عام

ما الجدوى من قراءة التاريخ؟

  • آدم جوبنيك
  • ترجمة: فاطمة مصطفى
  • تحرير: عبد الله شعبان

قبل سنةٍ تقريبًا كتبتُ موضوعًا حاولتُ أن أشرح فيه لِمَ قد يرى شخص أهميةً في دراسة اللغة الإنجليزية تخصصًا جامعيًا، والنقطة التي كنتُ أرمي إليها -حسبما ظننت- هي أن دراسة هذا المجال ستساعدنا في الدخول إلى نقاشٍ بدأ منذ زمنٍ بعيد ولا زال مستمرًا، وليس لأن تخصص اللغة الإنجليزية أفضل من باقي التخصصات، فالدراسة في هذا المجال لا تعود بفوائد ونتائج بالمعنى المادي، بل بالمعنى الإنساني؛ فالدراسة تعتبر مكافأة بحد ذاتها، سواء عادت علينا بجوائز أم لم تعُد.

وقد ننطلق من هنا إلى طرح أسئلةٍ مشابهة عن القيمة التي قد نحصّلها هذه الأيام من دراسة التاريخ، أو على الأقل قراءته، بما أنه موضوع يُطرَح كثيرًا في صفحات المقال الافتتاحي كل يوم، فكل كاتبٍ تابع لأي حزبٍ أو طائفة سياسية لديه درسٌ بسيط يمهّد به إلى الأسباب التي تسوغ لنا محاربة حزبٍ ما، وتفجيرهم بالقنابل، أو ما يجعلنا نتحيز إلى الحزب المفجِّر ضد منافسيه من الأحزاب، لكنّ أفضل سبب يدفع أي شخص إلى قراءة التاريخ، ليس لأنه يوجهنا إلى اتخاذ القرار الصائب، بل لأنه سيوضح لنا لِمَ اتخاذ القرار الصائب هو فعلٌ قليلًا ما يُثمِر، فالفائدة من قراءة التاريخ لا تكمن في إرشادك إلى بئرٍ من التعليمات، كما يذهب الرجل الخارق (Superman) إلى قلعة العزلة (the Fortress of Solitude) ليستقي التعليمات من أبيه، لكنها تكمن في كون التاريخ يوضح أنه لا وجود لقلاعٍ مثل تلك، وستتعلم من قراءة التاريخ مدى صعوبة السيطرة على مجرياته من قِبل أي شخص مهما كان جبروته عظيمًا أو سلطته قوية، بِمن فيهم مَن يعتقدون أنهم أساس حركته.

كتبَ روجر كوهين في صحيفة (Wednesday) قائمةً بجميع الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، مع الإشارة إلى وجود احتمالين لجريان الأحداث التاريخية الواقعة بين المنطقتين، الأول: إن قرارات وأفعال الولايات المتحدة كانت كلها كارثيّة وفي غير محلها، الثاني: هو التاريخ الأسمى، إذ كانت فيه القوة الإمبريالية الغربية متصرفة بحكمةٍ في تلك المنطقة، واختارت القادة الأكفاء للمناضلة دون الوقوع في التعصب بأي شكلٍ من الأشكال، والاستمرار في الدعوة إلى السلام والمناهضة بالازدهار، لكن أيًا من ذلك لم يحدث.

يوضّح التدخل في ليبيا، عدم كفاية الإرادة القوية والمرشحين المناسبين لإصلاح الفوضى السياسية، وما يوضحه لنا التاريخ هو أن نفس القوى التي أدت إلى ثورة المهدي في السودان قبل قرن- التي هي رد فعلٍ للقائد المستَعمِر نتج عنه انحرافٌ مفاجئ إلى الماضي المُتوهَّم تصفيةً للحسابات- تستمر هذه القوى في العودة، وتستمر مقاومة النظام، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وداعش -على سبيل المثال- جماعة خطرة لا ينتج من  أفعالها ما هو دون الخطر، وهناك العديد من العوامل التي أدت إلى تشكيل جماعة مثل داعش، لكنهم صاروا كيانًا قويًا، وعنصر تهديد بسبب ما فعلناه -نحن الأمريكيين- وليس بسبب ما لم نفعله.

العامل الأكبر الذي أدى إلى تكوين الكيان الداعشي هو التدخل في حرب العراق، (والسؤال الذي ستكون إجابته داعش بلا تردد: ما الذي قد يكون أسوأ من صدام حسين؟)

مثالٌ وطني آخر في الغفلة التاريخية هو سياسة ليندون جونسون الحصيفة، لا محل للشك في أن إعمال جونسون سياسته كان قاسيًا، وحين كان غالبية الناس في صفه سهّل تمرير قرارات ذات أثر كبير، مثل قانون الحقوق المدنية، كما أنه خطط لحرب فيتنام، وبمهارةٍ أقحمها في أجندة الكونجرس، وقد أصبحت كارثة أخلاقية وإستراتيجية، نجم عنها تمزُّق الولايات المتحدة، والأهم من ذلك أنها أشعلت جحيمًا في فيتنام، بالإضافة إلى الجرائم البشعة التي ارتكبها الجنود الأمريكيون التي تُرِكت معظمها دون عقوبةٍ أو قضاء، جرائم رهيبة تُدمِي القلب بمجرد القراءة عنها.

قدَّم جونسون كثيرا من الجهود المحمودة، لكن وصفه بأنه كان مثالا مناقضًا لقيادة باراك أوباما يُعَد جنونًا.

كارثة جونسون كانت مرتبطة بمعتقد الفعل لمجرد الفعل؛ أن تكون صارمًا خيرٌ من أن تبقى جالسًا تكتفي بالمشاهدة، لكن تفادي الكوارث لا يعد جهدًا بسيطًا، بل إنجازا كبيرا لا يقدر على تحقيقه كثير من الناس، ودراسة التاريخ لا تدعو إلى الاستسلام، لكنها تبيّن ببراعةٍ أهمية البساطة: أن تتخذ أقل المواقف عنفًا لمنع وقوع المزيد من العنف.

الخطيئة الحقيقية الناجمة من غياب الوعي بالتاريخ هي أن هذا الغياب يشجع على الحضورية، بمعنى أن ذلك سيؤدي إلى المبالغة في فحص مشكلاتنا الحالية ورؤيتها أكبر من أي مشكلة سابقة، يتمثل في هذا الاعتقاد رؤية الأوضاع على أنها أسوأ من أي وقتٍ مضى، وهكذا نبالغ في تحجيم المشكلة كأنها مأساة من نوعٍ خاص، بدرجةٍ لا تناسب واقع الحدث، عوضًا عن رؤيتها على أنها معضلة مألوفة، وكل قضية تطلب حالة استنفار قصوى، وكل واقعة تتحول إلى ذكرى متقيِّحة، وكل حادثة تصبح كارثة تاريخية في أمسّ الحاجة إلى إصلاح عاجلٍ جذري.

حتى إن كانت التجارب تثبت أن المعالجة العدوانية في الماضي قد أدت إلى تدهور الأوضاع إلى حدٍ مدمِّر، فتاريخ الطب مثلًا يثبت أنه مهما صعب التدخل وزاد الأمر سوءًا، فإن تدخل الخبراء لا يفيد سوى في المزيد من الانتكاس؛ ففي القرن السادس عشر ضغط أطباء مصابون على جروحهم الخاصة وجروح مصابين آخرين غيرهم ظلوا جالسين بجانبهم يراقبون فراقهم الحياة بلا حيلة، وفعلوا ذلك أيضًا مع العديد من الجرحى الآخرين.

يُبيِّن لنا التاريخ أن لا شيء يجري حسب الخطة، وكل شيءٍ تتبعه عواقب لم تكن بالحسبان، والتاريخ لا يخبرنا أنه لا يجدر بنا خوض الحرب؛ ففي بعض الأحيان لا يكون هناك حلٌ آخر، لكنه يرينا أن نتائج الأحداث خارجة عن سيطرة الجميع، وأن الاحتمال الأكبر أن التاريخ يصيّرنا نحن ولا نكتبه.

يمضي التاريخ متفردًا، ولا تتشابه فيه السنين أبدًا.

هناك أناس مهووسون بهذه السنة على وجه الخصوص من القرن الماضي، المصيبة التي حدثت في شهر أغسطس من عام 1914، كيف أقدمت حضارة مزدهرة على الانتحار، ولا أظن أن المشكلة كانت في قلة وعيهم التاريخ، إنما لقراءتهم التاريخ الخطأ؛ توهَّموا تاريخًا بخطط وتطلعات كبيرة وضعت بحنكة لاعب شطرنج.

إن قرأت التاريخ جيدًا ستجده ببساطةٍ عِبارة عن التواضع يُحكَى بأساليب مختلفة.

وبضع دروس في محاولة تذليل الصعاب وحل الأزمات ستجعلنا نتفادى سلسلة من الذل المستمر، ما الذي وَجَب على المستشارين قوله إلى اللورد جراي -السكرتير الأجنبي لبريطانيا- قبل قرن؟

بالتأكيد سيكون شيئًا مثل: دعنا لا نتصرف بحماقة، فالألمان قوة متصاعدة، وقد نستطيع تسوية الأمور معهم دون أن نخسر جزءًا من أساسنا، وقد نستطيع أيضًا تشكيل الطريق معهم حسب مصالحنا، فما حدث في صربيا كان مجرد حادث ولا يستدعي الحرب، الفرنسيون مصرّون على استعادة ألساك-لورين، لكن هذا أمرٌ لا يهمنا، ولا يهم الفرنسيين حقًا، لو كان فقط باستطاعتهم رؤية ذلك، والدولة العثمانية لا تستدعي القلق مقارنةً بما يدور في ذاك الجزء من العالم.

لن نخسر مصداقيتنا بالتضحية بجيلٍ كامل من الشباب، فإن موضع مصداقيتنا يكمن في استمرار وجودهم الهنيّ.

كان بإمكان البريطانيين تقديم كثير من التنازلات البسيطة، وبذلك تتأجل مواجهة بعض التحديات؛ وتتضاءل الحاجة إلى اتخاذ قرارات عنيفة، وكان بإمكاننا تفادي هذه الكارثة التي مهدت الطريق إلى الحرب التالية، وهيأت ساحتها.

هذه هي الحكمة من قراءة التاريخ، وهذا هو مفاده الوحيد، فأهمّ عبرة نتعلمها هي ألّا نحرّضه أبدًا، فإن الذين يعيدون التاريخ مدانون بجعلنا نقرأ هذا التكرار كل يوم في نشرة الأخبار الصباحية.

اقرأ ايضًا: البلدان المحطمة: كيف تفكك العالم العربي؟

أعجبني المقال

المصدر
newyorker

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى