عام

وما ذاك لها بخلق

  • عبد العزيز بن سعود الجاسر

بسم الله الرحمن الرحيم

“ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق”

أجدني حظيت بتوفيق من الله تعالى يوم أن سمعت ذلك الحديث النبوي الذي أنار لي ظلمة كامنة، رسم لي هذا الحديث منهجاً بديعاً في التعامل مع الناس على تنوع أجناسهم، ثم أرجعت البصر كرتين في ذلك الحديث فأبصرت شيئاً آخر فتح لي آفاقاً رحبة، وطرقاً لاحبة، لم تخطر لي على بال…

في شهر شوال من العام السادس للهجرة توجه النبي ﷺ وصحابته الكرام إلى مكة لأداء العمرة “حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية…)

في ذلك الموقف المهيب لمـّا كان النبي ﷺ قاب قوسين أو أدنى من الحرم، تأبّت القصواء عن المسير وبركت، فقال الناس وهم لا يعلمون ما الذي منعها عن المسير وطاعة النبي ﷺ: حل حل، فما زادها إلا تأبياً وثباتاً…

فكان حكمها عند الناس أن خلأت، أي: عصت القصواء…

فأجاب نبينا ﷺ عن حكمهم بـ (ما خلأت القصواء)، تأمل بالله عليك تلك الأحرف الجليلة النبوية وكأنك تسمعها من فم النبي ﷺ: (وما ذاك لها بخلق)، أي أن حكم العادة هو المعتبر، وأما النوادر والشوارد لا قيمة لها في ميزان العدل، ولا تكون قاضية على العادات…

هذا المنهج منذ سماعه صاحبني كثيراً في عديد من المواقف، ومع عديد من الناس، القريب منهم والبعيد، وما إن طبقته، وسرت على مقتضاه، إلا وكانت العواقب محمودة جداً…

فالذي من أجله امتنعت القصواء عن المسير، هو نفسه الذي حبس فيل أبرهة عن المسير، وهو وقوع الدماء في الحرم، فكان ذلك في علم الله، وكانت القصواء حينئذ ممتثلة أمر ربها، ولهذا عدل النبي عن دخول مكة، ونزل بأقصى الحديبية.

فإن أردت ميزاناً عدلاً تقيس به الناس وتزنهم، وتحكم به عليهم، فعليك بما اعتدت من أخلاقهم، ولا تأخذك زلة من أحدهم فتحاكمهم إليها، وهذا الميزان من أدق الموازين وأعزها، قال ابن بطال رحمه الله: «فيه دليل على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان كلها يحكم بها على الطارئ الشاذ منها، وكذلك في الناس، إذا نُسب إنسان إلى غير خُلُقه المعلوم في هفوة كانت منه لم يحكم بها»[1].

تأمل بالله عليك كيف ستكون تلك الأواصر التي تتخذ هذا المنهج النبوي ﷺ قسطاساً تتحاكم إليه دوماً، فليس أحد من الناس إلا وله نوادر ينبغي أن تُغمر في جنب بحر عوائده الفاضلة، وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معائبه.

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا
صَديقَكَ لَمْ تَلْقَ الذي لاَ تُعَاتبُهْ

فعش واحدا أو صل أخاك فإنه
مقارف ذَنْبٍ مَرَّة ً وَمُجَانِبُهْ

إِذَا أنْتَ لَمْ تشْربْ مِرارًا علَى الْقذى
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

طُبعت الحياة على الكدر، ولست أنت الوحيد الذي تكابدها، فأحرى بك إذ صبر عليك غيرك يوم تأثرت بشيء من طباع الحياة وأكدارها، أن تصبر على غيرك، وأن يغريك حلو العادات عن مر الشوارد…

ليت شعري أي حسرة تلك التي أخذت بلباب صاحبها، وهو يتذكر كيف محا أنس السنين وصفو ودادها، بشاردة خرجت بلا خطام ولا زمام، قولوا بالله عليكم لأصحاب المواثيق الغليظة، أن يتريثوا، ولا يجرمنهم الشيطان بهفوات لها ما يسدها في رصيد الإحسان وأضعافاً مضاعفة.

ليت شعري أي جرأة تلك التي عِبت بها شيخاً جليلاً طالما لهج بالسنة بين الناس سنيناً عديدة، بقول خاطئ حمله عليه اجتهاد مغفور، قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: (فقد أعذر النبي صلى الله عليه وسلم غير المكلف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالماً عاملاً، ثم وقعت منه هنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها – استصحاباً للأصل – وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنف قاطعاً للطريق ردءاً للنفس اللوامة، وسبباً في حرمان العالم من علمه، وقد نهينا أن يكون أحدنا عونا للشيطان على أخيه).

هذا والله ميزان العدل، فلا نُعماً لمن ينظرون بعيداً إذا سمعوا الحق، وإن زلت بدت تسابقوا إليها كما يتسابق الذباب على الفضلات، قال السبكي – رحمه الله -: (فإذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله)

إذا تشربت هذا المنهج النبوي في الحكم على الناس، وأخذ منك كل مأخذ، فاعلم أنّ بذرة غرست لنفسها في سويداء قلبك وعقلك، وستعطيك يوماً ما من أطايب ثمار الحمد والرضا…

ما زلت أسمع صدى هذه الكلمات (وما ذاك لها بخلق) تتهادى في وديان القلب والفكر وشعابه، وتوحي إليّ بمعانٍ بديعة، أن قيمة الإنسان وثقله في موازين الفضل والسبق، هو بما اعتاده من الأحوال والأمور والخصال، فخليق إذن بالمرء أن يحاكم الناس على إثر ذلك، وخليق به أيضاً أن يفتش عن عاداته التي لزمها ولزمته، لينظر أين تقع قدماه…

ما جعلَ امرأ القومُ سَيِّدًا … إلّا اعتيادُ الخلُقِ الممجَّدا

وصلى الله وسلم على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


[1] – «شرح صحيح البخارى لابن بطال» (8/ 126):

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. من أجمل ما قرأت.. مقال في قمة الجمال
    اقتباس:
    ” ليت شعري أي حسرة تلك التي أخذت بلباب صاحبها، وهو يتذكر كيف محا أنس السنين وصفو ودادها، بشاردة خرجت بلا خطام ولا زمام، قولوا بالله عليكم لأصحاب المواثيق الغليظة، أن يتريثوا، ولا يجرمنهم الشيطان بهفوات لها ما يسدها في رصيد الإحسان وأضعافاً مضاعفة ”
    أعجبتني كلماتك في هذا المقطع ؛ ذات وقع ونغم.

  2. ضربت أطناب اللغة ، وطوعت الكلمات فاصبحت رهن ريشتك فرسمت معاني عميقة في إسقاط الحكم على الأصل لا الفرع ، وعلى المعتاد لا الشاذ ، وعلى المستمر لا المنقطع ، فحسمت العلاقات حسما … وأسست قاعدة العين الثاقبة والأحكام العادلة على بقية البشر ، مستمداً ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام ( وما ذاك لها بخلق ) منهج نبوي يؤسس لقاعدة عظيمة قلما نتبعها … فنسّرع خطى الكلمات المنكسرة تلك التي تكسر وجدان من يخطئ نادراً … وكان من الأحرى تغليب المعتاد على النادر فنسلم من الخلل والزلل ( وما ذاك لها بخلق ) أنقشها نصب عينيك وسر على هداها تهتدي ، مقالة عبارة عن مجموعة أدوية لا كلمات تشافي وتعافي الأحكام والعلاقات بين البشر ، أكثر من هذه المقالات وسر يارعاك الله واسرج خيلك وارتقِ ولا ترضى بغير المقدمة فهي تزهو بك وتحتفي وتنتظرك على أحر الكلمات النابغة الرصينة وهذا ديدنك فلا تتوقف وواصل السمو على جواد تميزك مع صهيل ريشتك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى