عام

مقابلة مع جيل ليبوفيتسكي “القرن العشرون: قرن الإغراء”

في هذه المقابلة، يتقفى جيل ليبوفيتسكي -مؤلف كتاب "Plaire et Toucher"(إصدار Gallimard)- دور الإغراء وتطوّراته في المجتمع المعاصر.

  • لوران أوتافي
  • ترجمة: محمد فاضل بلمومن
  • تحرير: عبد الرحمن روح الأمين

جيل ليبوفيتسكي، هو زميل الفلسفة [بجامعة جرينوبل]، والمفكر المهتم بما يُسمّيه بـ”الحداثة المفرطة”، ومؤلف كتاب “عصر الفراغ”[1]، كما نشر في عام 2017 Plaire et toucher: Essai sur la société de séduction (إصدار Gallimard)، وقد حصل على هذا الكتاب جائزة مونتيون للأكاديمية الفرنسية في عام 2018. يشرح جيل ليبوفيتسكي في هذه المقابلة كيف كانت مجتمعات ما قبل الحداثة لا تستبعد الإغواء بل تحتويه؛ بينما في عصر الحداثة المفرطة، صار الإغواء سيّداً. وبغض النظر عن النتائج المترتبة على هذه الهيمنة، يعتقد ليبوفيتسكي أن الابتكار هو الحل للتعامل مع المشاكل التي سببتها.

مجلة Revue des Deux Mondes: الإغراء -اشتقاقيًا- يُشير إلى الحيود عن المسار الصحيح. لكن -بالنسبة إليكم- ليس كلّه سلبيًا، لماذا؟

جيل ليبوفيتسكي: إن نظرتنا السلبية إلى الإغواء ليست حتمية ولم تكن “أزلية”، إنها سمة من سمات الفكر اليوناني واليهودي-المسيحي. ففي هذه الثقافة: دَفعت حواء بآدم إلى الخطيئة ليَخرج بذلك عن الطريق المستقيم، ويُعرّف أفلاطون الإغواء بأنه نوع من الخداع، ويُدين البلاغة الشعريّة والتأنّق والعيون المتزيّنة الفاتنة، ومنذ ذلك الحين أصبح الإغواء مرادفًا للانحراف، واختطاف الذات، حتى يمكننا القول أن دون خوان/دونجوان[2] هو تجسيدٌ مثالي لهذا المفهوم.

ومع ذلك، ولوقتٍ طويلٍ من تاريخ البشريّة، ولعشرات آلاف السنين -وبالفعل إبّان العصر العُلوي الحجري القديم- لم تكن أدوات الإغواء مُدرجة في القائمة السوداء بأي حال من الأحوال، فقد أفلتت من كل أشكال الملامة، والوصْم الاجتماعي، وبذلك كانت ممارسات الإغواء تنتشر عبر الفضاء الاجتماعي – مستفيدةً من اعتراف وقبول عامة الناس- وفقًا للطقوس الإلزاميّة والمشفّرة التي تُعبّر عن النظام الكوني والاجتماعي. إنها رمزية وجمالية في نفس الوقت؛ اجتماعية وطقوسية؛ سحرية وعلاجية.

يتجلّى الإغراء من خلال مجموعةٍ من الأدوات (الزينة، الرقص، الخطب، والطقوس السحرية) التي يُنظّمها المجتمع والتي تَهدف إلى زيادة إمكانية جذب الناس، لكن الإغواء ليس فقط مُجرّد مَسرح للرموز وآلة للخداع، إنه شرطُ الحياة وأيضًا شرط الفعل قبل أن يكون الإغواء نشاطًا تستّريًا، فإن الإغواء هو عاطفة تُولّد الرغبة: إنها الطاقة الخلّاقة للقوى المرغوبة والخيالية، نبع الأفعال الحقيقية في العالم. ونحن لا نشارك بشغف في نشاطٍ مّا إلا لأنه أغرانا. وإذا ما كان لنا أن نصفه بأنه عاطفة محسوسة، فهو -قبل كل شيء- القوة الدافعة للرغبة والتصرّف؛ لا يتوقف الأمر على مجرد الانخداع بالمظهر والوهم، بل هو قوة دافعة ضرورية للنشاط والإبداع الإنساني؛ ويَشيخ الإنسان حقًا عندما لا يعود لديه رغبة في أي شيء، ولم يعد العالم يُثير فضوله!

ما هي المراحل الرئيسية في تاريخ الإغواء منذ أفلاطون إلى الآن بالقدر الذي يُعنينا كأروبيين؟

جيل ليبوفيتسكي: شهدت المنظور السلبي -الذي تحدّثنا عنه للتو- أولَ انعكاسٍ مهم في العصر الكلاسيكي مع ظهور “البسالة”. هذا الانعكاس لم يقضِ على الرؤية النقدية للإغواء، بل أعطاها وجهًا آخر، وجه رمزٍ مرادف للسلوك الحضاري؛ لأنه من خلال الروح البسالة يجب القضاء على كل ما هو وحشي ومبتذل، بمعنى يجب أن نأخذ من النساء فقط ما يوافقن على إعطائنا إيّاه.

أطلق بودلير الصاروخ الثاني، حين أشاد بمساحيق التجميل التي ساواها بالفن. ومنذ ذلك الوقت لم تعد شرعية الإغراء حضارية، بل جمالية. بالنسبة لبودلير؛ فالطبيعة بشعة، و”صُنع” المظهر الجميل هو وسيلةٌ للوصول إلى الجمال وضربٍ من الفن.

المرحلة الثالثة في تاريخ الإغواء هي التي نعيشها الآن: إنها ظهور “الإغواء المتسيّد”.

أضحى الإغراء سيدًا متسلّطًا مع حُلول مرحلة “الحداثة المفرطة”، وهذا يعني ما يعيشه عالمنا حاليًا. ماذا يكون معنى هذا الكلام ؟

جيل ليبوفيتسكي: ابتكرت جميع المجتمعات ممارسات مصمّمة للزيادة من نسبة انجذاب الناس؛ لكنه في الوقت نفسه -كلهم دون استثناء- سعوا إلى كبح جماح قوة الإغراء.

في المجتمعات التقليدية، تُبنى العلاقات الزوجية دون مراعاة للفروق الشخصية، فقد قامت المؤسسات الزواجية -من خلال الزيجات المدبرة[3] – بتحجيم قوة عوامل الجذب الشخصية، لكنها كانت تُفيض بالخيال لزيادة الانجذاب الجنسي للأفراد. للإغراء، في هذا السياق، دور محدود للغاية، حيث كانت قوّته تتركّز في العلاقات ما قبل الزواج أو خارج إطار الزواج.

بدأ الأمر بشرخٍ كبير في القرن الثامن عشر، واتسع أكثر في القرن التاسع عشر، وانتهى به الأمر إلى أن أصبح سيدًا في القرن العشرين. أصبح الزواج المدبّر مسبقًا غير شرعيٍ تمامًا. وفجأةً، فُرِض الإغواء كسُلطة، وانطلق يُملي على الأفراد سلوكهم دون وجود هيئات اجتماعية تحدّ من سلطته؛ يفعل الأفراد ما يريدون: حيث يختارون بعضهم وفقًا لرغباتهم ولأهوائهم.

إلا أن قوة الإغواء تتوسّع خارج نطاق الزواج الآن؛ فنراها على مواقع المواعدة ومستحضرات التجميل النسائية والجراحات التجميلية. الآن، وعلى مدار  24 ساعة،  يمكنك أن “تلتقط” عبر الإنترنت من تشاء من الفتيات اللاتي لا تربطك بهن أي صلة؛ لم يعد هناك مبدأ اجتماعي أو أيديولوجي يحجّم الحق في تعزيز الجاذبية الجسدية للفرد. كل تلك الحدود القديمة، كل تلك المكابح؛ سقطت ولم يعد لها وجود. يشير الإغواء المعاصر -الذي اكتسب سيادة وهيمنة- إلى حقبة تعترف بحق كل فرد وفي أي عمر كان بتعزيز جماله، وشهونةِ مظهره، وتغيير شكله الجسماني أو ملامح وجهه… نحن الآن نعيش قرن سيادة الإغواء.

أخيرًا، يُشير عصر سيادة الإغواء إلى اللحظة التي ضمّ فيها قانون “الإعجاب واللمس”[4] تقريبًا كل مجالات الحياة الاجتماعية: الاقتصاد، الثقافة، السياسة، والتعليم. من الآن فصاعدًا، أصبحت استراتيجيات الإغراء منتشرة في كل مكان في المجتمع ككل، وهي تعمل كمنطق هيكلي للمجتمع الاقتصادي والسياسي وكذلك للنظام التعليمي والإعلامي.

لهذا السبب يمكننا حقاً أن نتحدث عن “المجتمع الإغرائي” الذي تنتصر فيه رأسمالية الإغراء، لأنه تحت إشارات الإغواء والإغراء المستمرة والموجودة في كل مكان يُعرض الاقتصاد الاستهلاكي. تتمّ هيكلة هذا النظام من خلال عمليات الاستحواذ على الرغبات وتثويرها، حيث تندمج رأسمالية الاستهلاك المفرط مع التصنيع والتغطية الإعلامية لتسويق الإغراء بهدف التطوير غير المحدود للاستهلاك الشامل.

كيف يُترجم هذا على المستوى السياسي والاقتصادي؟ وإلى أي مسارٍ ينتهي؟

جيل ليبوفيتسكي: إن الحالة السياسية مثيرة للاهتمام للغاية؛ يبذل السياسيون قصارى جهدهم لإغراء الناخبين وفي النهاية لا يجنون سوى عدم الثقة وانعدام المصداقية، فلا يكفي أن تبدو متعاطفًا أثناء المشاركة في البرامج الحوارية Talk Shows، وكلما زادت محاولات الإغراء من جانبهم، قلّ تقبّل المواطنين لهم!

ليس هذا هو الحال مع الاقتصاد، على الأقل مع الرأسمالية الاستهلاكية. إنه يعمل بشكل جيد لدرجة أنه ينقلب علينا بتدهور بيئي، واحتباس حراري، وتآكل للغطاء النباتي وانقراض العديد من الحيوانات. إن الإغراء كمنظومة غير قابل للتطبيق على المدى البعيد؛ فإذا ما استمرت البشرية تستهلك وتستهلك على النمط الأمريكي أو الأوروبي= فسيتطلّب الأمر خمسة أو ستة كواكب! لذلك فإن هذه التحوّلات لا مفر منها.

ومع ذلك، فأنا لا أوافق أطروحات “التحجيم الاقتصادي”؛[5] لأنني لا أرى كيفيةً لتحقيق ذلك إلا من خلال خلق نوع جديد من الشمولية. إن الإنسان المعاصر متعطّش للتغيير والتجديد، وهو لا ينفصل عن الثقافة الفردانية الحديثة. بالإضافة إلى ذلك، جرب أن تذهب إلى الصينيين وحدّثهم عن تقليل الاستهلاك!

ما يحدث، في رأيي، هو تهجين بين الإغراء والاقتصاد المستدام؛ والحل سيكون الابتكار. أنا لا أعتقد -مثل المحافظين- أن الحل هو إبطاء عجلة التقدم، بل على العكس من ذلك، يجب تسريع الابتكار والبحث! هذه هي الطريقة الوحيدة لتغيير تراتبية الأشياء: السيارات الكهربائية، المباني الجديدة، والطرق الجديدة للأكل… لكننا نحتاج أيضًا إلى ابتكار “إغراء إثرائي”، يتماشى أكثر مع مُثُلنا الإنسانية.

لا شك أن المجتمع الإغرائي ليس شرًا مطلقًا، فقد جلب لنا الرفاهية المادية والصحة والتعليم والسلام وازدياد نسب الحياة. ومع ذلك، فهذه الأشياء لا تعكس إلا القليل جدًا عن معنى الوجود؛ فهناك في الحياة ما هو أكبر من السفر والأزياء والعلامات التجارية والاستهلاك المنفلت؛ إن هذه الأشياء لا ترقى حتى إلى مستوى تصوّرنا عن الإنسان ككائن قادر على التفكير، وعلى الابتكار، وعلى التضامن. الأمر متروك لنا للعمل في هذا الاتجاه من خلال تطوير إغراء “أكثر ثراءً” يُعوّض الاستهلاك المفرط.

يقول جان كلود ميشيا عن الليبرالية أنها لم تعد ذات معنى ولم يعد لديها ما تقدّمه، ولم تعد مقيّدة بالبنى التقليدية، لذلك هي تتوسّع اليوم على نحوٍ غير محدود. إنها نفس الملاحظة التي قدّمتها عن الإغراء الذي تحوّل إلى سيّد؛ ما رأيك في عمل داني روبرت دوفور وجان كلود ميتشيا؟

جيل ليبوفيتسكي: صحيحٌ أن الليبرالية تواصل اكتساح مناطق اقتصادية وثقافية جديدة، لكن هذا لا يعني أنه لم تعد هناك حدود فاصلة لمنطق المال والسلع والمصلحة الذاتية. نحن مخطئون في المساواة بين الفردانية الليبرالية وانتصار الأنانية (داني روبرت دوفور)، فأنشطة التطوع (التي يشترك فيها 13 مليون فرنسي)، وتطوير الجمعيات الأهلية، وسيل الإغاثات العامة أثناء الكوارث، واستمرار البحث عن الحب= يشهد على ذلك.

عالمنا لم يصبح تجاريًا بالكامل، توجد مكابح أخلاقية ودينية وعاطفية تمنع مجتمعاتنا الليبرالية من الانغماس في العدمية و”تعزيز الأنانية”؛ فلِجان الأخلاقيات والمناقشات حول القيم والواجبات تتطور في كل مكان. من الواضح أن الليبرالية لم تؤدّ إلى القضاء الكلي على مبدأ المسؤولية والقيم الأخلاقية.

هذا ليس كلامًا عفا عليه الزمن، بل نرى ترجمته الاجتماعية واضحة عندما تحل النزاعات؛ وهكذا لا نصل إلى مرحلة الإفلاس الأخلاقي، فما زالت هناك معايير للخير والشر: الجرائم، القتل الجماعي، القسوة، العدوان، الختان، الاغتصاب، الإساءة النفسية، ضرب الأطفال، والعديد من الظواهر التي تُثير سخط أكبر عددٍ من الناس.

ولا تزال هناك أرضية مشتركة للقيم، فنحن لم نصل بعد إلى مرحلة القيم الصفرية. إن نمو الفردانية الليبرالية ليس مرادفًا للعدمية أو حتى للنسبية الأخلاقية. نحتاج إلى التفكير في المزيد من أشكال الليبرالية المرغوبة، لكن الإدانة الراديكالية لها تبدو لي طريقًا مسدودًا. إنها موقف فكري أكثر من كونها برنامجًا قادرًا على تغيير العالم من أجل مستقبل أفضل.


[1] – صدر مترجماً إلى العربية سنة 2018م عن مركز نماء للبحوث والدراسات تحت عنوان: عصر الفراغ: الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة. [المترجم]

[2] – دون خوان (بالإسبانية: Don Juan)‏ أو دُنْجُوان، هو شخصية أسطورية من الفولكلور الإسباني. ذاع صيته في أوروبا في القرن السابع عشر قبل أن تنتقل شهرته للعالم أجمع. ويؤكد أغلب الرواة أنه شخصية خيالية مطلقة، بينما يصر القليلون على وجود أصل حقيقي لتلك الشخصية في إسبانيا القرن أوسطية. وتنسب صناعة هذه الشخصية للكاتب والشاعر الباروكي تيرسو دي مولينا، بالضبط في رواية ماجن إشبيليا، من خلال الامتداد اللغوي من اسم الشخصية، أصبح “دون جوان” تعبيرًا عامًا لزير النساء.[المترجم]

[3] – هي الزيجات التي يختار فيها أناس آخرون -غالبًا الأهل- الزوج و الزوجة، ولا يملك الزوجان فيها خيارًا. [الإشراف]

[4] – وهو يحيل هنا بهذا التركيب إلى عنوان كتابه Plaire et Toucher. [المترجم]

[5] – يُشير هنا إلى الحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداعية إلى المحافظة على البيئة، ومكافحة الاستهلاكية وتبنّي الأفكار المناهضة للرأسمالية. [المترجم]

أعجبني المقال

المصدر
revuedesdeuxmondes

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى