التربية والتعليم

التعليم الجيد لا يتعلق فقط بالشكليات النظامية

  • سارة جونسر
  • ترجمة: رزان الزايدي
  • تحرير: عبدالله بن إبراهيم الحسين

لا يقتصر التعليم الجيد على اتباع “سلسلةٍ ثابتةٍ من الاستراتيجيات والأدوات المبرهنة على أنها الأكثر تفضيلاً وفعالية”.

هكذا صرحت المخضرمة ريني مور -أستاذة اللغة الإنجليزية للمرحلة الثانوية-  وكريستينا رزغا –كاتبة سلسلة On Teaching في موقع The Atlantic. اقترحت مور بأن أكثر طرق التدريس فاعليةً هي في الصفات غير الملموسة -صفات مثل التعاطف واللطف، والاحترام الكامل لاهتمامات وحياة كل طالب على حدة.

وبحسب رزغا، فإن العمل من جانب الاهتمام يتيح للمعلمين إقامة علاقات عميقة مع الطلاب، ومن ثم خلق “التزام يومي كامل وإدخال تمارين هادفة، والتمكن من الاهتمام بكل طالب على حده”. أما بالنسبة للمعلمين البارعين، فالشخص الذي يفوق يطبق علم التربية (البيداغوجيا)، سيجد التشكيلة المناسبة من التدريبات -على الأقل إلى حدٍ ما- وسيعرف ما يحتاجه كل طفلٍ على حدة.

سافرت رزغا في طول البلاد وعرضها لمدة سنتين من أجل سلسلتها، محاورةً أهم المعلمين المخضرمين وصاحبي الإنجازات في أمريكا، من أجل جمع ما يمتلكه هؤلاء الأساتذة من خبرةٍ عميقة وما عرفوه خلال سنوات عملهم. “ما ساعدهم هو استخراج أفضل ما لدى طلابهم”؛ والنتيجة هي مجموعةٌ من القصص النيّرة والتي تلمس مشاكل الثقافة والعرق إلى جانب نصائح عن كيفية التدريس عن بُعد.

جمعنا بعضًا من أفضل الأفكار التأسيسية البنّاءة لتُنير عقول المعلمين على مرّ عقودٍ من العمل في البيئة الصفية والتي ساعدتهم حتى في إلهام أكثر الطلاب تحفظًا للنمو والتعلم.

 

العمل على كل طالبٍ على حدة

تقول بيريت ميكيمي -معلمة اللغة الإنجليزية للمرحلة الثانوية- بأن جزءًا من معرفة الطلاب يكمن في مشاهدتهم، والاستماع إليهم في الصف أو في رواق المدرسة، وملاحظة كيفية تعبيرهم عن أنفسهم في الأنشطة المدرسية، وتضيف ميكيمي -والتي أصبحت الآن مديرة مدرسة Mission High school في مدينة سان فرانسيسكو- : “يعبر الطالب عمّا يجول في خاطره في كل مرةٍ يؤدي فيها مهمةً تُطلب منه.”

“هنالك الكثير من الفرص التي تؤدي إلى فقدان بعض الطلاب، وعدم رؤيتهم، وعدم الاستماع إليهم، وإيقافهم.”

وتعني أيضًا إيجاد الفرص للاتصال مع كل طالبٍ على حدة. تذكر مور طالبًا بعمر السابعة عشر من عمره بالرغم من ظهوره البارز في حصص الرياضيات إلا أنه كان يعاني في حصص اللغة الإنجليزية، بعد قضاء وقت مع الطالب بعد ساعات المدرسة، وجدت بأنه يُشع بالحماس عندما يناقش موضوعي العائلة والرياضة؛ مما دفعها إلى تشجيعه للكتابة فيها، وأدى ذلك إلى كتاباتٍ مفعمةٍ بالحياة وبتركيبةٍ معقدة، سجلت أيضًا محادثاتهم الصوتية وطلبت منه كتابتها دون أن يُعير اهتمامًا للقواعد اللغوية وتهجئة الحروف؛ فهذا تدريب يسمح له برؤيةٍ بيِّنةٍ لوفرة أفكاره الفريدة وتحليلها، وفتح الباب لمور بالبدء في تعليمه القواعد اللغوية والإنشاء، فأصبح الطالبُ أول من يتخرج ويحصل على شهادة الثانوية العامة من بين إخوته الستة.

تقول مور بأن “التجربة علمتني التركيز على معرفة الطلاب جيدًا، كمفتاح لاستخراج قدراتهم الكامنة”، وسلطت الضوء على أن العلاقة لا تكون دائمًا بديهية بين بناء العلاقات وبين تحسين المُخرجات الأكاديمية، وبدلاً من تصميم طرق التدريس حول احتياجات الطالب الفردية، “فإننا نقوم بخلط الأطفال ذوي الميول والقدرات المختلفة من خلال وضعهم داخل نظام صُمم على نموذجٍ غير حقيقي، وغالبًا ما نستسلم بصورة مبكرة؛ لأنهم لا يحصلون على النتيجة المرجوَّة بحلول الوقت الذي حدده هذا النظام، وعندما لا يصلون إلى هذه النتيجة، فإننا نقول بأنهم غير جاهزين للتعلم أو ميؤوسٌ منهم. مع أنهم في الحقيقة غير موجودين أصلا داخل جداولنا الزمنية، وليس للنظام علاقة بقدراتهم الفطرية وإمكانياتهم”.

عندما استجوبت مور طلابها من أجل مشروعها البحثي في عام 2000م، فيما يخص أفضل الممارسات لتعليم اللغة الإنجليزية، أكَّد الطلاب على ما كانت تشك به منذ الأزل، فإن الطلاب تعلموا بشكلٍ أفضل عندما “أنصت إليهم معلموهم و عاملوهم بشكلٍ فردي، وساعدوهم في فهم مواطن قوتهم، وعلاقة ما تعلموه بطموحهم المستقبلي.” وبدلاً من أن  يلاحظوا طلابهم ويشجعوهم على جهودهم، فإنهم ركزوا على الأخطاء البسيطة، مثل التأخير وأخطاء القواعد اللغوية، مما أشعر الطلاب بعدم التقدير وأثبط عزيمتهم.

 

التفكير في التمرين الصفي

إن العثور على الوقت والمساحة الكافية للتفكير — خصوصًا بعد التدريس طوال اليوم، وتصحيح الواجبات، والإجابة على استفسارات الطلاب والأهل، والتحضير لدروس اليوم المقبل— تحدٍ كبير لكنه واجبٌ لتعليمٍ جيد، وأيضًا لا يكمن فقط في التفكير في طريقة التدريس.

تضيف رزغا: “تراجع ميكيمي ما لاحظته في كل طالبٍ من طلابها خلال اليوم في طريق عودتها من العمل وهذا ما اتخذته كعادة، “فمثلًا، لغة الجسد التي تعبر على عدم الانسجام، مثل تعابير الوجه أو وضع الطلاب رؤوسهم على طاولة الدراسة”. كما تَتَبع مشاركة الطالب، وتُراجع في عقلها ما لاحظته، فمثلاً دردشة الطلاب العفوية حول الواجبات أو عندما يقومون بعمل إضافي. “في اليوم التالي، تجمع ميكيمي ما لاحظته وتضع خطط الدرس لليوم الذي يليه.”

 

تعلم المعلمين من بعضهم البعض

عندما تفكر في علاقاتٍ مثمرة، فإنه يجب على المعلمين التفكير أيضًا بشكلٍ جانبي في أن ميزة المعلمين البارعين تكمن في أنهم يُقرون ويستفيدون من مواطن قوة زملائهم المعلمين. تسمح شبكة بير peer في أن يتعلم المعلمون من بعضهم البعض، ويثرون ممارستهم، وإمكانية الوصول إلى شبكة داعمة وثرية والتي تساعد المعلمين بالبقاء على تواصل والبقاء على اطلاعٍ في كل ماهو جديدٌ في مجالهم.

وأما بالنسبة للمعلمين المحنكين، فتقول رزغا في مقالةٍ أخرى من مجموعتها “شبكة بير هي الآلية الأساسية لنقل الخبرة الجماعية واكتساب المعرفة الكامنة والتي لا يمكن أن تُكتسب عن طريق قراءة كتاب، أو الاستماع إلى محاضرة، مهارات مثل تصميم خطة دروسٍ قوية، مع سرعةٍ دقيقة، وتناغمٍ، وتركيزٍ واضح، أو بناء علاقةٍ إيجابيةِ بين الطلاب”.

وتضيف، “أخبرني جميع الأساتذة بأنهم عانوا، وفي هذه الحالة، فإنهم يتشاورون مع زملائهم في المدرسة، أو معلمين في مؤسسات مهنية، أو عن طريق المجتمعات الإلكترونية. ويدًا بيد، فإن هؤلاء الأساتذة تصرفوا بغاية معرفة التحديات التي يواجهها الطلاب وإيجاد خططٍ فرديةٍ لهم.”

 

قيمة التخطيط الجماعي

تقول رزغا بأنه “عندما يتبادل المعلمون الخبرات والتخطيط المتعمد مع بعضهم البعض، فإنهم يتعاونون لتقديم المواد التعليمية بطرقٍ جديدةٍ وفريدة، مقدمين بذلك برامج ودروسًا نافعةٍ والتي غالبًا ما تكون متخصصةً بالثقافات، وتتحدث عن حقيقة حيوات طلابهم.”

فمثلاً عملت جوديث هاربر -مدرسة اللغة الإنجليزية السابقة للمرحلة الثانوية- مع زملائها المعلمين في ميسا، ولاية أريزونا، لتقوية الطلاب في مهارة التحدث أمام الجمهور، ومهارة إجراء المقابلات، ومهارة كتابة المقالات الأكاديمية. “معظم طلابها من الطبقة العاملة أو من عائلات لاتينية ممن لا يتحدثون اللغة الإنجليزية بكثرةٍ في المنزل”، فبناء هذه المهارات خلق لهم فرصًا جديدة. عملت ريبيكا بلاسيوس -معلمة المرحلة المبكرة- مع زملائها المعلمين في تقديم برنامجٍ تدريبي لمساعدة والدي طلابها اللاتينيين لتعليمهم كيفية تطوير مهارة القراءة لأبنائهم داخل المنزل.

المصدر
edutopia

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى