التربية والتعليم

برفيسور علم الاجتماع في جامعة نوتردام: تعليمنا العالي يغرق في الهراء

  • كريستن سميث
  • ترجمة: عمار سليمان وطارق حميدة
  • مراجعة: مزنة حسناوي
  • تحرير: صابرين حسن

لقد نلتُ كفايتي من هذا الهراء، أغرقت الفضلات الممرّات وقاعات التّدريس وإدارة التّسجيل في مؤسسات التّعليم العالي الأمريكي، حيث أنّي لا أدري لأيّ حدٍ يمكنني المضي سالمًا ومحافظًا على نزاهتي واستقامتي في خضمّ هذا الهراء الّذي يملأ المكان.

والأسوأ من ذلك، أنّ الآثار المتراكمة من كلّ هذا الهراء التّعليمي تصبّ في الحالة السّياسيّة الكارثيّة لهذه البلاد، وفي نهاية المطاف، يُعرِّضُ نمو ورمزيّة تفوّق حضارتنا للخطر!

ماذا أعني بهذا الهراء؟

الهراء هو فقدان الجامعة قدرتها على التّعامل مع الأسئلة الكبرى في الحياة؛ بسبب أزماتنا الإيمانيّة مع الحقيقة والواقع والمنطق والدّليل والحجج والتّحضّر ومشتركنا الإنساني.

هذا الهراء يتمثّل في الحقيقة بمهزلة (التّشظّي الجامعيّ)، تلك الفروع الممزّقة الّتي يقال في النّهاية أنّها جامعة متماسكة، وهذه المهزلة نتاج بربريّة التّخصّص والتّخصّصات الأكاديميّة الّتي لا تمتلك القدرة على الحوار المتبادل حول الاهتمامات المشتركة الواضحة فيما بينها.

إنّ هذا الهراء يتمثّل بالإيمان أنّ هذه المؤسّسات يمكنها تقديم تعليم ذي جودة عالية، وهي الّتي صمّمت من النّاحية التّنظيميّة على غرار المصنع وبيروقراطيّة الدّولة ومراكز التّسوّق، فنرى جامعات عملاقة تعامل حشود طلّابها ويكأنّهم مواشٍ أو أرقامٍ في طوابير الانتظار أو كمستهلكي أسواق.

الهراء هو أنّ الجامعات اختطفها قلق السّعي الحثيث نحو المال والمكانة، حيث يتضمّن ذلك السّعار المحموم داخل تصنيفات التّرتيب الجامعيّ، والّتي من المعروف أنّها معيبة بشكلٍ واضحٍ، وذلك على حساب أصالة التّفوّق التّعليميّ (لا بدّ هنا من التّمييز ما بين التّعليم القائم على الأصالة والتّعليم الفارغ الّذي يدار من قبل مكاتب الجامعات الّتي تسعى لأداء وظائفها الإداريّة كيفما يكون).

الهراء هو تلك الفذلكات اللغويّة الّتي تمّ حقنها أيدولوجيًّا في مجالات متعدّدة كشرط للبقاء في نادي أصحاب الرّتب الرّفيعة وعزل كلّ من لا يمتلك الطّلاقة في ممارسة تلك الألعاب اللغويّة الأنويّة المغلقة.

هذا الهراء هو نظام قائم على المناصب الّتي تمنح الكثير من الأكاديميين أمانًا وظيفيًّا طويل الأمد على الرّغم من أنّهم معلّمون رديئون وباحثون كسالى، ليس لأنّهم يعتنقون وجهة نظر غير معهودةٍ وثوريةٍ تجعل من الضّروري حمايتهم وحماية ما يسمّى “الحريّة الأكاديميّة” ولكن ببساطة لأنّهم قد عيّنوا منذ عدّة أعوامٍ في مناصبهم بصدفةٍ ما!

هذا الهراء هو انتقال عبء تعليم طلّاب البكالوريوس من أيدي أكاديمين تقليديين خبراء إلى أيدي متنوّعة من المحاضرين غير المتخصّصين وعلى أيدي طلّاب الدّراسات العليا الّذين لا يدفع لهم إلّا أقلّ القليل.

الهراء هو انتفاخ رجال الدّولة عند الحديث عن عراقة جامعاتهم الحكوميّة، ويا للمفارقة حين نعلم أنّ تشريعاتهم تقتصّ من ميزانيّات التّعليم العالي على مدار السّنوات المتاعقبة!

الهراء هو الإيمان أنّ العمليّة التّعليميّة يمكن أن تتم من خلال التّعلّم “عن بعد”…!

الهراء هو نظام مؤسّسي قائم على المكافئات الّتي تجبر طلّاب الّدراسات العليا وأعضاء هيئة التّدريس على نشر أوراقٍ علميّةٍ بأسرع وأكثر كمٍّ ممكنٍ _ بدلًا من أخذ الوقت الكافي لتحقيق النّضج العقليّ اللازم وإنتاج معرفة ذات أهميّة حقّة_ ممّا يؤدّي إلى رفدنا بكتبٍ ومقالاتٍ تساهم في تهاوي صرح معرفتنا الإنسانيّة نحو اهتماماتٍ بشريةٍ تستحقّ الانتباه.

الهراء هو جامعات من الدّرجة الثّالثة تقدّم برامج دراسيّة متواضعة لطلّاب الدّكتوراة من الدّرجة الثّانية ملقيةً بهم في مستقبلٍ وظيفيٍ مجهولٍ، بل إنّ وظيفة هذه البرامج في الحقيقة هي تزويد أعضاء هيئة التّدريس بالباحثين المساعدين ثمّ يسمّى هذا العبث المؤسّساتي باسم (جامعة)!

هذا الهراء الّذي يدّعي أنّه برنامج دراسي أساسي لطلبة البكالوريوس ليس في الحقيقة مواد دراسيّة منظّمة، بل هو عبارة عن متطلّبات دراسيّة مبعثرة وغير مترابطة. ويمكن تشبيهها بدولٍ متجاورةٍ يفصل بينها جدار حديدي شائك في ظلّ هدنةٍ قلقةٍ، وكلّ منها يحاول الحفاظ على أعداد كبيرة من السّكّان دون النّظر إلى جودة حياتهم، كما تسعى هذه القطاعات للحفاظ على أعداد كبيرة من الطّلّاب دون الالتفات لكفاءتهم، هذا المشهد السينمائي ينظر له الطّلّاب على أّنه حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ فيسعون لسلق مواد متطلّباتهم الدّراسيّة بأسرع طريقةٍ ممكنةٍ ومن ثمّ الهروب.

هذا الهراء عبارة عن الأيديولوجيّة السّياسيّة المتحيّزة الّتي تمثّلها العديد من التّخصّصات داخل أروقة الجامعة، وتحديدًا التّخصّصات الإنسانيّة وتخصّصات العلوم الاجتماعيّة، وتسعى هذه الأيديولوجيّة إلى تعميم رؤيتها لتغدو متماسكة يتبنّاها العالم بشكل غير واع وإكراهي، على الرّغم من كونها رؤية ضيّقة حبيسة التّخصّص.

يتمثّل الهراء في أنّ الجامعات تحوّلت إلى مؤسّسات تجاريّة وتسويقيّة للرياضيّين؛ تكون وظيفة إدارة التّسجيل فيها عبارة عن حلب أصحاب رؤوس الأموال _حتّى ينفقوا على هذه المواهب الرياضية_، ويتم هذا الأمر غالبًا من خلال آليّة استغلال الرّياضيّين في أوجهم ثمّ رميهم عظمًا عند الانتهاء من مهامهم الرّياضيّة بدل الاهتمام في تعليمهم وتأهيلهم دراسيًّا، وهذا الأمر أفسد برامج الاستقطاب، وبرامج الإرشاء ونظام العلامات.

هذا الهراء هو عبارة عن المفارقة المتمثّلة في كون جامعات من الدّرجة الثّانية والثّالثة تنفق إنفاقًا مستمرًّا على برامج رياضيّة مكلفة ودون الحصول على جوائز أو عوائد واضحة بحيث تستنزف مبالغ طائلة من أموال الأكاديميّين، بينما يرزح مجموعة من طلّاب هذه الجامعات تحت ضغط تأمين رسومهم الجامعيّة الّتي تتطلّب عملين أو ثلاثة لتأمين هذه المبالغ وتبعًا لذلك لا يجدون وقتًا للدراسة.

هذا الهراء هو الرّتم التّصاعدي من ثقافة الهجوم والإهانة الّتي تغلق أيّ أفقٍ حرٍّ لتناقل الأفكار والاعتماد المشترك على العقل والحجّة.

هذا الهراء عبارة عن مجموعة من القادة الجامعيين المضطربين والمستسلمين بخوف لسياسات الحوار الخاضعة لقواعد العلمانيّة المتطرّفة.

هذا الهراء هو انعدام الرّقابة الذّاتيّة الّتي تستشري بين بعض الطّلّاب والأكاديميّين، وضعف تلك البرامج التّصحيحيّة الّتي تعمل بشكل خجول، ونادرًا ما تستهدف تلك الفئة السّابقة.

هذا العداء الظّاهر على استحياء نحو “الخوارج الأكاديميّين” الغاضبين الرّافضين لهذا الهراء، أنتج من قبل سياسة القهر الأكاديميّة الممارسة ضد الحوار المفتوح؛ وسياسات القهر تلك تعمل على تأكيد وتعزيز تلك الوثوقيّة الفوقيّة من قبل طغاة الأكاديميّة والّتي تخرس آراء تحمل ناصية الحقّ أحيانًا.

هذا الهراء هو ذلك الهلع الّذي يلاحق بعض أكاديمي الجامعات الحكوميّة في الولايات المحافظة جدًّا مانعًا إيّاهم من التّعبير عن اعتقادهم المقدرة غير التّقليديّة (غير_ الأرثدوكسيّة)، خوفًا من اصطيادهم من قبل الطّلّاب وآبائهم من ذوي العقول المنغلقة أو استهدافهم من سياسيين معروفين.

هذا الهراء هو العقليّة التّقليديّة الّتي تحكم عقول طلّاب البكالوريوس والّتي ترعى من قبل ثقافتنا والّتي ترى الجامعة أساسًا مكانًا للحصول على الألقاب والوظائف (الأموال)، وفي صعيد آخر طريقة للانضمام لجمعيّة رعاية الأغبياء (دون وعيٍ منهم).

هذا الهراء هو فشل قادة التّعليم العالي في الدّفاع عن المثل العليا للعلوم بكلّ ألوانها المتنوّعة: (الّتي كان يجب على الجامعة أن تتحدّى وتطوّر وتحوّل عقول وأفئدة طلّابها من خلال تمكنيهم من عيش حياة اجتماعيّة مزهرة مثمرة وجيّدة)، وقولبتهم على شكل مسنّنات عمليّة تغذّي الاقتصاد بين رحى عجلة الإنتاج.

يتمثّل هذا الهراء في توهّم الإداريّين بأنّ ما هو مهم في التّعليم العالي يمكن تقييمه بمقاييس كميّة فقط تسمح للجامعات بأن تعمل على نمط الشّركات الضّخمة، وهو ما يتطلّب من الأقسام وموظّفيها صرف مزيد من الأوقات والطّاقات لتزويد هذه المعايير بالبيانات والّتي هي شكل آخر من أشكال هذا الهراء.

يمكنني الاستمرار في سرد الكثير من هذا الهراء المتراكم في التّعليم العالي، ولكنّني ذكرت ما يكفي لتبيان ذلك، خشية أن يظنّ القراء أنّني أنزع نحو السوداويّة لواقع التّعليم العالي. فهنا لا بدّ من توضيح بضع نقاط: أنا أحبّ البحث العلميّ بكلّ تأكيد، وأنا رجل محظوظ في أنظمة البحث الجامعيّة، وأعلم أنّها تحتاج دعمًا مادّيًا لتقدّم النّتائج المرجوّة، وقد عملت بجدٍ للمحافظة على تصنيف عالٍ لبرامج جامعتي، ودرست صفوفًا تحوي أكثر من 300 طالب، ولديّ شغف كبير في الرّياضات الجامعيّة وتحديدًا كرة القدم الأمريكيّة وكرة الطّائرة وكرة السّلّة وكرة القدم، لذلك تألّمت كثيرًا وتردّدت لدواعٍ أخلاقيّةٍ وأنا أصكّ مصطلح الهراء الأكاديمي.

إنّ تسمية هذا الهراء بهذا التّعبير المثير للقلق أمر غير متعلّق بتجربتي الشّخصيّة، أو محدوديّة نظرتي أو مشاعري حولها، وليست حتّى متعلّقة بالحقيقة المخفيّة والمتمثّلة في أنّ عدّة ملايين من الطّلّاب يتلقّون تعليمًا هشًّا أو بلا قيمةٍ حتّى، نعم لقد وصل الأمر إلى هذا الحدّ من البؤس!

ففي النّهاية علينا أن نتناول هذا الواقع المؤسف الّذي سيؤدّي إلى تآكلٍ مخيفٍ للبنى الثّقافيّة والسّياسيّة.

تستبطن الأفكار وممارستها المحايثة عواقبها ومآلاتها؛ فما يتمّ تشكيله في باطن الجامعات و/ أو الكليّات على مرّ العقود يظهر على السّطح بشكل أفضل أو أسوأ على شخصيّة ونوعيّة موظّفي الخدمة العامّة وعلى الحملات الانتخابيّة ونقاشات السياسات العامّة ومساهمة المواطن الفاعلة ورأس المال الاجتماعيّ والحشد الإعلاميّ والتّعليم الأساسي واختياراتنا الاستهلاكيّة والأخلاقيّة في مجال الإعلام والتّرفيه… والقائمة تطول، ولا يمكن إصلاح تلك الآثار المدمّرة لأبنيتنا الثّقافيّة والسّياسيّة إلّا من خلال ممارسات تتمّ على المدى الطّويل في حال حاولنا ذلك، فلا يوجد إصلاحات سريعة هنا، أنا هنا لا أبالغ في القول بأنّ حضارتنا العظيمة على المحكّ بسبب تراكمات هذا الهراء الأكاديمي.

دائمًا ما يدار هذا العالم من خلال اللامنطق السّياسي والاقتصاديّ والاجتماعي. ومن خلال العنف والغباء والخديعة وتقاسم الكعكة سلطوّيًّا، وعلى الرّغم من شيوع الفساد في كلّ شيءٍ، إلّا أنّني دائمًا ما آمنت بأنّه ينبغي على نظام التّعليم العالي الأمريكي أن يحافظ على مكانة سامية على جزيرة منفصلة تشجّع الحوار المفتوح والنّقاش العقلي والتّفكير النّاقد والنّقد الذّاتي والخوض في الحجج والدّليل والتّقدّم الحقيقي والمتميّز في التعلّم المشترك.

ويا للأسف، أصبح هذا التّصوّر غير قابل للإنكار تحت وطئة تراكمات تلال من ذلك الهراء الأكاديميّ، فالجزيرة السّامية عانت وغرقت بهذا الهراء، وتلوّث الينبوع الأصيل من قبل العديد من تلك القوى الخارجيّة المدمّرة الّتي أسّست العالم الأكاديميّ ليحافظ على مؤسّساتها ويصحّح مسارها، يمكن القول أنّ القسم الأكبر من التّعاليم العالي الأمريكي استبطن تلك المشاكل الّتي كان من المفروض أن يتجاوزها ويحوّلها: كاللاعقلانيّة وازدواجيّة المعايير ورفض المسائلة وعدم القابليّة على احتواء الصّورة الكبيرة والمفاهيم المركّبة.
إنّ أكثر المآلات خطرًا هي أن ينعكس هذا الفساد طويل الأمد على ثقافتنا السّياسيّة الوطنيّة وعلى مؤسّساتنا.

فماذا نتوقّع من مؤسّسات أكاديميّة لم تعالج الاستقطاب السّياسيّ بشكله الدّرامي والأخبار الكاذبة والشّلل التّشريعي والسّيول الجارفة من الأكاذيب الّتي تمرّ دون محاسبة وأفواج اليمينيّين المتطرّفين الّذين يعيشون في شوارعنا، وجهل المواطن الأمريكي المدقع حول مشاكلنا الحضاريّة الطّارئة ولا تنفكّ تفاخر بقصص حفنة من السّياسييّن الجنسيّة ومغامرات التّحرّش الجنسيّ الّتي تمرّ دون حساب، والّتي تفسح المجال لإدارة ملف سياستنا الخارجيّة بشكلٍ شبيهٍ  للتنمّر المدرسيّ والتّرهات الطّفوليّة المتناقضة = هذا بالضبط الّذي سيحدث عندما تنتج مؤسّساتنا مواطنين برتبة أنصاف متعلّمين، وهذا ليس مستغربًا بعد أن تصبح مؤسّسات التّعليم والنّقاش التّنويريّة مراتع للأيدولوجيا والتّخويف والتّنكّر لمهمّتنا الحضاريّة، وفي أيّ أمل  يبقى لدينا لممارسة نشاطاتنا الاجتماعيّة في السّياسة والقانون والديموقراطيّة والإعلام ومراكز التّسوّق الجماهيري.

هذه الحالة مأساويّة بشكلٍ مفزعٍ، لكن هل لا زلنا ندرك ما هي المأساة؟ أشكّ في ذلك! لقد فقدت المأساة موقعها في خارطتنا الإدراكيّة في مخيالنا الجمعيّ الّذي يشكّل صورة تعليمنا العالي المعاصر وفي ثقافتنا. فهل لهذا الأمر من عواقب وخيمة! لا شكّ في ذلك، وهل هذه نتيجة تقادم مؤسّساتنا التّعليميّة الّتي باتت ساخرة ومنهكة من الإرهاق؟ بالتّأكيد. لكن هل هذه مأساة حقًّا؟  سوف يتساءلون (ما معنى المأساة)؟

لا لن يفهموا ما هي المأساة، لأنّ فكرة المأساة غائبة عن هذه المؤسّسات؛ لقد ابتلع مثلّث برمودا سفن هذه المؤسّسات نتيجة تلاطم أمواج اللهاث وراء إدمان التّمويل الماليّ الخارجيّ وحصرها في المجالات العلميّة المادّيّة فقط، والخضوع المذل للعلوم الاجتماعيّة لوطئة النّزعة العلمويّة وانتفاخات المثقّفين وديكتاتوريّة الأيدولوجيا والغرور العلميّ المتسلّط على العلوم الإنسانيّة. كما يتعذّر على أبطال وضحايا هذه المأساة التّنبّه لوضعهم المزري ممّا يجعل الأمر فظيعًا وأكثرّ إثارة للشفقة.

من الضّروريّ أن ندرك أنّ كلّ هذا الهراء لم يتسبّب به أفراد سيّئو النّيّة بالضرورة، لكنّها ظهرت نتيجة فشل مؤسّساتنا المركّب.

من السّهل أن تكون أكاديميًا فاعلًا تساهم في تكثيف هذا الهراء، لذا فإنّه من غير الصّائب أن يفكّر كلٌ منّا على حدة، وينبغي أن نسعى بشكل مؤسّسي جمعي للنهوض بثقافتنا ومؤسّساتنا وسياستنا الاقتصاديّة، لأنّ تصويب أصابع الاتّهام نحو الأفراد ليس مفيدًا هنا، فلا بدّ من أن نجري تحليل اجتماعي لما يحدث في هذه المؤسّسات.

الكثير من الأشخاص الواعين في مؤسّسات التّعليم العالي اليوم يدركون تمامًا أنّه هراء، والقليل منهم يعي كمّ التّراكم المخيف الّذي بلغه هذا الهراء إلى حدٍ شوّه خارطتنا الإدراكيّة فيما يخصّ _ الأسئلة الكبرى ووضعيّة العلوم في حياتنا_، وكثير من الأشخاص داخل هذه المعمعة يشعرون بالعجز عن مقاومة امتداد هذه التّلال، فهم لا يريدون المخاطرة بالمكاسب الآنيّة الّتي حصلوا عليها، أو أن ينتقلوا لمساندة هذه الأنظمة، بل يضحّون مجبرين على قبولها والدّوران في أفلاكها المنتنة.

لا أخفيكم أنّني أيضًا أشعر بالعجز، ويبدو أنّ أقصى ما يمكنني فعله هو المحافظة على ما تبقّى من أيّ شيء قيّم داخل التّقسيم التّقليديّ للعلوم الغربيّة بشقّيها المادّي والإنسانيّ. إنّ التّغيير في الحقيقة غالبًا ما يحتاج إلى وقت طويل، وغالبًا ما يكون قادمًا من مؤثّر خارجي يقاوم قصور النّموذج الحالي الأخرق. ليس بالضّرورة أن ينتج هذا التّغيير نهاية سعيدة، فعلى التّغيير الإيجابيّ الأصيل -إن حدث أصلًا- أن يجمع بين التّراث ذي الرّؤية والمنهجيّة الثّوريّة. نحتاج أفرادًا يمتلكون القدرة على إعادة إحياء أفضل قيمنا التّعليميّة وإعادة بناء المستقبل بأكثر طريقة منهجيّة فاعلة ممكنة.

يعطينا التّاريخ بعض الاستبصارات الّتي قد تمنحنا أملًا في أنّ إرادة الرّجال والإناث المبدعين ستثمر مع الوقت تجارب وتبنّي مؤسّسات جديدة؛ وتصبّ في ازدهار ورفع تعليمنا العالي، الّذي يستحقّ اسم التّعليم العالي، وتبث الرّوح في ثقافتنا وحياتنا السّياسيّة من جديد. وبينما تستمرّ أكوام الهراء بالتّراكم، لا بدّ أن يقفز هذا السّؤال الطّارئ: إلى متى علينا أن نتحمّل هذا الهراء والبلاهة والدّمار داخل وخارج المؤسّسة الأكاديميّة في وقتنا الحاليّ؟!

المصدر
chronicle

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق