخلاقية تنبع من فهم معيب على نحو متأصل لآلية عمل رأسمالية السوق. وهو فهم مبني على الافتراض المثير للريبة بأن الإنسان هو “إنسان اقتصادي” أي أنه أناني وعقلاني تمامًا ولا يوقفه شيء عن مسعاه لتحصيل أقصى مآربه، إنه نموذج سلوكي بنُيت عليه كل النماذج الاقتصادية التقليدية، وهو محض هراء.

أثبتت آخر أربعين سنة من الأبحاث في شتى المجالات العلمية بما لا يدع مجالا للشك أن “الإنسان الاقتصادي” لا وجود له. الناس لا يتصرفون على هذا النحو خارج النماذج الاقتصادية. فقد درج الإنسان العاقل على أن يكون مقدرًا لغيره وتبادلي وميال للاكتشاف، وأن يكون كائنا ذا حدس أخلاقي. قد نكون أنانيين وربما قساة، لكنها طبيعتنا المتطورة تطورًا كبيرًا ونزعتنا الفطرية للتعاون  -وليس التنافس- هي ما مكن جنسنا من الهيمنة على الكوكب وإيجاد جودة حياة غير عادية كهذه التي نعيشها، النزعة نحو الاجتماعية هي قوتنا الاقتصادية الخارقة.

لا يكون الاقتصاديون على خطأ عندما ينسبون تقدمات الحداثة المادية لعبقرية رأسمالية السوق لتنظيمها الذاتي وتنظيم المعرفة والكيفية والعمل تنظيما معقدا ودقيقا على نحو متزايد.

لا يسعنا أن نغفل عن أن تقسيم العمل لم يجر اختراعه في شركات آدم سميث في القرن الثامن عشر في سكوتلاندا. إلى حد ما، كان تقسيم العمل من السمات المميزة للمجتمعات الإنسانية منذ الثورة المعرفية على أقل تقدير. حتى في مجتمعاتنا الأقل تعقيدًا، مثل جماعات الصيد والجماعات الصغيرة، نرى تقسيم العمل إلى صيد وجمع على أساس الفروق الجندرية، إن تقسيم العمل هو سمة عالمية في جنسنا الاجتماعي.

من خلال وجهة النظر الاجتماعية هذه، يتراءى لنا أن تقسيم العمل المتخصص تخصصًا دقيقًا الذي يتصف به اقتصادنا الحديث= لم يحدث نتيجة لرأسمالية السوق، وإنما تمخصت رأسمالية السوق عن نزوعنا الاجتماعي وميلنا للتعاون الذي هو أساس تقسيم العمل.

لهذا النزاع بشأن النماذج السلوكية عواقب عميقة خارج الإطار الأكاديمي. ورغم اعترافهم بعيوبه، يدافع العديد من الاقتصاديين عن مفهوم الإنسان الاقتصادي كخيال مفيد لنمذجة وفهم العالم الاقتصادي. إلا أنه لا يقتصر على كونه نموذجًا اقتصاديًا، إنها حكاية عن أنفسنا نخبر أنفسنا عنها وهي تشجع وتسمح بأسوأ تطرفات الرأسمالية الحديثة والحياة الاجتماعية والأخلاقية المعاصرة.

فإن صدقنا حقيقة أن معظم الناس تسودهم الأنانية، ونظرنا إلى لعالم حولنا بما فيه من ازدهار وخير واضحين فمن المنطقي أن نستنتج أن التصرفات الأنانية لمليار شخص تتحول بشكل سحري لازدهار وخير عام. وكان حقا علينا تصديق أنه كلما استفحلت أنانيتنا زاد ازدهارنا. وفقًا لهذا المنطق، القرار الأفضل هو القرار البراجماتي -الجشع بمعنى أدق- ووفقًا لنفس المنطق نجد أن غاية الشركات الوحيدة هي زيادة قيمة الأسهم لحامليها ولتذهب الإنسانية إلى الجحيم؛ أهلًا بكم في عالم النيوليبرالية.

ولكن لو قبلنا نموذج سلوكي اجتماعي يصف الإنسان على نحو صحيح على أنهم كائنات متعاونة تعاونًا فريدًا، وأخلاقية على نحو حدسي، فسيكون من المنطقي أن تكون القاعدة الذهبية للاقتصاديات هي: عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك[2] هذه حكاية عن أنفسنا نخبرها لأنفسنا وهي تسمح لنا وتشجعنا أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا. إنها قصة نبيلة التي يكمن في ثنياها فضيلة أن تكون حقيقيًا.

أؤمن أن أفضل طريقة نفهم بها الازدهار هو تراكم الحلول للمشاكل البشرية. من علاج السرطان إلى شريحة بطاطس مقرمشة، كل مشروع شرعي يشتغل في مجال حل المشكلات. ولأن التجارة تبادلية، أنت تحتاج لشريحة بطاطس وأنا أحتاج لربح، كل الحلول المستخدمة هي مشكلة مشتركة جرى حلها. لكن مع زيادة ازدهار اقتصادنا التكنولوجي الحديث، لابد أن تزيد مشاكله تعقيدًا، ويتطلب هذا درجات أعلى من التعقيد الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي للحفاظ على دورة الاختراع والطلب القيمة.

الرأسمالية هي أعظم تكنولوجيا اجتماعية لحل المشكلات. لكن معرفة أن الرأسمالية تعمل جيدًا يختلف عن معرفة لم هي تعمل جيدًا. وعلى عكس ما تدعيه التقليدية الاقتصادية، فإن التبادل -وليس الأنانية- هو ما يجعلها تعمل، وكأن التبادل يد خفية. إن التبادل الاجتماعي هو ما يبني مستويات عالية من الثقة والتي هي ضرورية لحدوث التعاون إلى حد ما بين الشبكات الكبيرة من الناس. ولا يكون ذلك  إلا من خلال شبكات المتخصصين شديدي التعاون ليتمخض التعقيد الذي يتسم به اقتصادنا الحديث.

يقول دكتور كينج: إن قوس الكون الأخلاقي واسع لكنه يقوم على العدالة. على نفس المنوال، وبفضل منطق السوق التطوري الأساسي، يقوم قوس الكون الاقتصادي على التعقيد. والقوسان جزء من دائرة أكبر مركزها العدالة التي تنتج عنها الثقة والتي تفسح مجالًا للتعاون والذي ينتج التعقيد الذي يصير الازدهار عاقبة له.

إذن هذه هي الفكرة الأساسية لملاحظاتي: إن نظرنا للأمر من وجهة النظر الاقتصادية الاجتماعية كما يليق، يتبدى لنا بوضوح أن إنسانيتنا -وليس انعدامها- هي مصدر ازدهارنا.

وبالطبع، في سعينا لتغيير طريقة تفكيرنا في الاقتصاد، هدفي النهائي هو تغيير الطريقة التي نعمل به وفي النهاية، أود أن أختم بعرض أربع أفكار تسترشدون بها في أفعالم وأنشطتكم:

1- تنظم الرأسمالية نفسها، لكنها لا تدير نفسها

التفكير في رأسمالية السوق على أنها رخاء أقصى أو أنه نظام توازن هو تفكير لا وزن له. في جميع أنحاء العالم، الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية الأوسع ازدهارًا هي الأكثر تعرضًا للإدارة والأكثر فرضًا للضرائب. أي أن استثمارات الحكومة وتدخلاتها ليست شيئاً شريرًا بالضرورة. إن تدخلها أمر ضروري ببساطة وهو ما يقودنا للفكرة الثانية.

 

2- الرأسمالية الحقيقية ليست رأسمالية حاملي الأسهم

إن الادعاء النيوليبرالي بأن الهدف الوحيد للشركات هو إثراء حاملي الأسهم هو الخدعة الأكثر فظاظة في الحياة المعاصرة. تُمنح الشركات مسؤوليات محدودة في مقابل خدمتها للصالح العام. لذلك يكون الهدف الحقيقي للشركات هو توفير منتجات حسنة للمستهلكين وتوفير وظائف جيدة للموظفين وإمداد حاملي الأسهم بجزء عادل من الأرباح وتحسين مجتمعاتهم على نحو متساوي.

 

3- الرأسمالية مؤثرة لكنها ليست فاعلة

مقولة “النوبة المستمرة للتدمير الخلاق” التي كتبها شومبيتر أثبتت أنها فعالة على نحو غير عادي في رفع مستوى معيشتنا الكلي. لكن يمكن أن تكون أيضًا مدمرة وقاسية وغير عادلة على نحو غير عادي إلى حد يمكن أن تدمر فيه الرأسمالية نفسها. إن كان مكتوبا لاقتصادنا وديموقراطيتنا أن تنجو من التغير التكنولوجي السريع، علينا أن نستغل كل أداة ممكنة لسد “الفجوة الإبداعية” بين مؤسساتنا الاقتصادية ومؤسساتنا المدنية.

 

4- الرأسمالي الحقيقي هو رأسمالي أخلاقي

كونك جشعًا لا يجعل منك رأسماليًا، إن هذا يجعل منك شخصًا حقيرًا وسايكوباتيًا في نظام اقتصادي يعتمد على شبكات ثقة معقدة لتسهيل المهام التعاونية التي ينتج عنها الازدهار، وعندما يُفهم الازدهار على أنه حل المشكلات البشرية وليس على أنه مال، يفهم الرأسماليون الحقيقيون أن كل فعل اقتصادي هو اختيار أخلاقي واضح ووفقا لذلك يتصرفون.

ولذا، لكل القادة من رواد التكنولوجيا والأعمال ممن يشاهدونني اليوم، أريد أن أتحداكم لتبني عقيدة بديلة، عقيدة أكثر طموحًا وأكثر إنسانوية من شعار جوجل الذي يقول:  “لا تكن شريرًا؛ كن خيرًا” أو “افعل الشيء الصحيح دائمًا”.

وعندما تفعل الشيء الصحيح، افعله بثقة على طريقة تجعل منه الشيء الصحيح لعملائك وموظفيك ومجتمعك وللكوكب كما هو الشيء الصحيح لحاملي الأسهم.

اقرأ ايضاً: لماذا تكره النيوليبرالية الأطفال؟


[1] اختصار لبروتستانتي أنجلو-ساكسوني أبيض وهو مصطلح يشير للأفراد الذين ينتمون للثقافة الغالبة للطبقة العالية الأمريكية.

[2] قاعدة أخلاقية تنص عليها معظم الأديان وتأمر بأن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك.

Photo by Michael Tomasky – Hanauer (left) being interviewed by Greg M. Epstein, humanist chaplain of Harvard and MIT

أعجبني المقال

المصدر
DemocracyJournal

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى