عام

عُرس المساجد

تنبّهتُ من نومي ضُحى، بعد ليل طويل قضيتُ بعضهُ مُكبًّا على موائد العيد حلوها ومُرّها ومالحها ودَسِمها، فلمَّا تولّت سكرة الطعام وأقبلت فكرة الهضم، ذهبتُ ألتمسُ هضمَ العشاء المتراكم مستعينًا عليه بأصناف الشاي الأخضر، وبخطى وئيدة من المشي المتثاقل، ففي الأعياد تنقلب أحوالنا رأسًا على عقب، فيغدو النهار لباسًا والليل معاشًا.

فلمّا استيقظتُ ضُحىً رحتُ أتفقد شبكات التواصل الاجتماعي، فآنست فيها ضوضاء وجلبة وتفاعلًا عزَّ نظيره في حسابات المغردين، فرحينَ بالقرارات التي أذاعت أنَّ بيوت الله ومساجده قد أخذت زخرفها وازّينت، متحيّنة قرب قدوم عمّارها من الركّع السجود.

هذه فرحتنا نحن البشر، فماذا عن الفرحة الأخرى التي تطيش معها العقول؟

تلكم هي فرحة الله تعالى بالمصلّين القافلين إلى بيوته، المقبلين على رياضه، واستقباله لهم بحفاوة وتقدير، فالله سبحانه يهشُّ لهم ويبشُّ ويفرح بهم أشدَّ من فرح الأهل بقدوم غائبهم الذي يئسوا من قدومه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله له، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم”.

تبشبش: هشَّ وبشَّ وفرح بقدومهم.

ولو كان لمحراب المسجد ولسواريّه وأعمدته وجدرانه روحٌ تعقل وجسدٌ له قوامٌ، لأقبلت على أولئك المصلين الآيبين بعد طول غياب، وفي أصواتهم بحّة الشوق وعلى جفونهم قرح الحزن، فتتلقفّهم بأحضانها بين ذارعيها، وتحيّيهم بالقُبل الدافئة، وتتجاوب معهم بدموع العين الوالهة، ثم تهدهد أرواحهم بأحاديث المودّة لتسكن وتهدأ، وهم حافّون من حولها قد شخصت أبصارهم إليها، حتى إذا التأمت قلوبهم الجريحة بطول غيابها، وشبَتْ وجوههم الشاحبة بفراقها، ربّتتْ على ظهورهم ثم راحت تبثّهم في صفوفها قيامًا للصلاة.

لماذا كان فرحنا بعودة المساجد، أشدَّ من فرحنا بلقاء من نُحبُّ؟ هذا ليس سؤالًا عِرفانيًّا عاطفيًّا لا يؤبه له! بل هو سؤال وجوديٌّ عقليٌّ ذو معنى عميق، لكن لا يعقله إلا العالمون بأمر الله.

نظنُّ أحيانًا أنَّ المسجد موطن نؤدي فيه الصلاة ثم ننفضُّ عنها إلى شؤون حياتنا، غير أنّنا نغفلُ عن كونها قلاعًا شامخة حصينة تقي الإنسان والأسرة والمجتمع من مصارع السوء، وتحميهم من أعداء الجنِّ والأنس صنّاع الرذيلةِ ودعاة الخبثِ: (إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، وفي الحديث المتفق عليه: “إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين”.

والمساجد مصانع للرجولة ومعامل للفتوّة، ففي صفوف المصلين، وخلف محاريب الأئمة تُحاك خِصال المروءة وتُبنى مكارم الأخلاق وتنبل معادن الرجال وتزكوا عقولهم: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يُسبح له فيها بالغدوِّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة)، فوصفهم الله بالرجولة، وبإحكام السلطان على النفس وعلى الهوى بعدم الانقياد لملاذِّ النفس ومباهج الدنيا والسعي في مطامعها.

ومن المساجد تنبعثُ المعجزات التي تغيّر نظام الكون، وتتحقق الأحلام التي تعيد نشر الأمل، وتُجاب الدعوات الصادقة، وتُبارك الأرزاق والمعاشات: (كلّما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا، قال يا مريم أنّى لكِ هذا، قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه، قال ربِّ هب لي من لدنك ذرية طيبة، إنّك سميع الدعاء، فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصالحين).

وعِمارة المساجد بالصلاة والذكر، من أصدق ما يشهد على صحة إيمان صاحبها، وقوّة يقينه بالله، وكرم عطائه وتوفّر شجاعته: (إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله).

ولأولئك المولعين ببرامج النجاح وحصد الإنجاز، فإنَّ من أسرع خِطط حصول الرزق في الدنيا والنجاة في الآخرة: تعلق القلوب بالمساجد، فهي من صِفات أهل التقوى الذين تنثال عليهم أرزاق الله من حيث لم يحتسبوا، كما في الحديث الصحيح: “سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلّه”.. وذكر منهم: “ورجل قلبه معلق بالمساجد”، وفي الحديث: “المسجد بيت كل تقيٍّ”.

ولأنَّ الله تعالى يحبُّ بيوته ويوقّرها، فقد انتدب لمهمة بناء بيته الأول في الأرض – وهو المسجد الحرام بمكة المكرمة – أشرف خلقه، فقيل: بنته الملائكة، وقيل بل آدم عليه السلام، وقيل: بناه إبراهيم ومعه ابنه إسماعيل عليهما السلام، وأيًّا من كان الذي بناه من هؤلاء، فهم عباد مكرّمون وخلاصة خلق الله أجمعين، اصطفاهم الله لإقامة بيته وخصّهم بهذا الشرف العظيم.

ولم يقف فضل المسجد وشرفه عند هذا المقام الحميد، بل إنَّ الله أحال خطوات عباده التي يخطوها لبيته، إلى عناقيد نورانيّة زاهية تضيء فوق رأس صاحبها يوم القيامة: “بشّر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة”.

ومن أشرف مقامات التعلّق بالمساجد ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه إذا آب من سفره، فإنه يدلف إلى مسجده في المدينة فيعانقه بصلاة ركعتين، فيكون المسجد هو أول موضع يلثمه رسول الله، وأول موطئ يغشاه، قبل أن يلقى زوجًا وولدًا، وخليلًا وصاحبًا، فإذا سكنت نفسه واطمأنت بلقاء ربه في المسجد، أقبل على آلهِ وأزواجهِ وصحبهِ ينتديهم ويُجالسهم.

هذا غيض من فيض في بركات المساجد وآثارها على الناس وعلى المجتمع، فهل يُلام الناس بعد ذلك أن تنخلع قلوبهم فرحةً وسعادة لقرب عودتهم إلى محاريب الصلاة ورياض المساجد! لا يلومهم بعد هذا كلِّه إلا من سفه نفسه.

ثمَّ أمّا بعدُ، فشكرًا للثائر الأحمر الرفيق كوفيد التاسع عشر!

قد يُنعم الله بالبلوى وإن عظمت ** ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ

قرأتُ لأحد الحكماء أنَّ طعم الحياة يدركه حقًّا من عاين طلائع الموت ورُسله، وأنَّ أصدق مشاعر الحب يستلذ بها من ذاق لذع الصدود، وأنَّ نعيم الصحة إنّما يُعرف إذا مسَّ الإنسانَ ألم المرض.

هكذا تجري سَنن الحياة، أنَّ النعماء مهما جلّتْ مغفول عنها، ثم إذا رنَّ ناقوس الحوادث، وذاق الإنسان بعض مضض الضراء ووخز ألمه، صحا من غفلته، وانكسر زيف أُبّهته، حتى يبصر مَعين آلاء الله التي كانت ثرّة بين يديه، وهو تائه عنها في سكرة النعيم.

والله المستعان.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق