عام

درس هناء الأخير!

  • فيصل بن تركي

قليلة هي حوادث الوفياتِ التي تَشْرَقُ بها نفوس أهل المتوفى وغيرهم على حد سواء، وتعصرهم جميعًا مرارة الفقد ولوعة البين، الوفياتِ التي يختلط عليك بها أهل المتوفى من غيرهم، الوفياتِ التي جميع من سمع بها يُعَزِّي ويُعَزَّى في آن واحد!

كانت -كما رأيت رأي عين- وفاة الشابة الصالحة -نحسبها ولا نزكي على الله أحدا- هناء بنت عبدالله الماضي واحدة من تلك الوفيات… رأيتُ ورأى غيري في جامع الراجحي وفي المقبرة أعدادًا من المشيعين لجنازتها والمصلين عليها والمعزين لأهلها وذويها= يكررون: لا نعرفها إلا من ذكرها الحسن، وأثرها الطيب، وجهدها وعلمها ونفعها للناس؛ ولذلك حضرنا!

رأيت أمامي شابًا -في المقبرة- بعد مواراة الفقيدة رحمها الله يبحث عن أحد من ذويها يريد أن يقوم بواجب العزاء والدعاء، وكان ذلك بعد الدفن بفترة يسيرة، وكان قد بقي بعض الناس واقفين عند قبرها داعين ضارعين باكين، وكان هذا الشاب كلما رأى باكيًا داعيًا قال: لعل هذا من ذويها؛ فيسأل، فلا يجد ضالته.. وهكذا فعل مع ثلاثة أو أربعة.. أرأيت كيف اختلط عليه في هذا المشهد أهل المتوفى من غيرهم؟!

حضر للصلاة وللعزاء رجال ونساء من خارج منطقة الرياض، بعضهم يقول: لم أكن أعرف أن على ظهر هذه الأرض أحدًا بهذا الاسم؛ لكن لما رأيت حديث الناس، وتناقلهم لخبرها، وقرأت شيئا من سيرتها، ورأيت بعض آثارها= أثَّر ذلك بي، ورأيتني أحمل نفسي خفيفة نشيطة لقطع تلك المسافات للصلاة عليها!

بل تجاوز هذا العزاء حدود المملكة عابرًا للقارات، فَذَكَرها ودَعَا لها أناس في دول الخليج وفي مصر وفلسطين وبلاد المغرب العربي، وفي بعض دول أوربا، وصلى عليها صلاة الغائب بعض المسلمين من تلك الدول!

لم تكن هناء في عرف شبكات التواصل وبمعيارها من المشهورات، كان أعداد الذين يتابعونها في حسابها وقنواتها مجتمعة ربما لا يتجاوز الثلاثين ألفًا، أقول هذا حتى لا يسبق لذهنك أن هناء كانت مشهورة في تلك الشبكات، وأن وفاة المشهور (في الأرض) من الطبيعي أن يتفاعل معه هذه الأعداد؛ لكنني أحسبها والله حسيبها ولا أزكي على الله أحدًا أنها كانت مشهورة (في السماء)، مشاهير السماء -مع التجوز في العبارة- هم أولئك الذين يُعرِّف بهم سيد الملائكة وأفضلهم جبريل -عليه السلام- ينادي في أهل السماء هذا فلان يحبه الله؛ فأحبوه… هم أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُدًّا﴾، يعني: حبًّا في قلوب الخلق. لا أتألى على الله؛ لكن هكذا أحسبها!

الشواهد والمواقف التي تؤكد هذا التأثر العام كثيرة وقريبة، وقرأها أكثر الناس وتأثروا بها، لا أريد أن أطيل بها الحديث هنا، الذي أريد أن أوصله أن هناء رحمها الله كانت في حياتها قد أعطتْ دروسًا عديدة لكل من عرفها، لكنها بعد موتها أعطتْ درسها الأخير لمن عرفها ومن لم يعرفها، كان درسًا صامتًا؛ لكنه كان بليغًا، مؤثرًا، مدهشًا…

كان من مفردات هذا الدرس الأخير: أن الالتزام بشرع الله تعالى مهما فسد الزمان ممكن، وأن الاعتذار بالظروف المحيطة والواقع المعاش كذبة إبليسية، وأن التذرع بكثرة الملهيات والمغريات ومشاكلة أهل الزمان حيلة شيطانية، وأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأنه ما كلفنا بهذا الدين إلا وهو في وسعنا وقدرتنا.

ومن مفرداته: أن العمل لدين الله تعالى يسير، وأن “بلغوا عني ولو آية” قطعت أعذار المتقاعسين، وأن جهودها -رحمها الله- التي بذلتها لا يَعْجز عنها أكثر الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، هل يعجز أحد أن يفتح قناة في تيليجرام وينشر روابط لمحاضرات ينتقيها؟ أو قناة ينقل فيها اقتباسات علمية وإيمانية من مقروءاته؟ إنه: التوفيق…

ومن مفرداته: أن أبواب الخير وشعب الإيمان لا تضاد بينها، يمكن أن تكون طالب علم، في الوقت الذي تدعو فيه إلى الله، ويمكن أن تقضي حوائج الناس وتفرج كربهم في الوقت الذي تجد فيه وقتًا لتألهك وعبادتك، ويمكن أن تخالط الناس وتعتزلهم… وأن الثنائيات التي يفترضها كثير من الناس هي محض خيالات وتوهمات توهموها فكبلت أيديهم، وغَلَّت أعناقهم، وقيدت مسيرهم.

ومن مفرداته: أنه مهما صوَّر لك الناسُ فسادَ الناس، ومهما قال الناسُ: هلك الناسُ= أن في الناس خيرًا، خيرًا يُعميك عنه ضجيج الباطل؛ لكن الله تعالى يرسل نسمات رحماته ليريك النماذج المشرقة الخفية النقية التقية في مجتمعنا؛ ليصح تصورك، ويتعدل ميزانك، وترجع تعيد حساباتك وتقييماتك للناس وأحوالهم، ولتعلم أن سنة الله جارية: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم ثُمَّ لا يَكونوا أَمثالَكُم﴾.

ومن مفرداته: أن أعظم مشروع يجب أن تعتني به، هو: المضغة النابضة في صدرك، قلبُك، مَلِكُ جوارحك، الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، أن تملأه صدقًا وإخلاصًا وإخباتًا لله تعالى، كل من تابع هناء -رحمها الله- في حسابها التويتري أو في قناتها التيلجرامية أو قرأ مدونتها يعلم أن قضية القلب وصلاحه، وملأه بمعرفة الله، وحب الله، هي من القضايا التي كانت توليها عناية بالغة في نفسها وفي إفادتها لغيرها، وغالب كتاباتها في هذا المجال هي كتابات لا يُمكن أن تُمثّل تمثيلا هي معاني تُعَاش، ثم يجري بها القلم، وحجّةُ ذلك وأمارته: (أن تفلت يدك!).

أطلت، فعذرًا.. لكنه بعض حقها علينا؛ فإن لهناء -رحمها الله- يدًا على كل من سمع خبر وفاتها وتأثر به، وأنا واحد من هؤلاء. وبعض حقها علينا أن نوثِّق هذا الحدث الذي هزّ كثيرين، وأما مكافأتها فالله يتولى إكرامها كرمًا يليق بحسن عائدتها علينا..

روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ” وذكر من هؤلاء السبعة: “وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ”.. معشر الشباب والفتيات أدركوا هذه الفضيلة، ما دمتم في زمن المُهْلة!

اقرأ ايضًا: هناء الماضي ودورها في بث العلم

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. في الحقيقه أنا ايضا هنالك شُعورُ قريب بي منذُ وفاتِها لا أعلم شرحُه لكن كلما خلدتُ إلى النوم أصبحتُ أتذاكر ماذا فعلت لألقى الله عز وجل قرأتُ كيف أنها افلتت يدها من جميع الناس وما عادت تخافُ من الظلام ففعلتُ ذلِك فصرتُ أقومُ الليل بعد أن كنتُ أخاف من ظُلمته لا أُزكيها على الله عز وجل لكن أشعر أنها فتخت ثقباً في نور علي وأنا في هذه الظُلمات الحمدُ لله بدأتُ أستسهل الأعمال الصالحه وان الدين ليس صعباً إنما يسير لم يسبق لأحد ان يٌؤثر علي هكذا رغم أني لا أعرفُها هو شيءُ جداً غريب جعلكِ الله في النعيم هناء

  2. جميل ما قرأت بوركتم وبورك قلمكم
    والأجمل منه هو ذاك الشعور الذي أجده في نفسي منذ بلغني خبر وفاتها رحمها الله وجمعنا بها في جنات النعيم??

    أنا من اولئك الذين لم يعرفوا عنها إلا بعد رحيلها
    وكم لامس قلبي وأثر بي الأمر
    أثر أجدهُ في العمق
    أيقظ فيّ مشاعر وفكرًا
    أتمنى أن يبقى هذا الأثر في نفسي
    و ألا أكترث لهذه الدنيا الزائلة الزائل كل ما عليها وأكترث للباقية.

    ‘أغبطكِ يا هناء’ ?

    اسأل الله جل في علاه
    أن يجمعنا بكِ وبعباده الطيبين وأصفيائه في جنات النعيم
    رحمة منه وفضلاً ?
    وأن يخرجنا من هذه الدنيا في عافية
    ويدخلنا جنته بجوده وكرمه وفضله ورحمته في عافية??

  3. شعور غريب مذ وصلني خبر وفاتها رغم اني لم اعرفها قبلا اصبحت لا اهتم بالدنيا كما السابق واتذكر الاخرة والموت اكثر مما مضى اللهم عسلنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى