عام

حاتم الطائي يُبعث بعالية نجد بعد ألف عام

  • عبدالرحمن المشعوف

من باب قول زهير بن أبي سلمى:

ما أرانا نقول إلا رجيعًا – ومُعادًا من قولِنا مكرُورا

ومن بابِ مقولة علي رضي الله عنه الشهيرة: لولا أن الكلام يُعاد لنَفد!

ومن قول أبي العلاء المعرِّي:

ربَّ لحدٍ قد صار لحدا مرارا – ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

ومن الشعر النبطي أيضا في الباب نفسه لسلطان الحويقل:

شعار ونعيش الحياة بتهور
وتمر ساعات الزمن ما اتعضنا

حتى التطوّر ما عرفنا انتطور
نضحك على أنفسنا ونسرق بعضنا!

عسى أن تكون “مبررات” لهذه الرؤية أكثر من كونها أبواب، حيث إني لا أعتقد أنها تطابقها بالأصل، ولكنها أقرب ما قيل، إن حاتمًا قد ولد في عالية نجد باسمٍ آخر ونسبٍ مختلف، تغيَّرت كل ظروف زمان حاتم الأول ولم يبق إلا منابع الكرم والرؤى الحاتميَّة لتدلنا وحدها على من بُعث باسمه!

حيث إنّ الله أكرمه وبعثه بذات الصفات الاعتبارية الثلاث:

“فارس – شاعر – أمير عشيرة “

توفي حاتمٌ في العام الخامس والأربعين قبل الهجرة، وولد (حجرف الذويبي) في العام التسعين بعد الألف والمئتين من الهجرة، ومع هذا الفارق الزمني الكبير إلا أنهما تطابقا بالشخصية والصفات والأفعال، بل والأشعار!

زوجة حاتم عندما عاتبته وأكثرت عليه اللوم على كرمه المُفرط وعدم ادّخاره ما يملك؛ رد عليها بالقصيدة المشهورة التي مطلعُها: وعاذلةٍ هبَّت بليلٍ تلومني” الى أن قال:

ألم تعلمي أنِّي إذا الضِّيف نابني -..وعزَّ القرى أقري السديف المسرهدا

يقول لزوجته التي تُعاتبه، ألم تعلمي أنِّي إذا غشاني ضيفٌ بليل أو وفدوا بنهار وقد عُدمت الولائم الخفيفة عند الناس كالتمر، والثريد من شدَّة الجوع، أُطعم السديف المسرهدا أي : السنام، والسديف المسرهد أي السنام الضخم الكبير وليس الهزيل، يقول أنا أطعم كل ضيف يغشاني سنامًا على حده، وذلك لأنهُ خير لحم الإبل وألذّه.

وذلك مافعله حجرف الذويبي عندما غشاه ضيفٌ بليل، وقد أجدبت الديار وجفّت العدود، ولم يملك إلا الجزور التي كان يرتحل عليها فنحرها وأطعمه سنامها، كما في القصةِ المشهورة، وعندما أصبح قومه ارتحلوا فجرًا طلبًا للمراعي ولم يعلم قومه أنه قَدِم عليه ضيفٌ بليلتهِ تلك وذبح له التي كان يمتطيها، وعندما أشرقت الشمس وجد نفسه وحدهُ بذلك المكان وقومه قد رحلوا ولم يفقدوه، وأخذ يجرُّ خطاه إلى أن اعتلى ذاك العَلَم النجدِّي ورأى الطائر وهو يقع في فم الداب الأعمى فيلتهمه كما في القصَّةِ المشهورة وبدع قصيدته التي مطلعها : يقول بن عيَّاد وان بات ليْلَه:

قال الذويبي والذويبي حجرف

ماني مسكين همومه تشايله 

أنا ليا ضاقت عليّه تفرجت 

ماني بهلباجٍ همومه تكايله 

يرزقني رزاق الحيايا بجحرها 

لا خايلت برقٍ .. ولا هي بحايله

وقد قالت لحاتم “على لسانه”:

يقولون لي أهلكت مالك فاقتصد
وما كُنت لولا ما يقولون سيّدا 

أما حجرف فأهلك مالهُ بالفعل ونحر آخر جزور كانت تحمله وزوجته، وأخذ بذلك الموضع إلى أن بانت له إبلًا سائبة لا يُحصى عددها فأخذ بخطامها إلى داره ثم ارتحل وتبع قومه..

 

كما قال حاتم :

أوقد فإن الليل ليل قرّ
والريح يا موقد ريح صرّ

عسى يرى نارك من يمرّ
فإن جلبت ضيفًا فأنت حُرّ

 

وقال حجرف :

تشب نارٍ يجذب الضيف ضوَّها
وان خبتت زدنا حطبها سقايله

والله مانكره ضيوفٍ ليا لفوا
صعلوك والا من معالي حمايله

التوارد والتشابه في هاتين القصيدتين بات واضحًا،  ومطالعُهما :

“وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومني”

ولحجرف:

“يقول بن عيّاد وان بات ليْلَه”

كلاهما تصب بنفس الإناء وتصيب ذات المقاصد.

 

عند حسن التوكل على الله سبحانه، يقول حاتم :

كلوا الآن من رزق الإله وأيسرو
فإن على الرحمن رزقكم غَدَا

كما قال حجرف :

ولاني على رزقي بخيلٍ لغيري
ورزقي يجي لو كل حي يحايله

 

كما بدأ كلٌّ منهما قصيدته بما يصب بذكر الحاجة التي أصابته بسبب عطاء يمينه، ثمَّ إلى التمسُّك بتلك الفضيلة وإن كان ثمنها الفقر، إلى أن انتهى كلاهما بالفخر.

افتخر حاتم :

أَسُودُ ساداتِ العشيرة حافظًا
ومن دون قومي في الشدائدِ مذودا 

سأذخر من مالي دِلاصًا وسابحًا
وأسمر خطيّاً وعضبًا مُهندا

ثم افتخر حجرف:

وذبحت انا سبع الركايب لاهلها
في حزةٍ عيا على الزاد كايله

وهذي قبايل حرب ياجاهلٍ بها
كم دولةٍ راحت توقد غلايله 

نوبٍ نحد الغير ونوبٍ يحدنا
واللي خذوا منا خذينا بدايله 

تسعين قرية ماخذيناه بالثمن
كسبٍ بالأيدي حيث الأيدين طايله

“جميع ماحشنا ندور به الثنا
وماراح عاضنا الله بدايله
  “

وذلك بيتٌ لو ذُكر لنبي لقال إنه أراد شيئًا بالدنيا فأصابه، كما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن حاتم .. إلا أنه لا نبي بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم..

والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على ابن عبدالمطلب..

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى