الدين

الأكابر بين شهوات الأبدان ولذات الأرواح

د. سعد بن دبيجان الشمري

في كل مرة أقرأ قوله صلى الله عليه وسلم “حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة”[1] يستوقفني هذا السياق النبوي الكريم، ففي هذا الحديث كان السياق في ذكر شهوات الدنيا وملذاتها، كالنساء والطيب، ثم خُتم الحديث الشريف بتفضيل الصلاة على هذه الشهوات، وأنها – أي الصلاة –  قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم. والذي يستوقفني؛ لماذا كان السياق في ذكر شهوات الدنيا؟!، ولماذا لم يكن سياق المفاضلة بين الفرائض الأخرى؟، أو بقية شعب الإيمان، فإن تفضيل الصلاة على بقية الفرائض العملية ظاهر في ترتيب أركان الإسلام، وتفضيلها على كثير من شعائر الإسلام وشعب الإيمان لا تخطئه العين عند النظر في نصوص الشريعة ومقاصدها، إذاً لماذا عرضت مكانة الصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السياق؟

وللإجابة عن هذا السؤال من المهم ألا ننسى أن النبي صل الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وذلل الله له ناصية البيان، حتى كان بين شفتيه يطوعه كيف شاء، فهو صلى الله عليه وسلم يبين لأمته أن الصلاة تجاوزت عنده درجات التكليف المجرد، إلى مقامات التلذذ والاستمتاع، فكما أن بني آدم يستمتعون بشهواتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يشاركهم هذه المتعة، إلا أن اللذة عنده صلى الله عليه وسلم مفهوماً آخر، إذ لم يقتصر  تلذذه واستمتاعه على شهوات البدن، بل صارت الصلاة والوقوف بين يدي الله من ملاذ روحه صلى الله عليه وسلم.

ويتكرر هذا المعنى في مواضع من تعبده وتألهه صلى الله عليه وسلم؛ ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لبلال رضي الله عنه : “أرحنا بالصلاة يا بلال” [2]، فراحة البدن شهوة ولذة يتلذذ بها الإنسان، ويبذل لأجلها المال والجهد والعمر، لكن التعبير النبوي البليغ، الذي يتضمن رسالة واضحة، فالصلاة ليست تكليفاً مجرداً، بل هي راحة تتلذذ بها روحه صلى الله عليه وسلم.

ولابن القيم  رحمه الله كلام نفيس في تعليقه على قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النهي عن وصال الصيام، :”إني لست كهيئتك إني يطعمني ربي ويسقيني”[3] قال ابن القيم رحمه الله : ” ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه، والرضى عنه، وألطاف محبوبه وهداياه، وتحفه تصل إليه كل وقت، ومحبوبه حفي به، معتن بأمره، مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له، أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه، ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل، ولا أعظم إحساناً إذا امتلأ قلب المحب بحبه، وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن حبه منه أعظم تمكن، وهذا حاله مع حبيبه، أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهار؟”[4]

فإذا توجهت بنظرك إلى الصحب الكرام وجدت هذا المعنى يتردد في كلامهم، فقد استقوا من معين واحدة، وصدروا عنها رياًّ من العلم والتزكية، فهذا عمر بن الخطاب يسامر أصحابه فيسألهم عن أمانيهم، فيقول لهم :تمنوا ، فيتمنون الذهب والفضة لينفقوها في سبيل الله، هذه أمنياتهم ذهب وفضة لا ليكنزوها، أو يستمتعوا بها، بل لينفقوها في سبيل الله، لكن عمر لم ترقه هذه الأمنيات مع شرفها، فقد تمنى ملء بيته رجالاً مثل أمين هذه الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح، مزاج رفيع، وذائقة عذبة، واختيار محدث ملهم![5]

أما السيف المسلول الذي لم يغمد؛ خالد بن الوليد رضي الله عنه، فيسأل عن أمنيته وهو في آخر عمره، وقد جرب ما جرب، فقد قطع الفيافي والقفار حاملاً سيفه، متقلداً رمحه في سبيل الله، حتى لم يسلم منه موضع شبر لم يضرب بسيف، أو يطعن برمح، أو يغرس فيه بسهم، فيجيب صحبه عن أمنيته فما تراه يقول؟، هل تمنى الراحة بعد التعب، أو الاستقرار بعد طول التجوال والترحال!، يقول رضي الله عنه: ” ما كان في الأرض من ليلة أحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سريّة من المهاجرين أصبّح بهم العدو!” ، وقال” ما ليلة يهدي إليّ فيها عروس أنا لها محبّ وأبشر فيها بغلام أحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سريّة من المهاجرين أصبّح بهم العدو “![6] هذه ليلة العمر يا أبا سليمان.. يحلم بها ويرقبها من لم يدخلها، ولازال يتذكرها من تنعم بها، وأنت تفضل الخوف والتعب ومجالدة العدو عليها، أي مستوى من التلذذ بالتعبد بلغه تلاميذ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى فاقت عندهم لذات الروح شهوات البدن.

ونختم أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر العالم الفقيه الذكي معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام ،كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عجيب مناقبه ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه : “إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يكن من المشركين، إنا كنا لنشبه معاذاً بإبراهيم، عليه السلام “[7] كان لمعاذ كلمات في هذا المعنى ذكرها وهو على فراش الموت، وآخر الكلام أصدقه وأثمنه، قال: “اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند حلق الذكر”.! شوقه وحزنه وألمه ليس لمفارقة ملاذ الدنيا وشهواتها، لكنه لفراق الصيام في الأيام طويلة النهار شديدة الحر، ومزاحمة أهل العلم في مجالس الذكر!.

ولن يخيب ظني أنك لو فتشت سيرة كل صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه ستجد هذا المعنى متوافر في كلامهم، وهو تفضيل التلذذ بالطاعات على بقية الشهوات، بل كانوا يتعاملون معها على أنها لذة يتلذذون بها، فيشتاقون إليها، ويحزنون على فراقها، فتجدهم يعبرون عنها بمفردات الشوق والحب والأمنية، ويتحدثون عنها فيما بينهم كما يتحدث غيرهم عن شهواتهم الدنيوية وملاذهم في مجالس أنسهم وسمرهم.

فكما أن هذا المعنى انتقل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم إلى كلام أصحابه رضي الله عنهم، فستجده كذلك منثوراً في كلام التابعين، ومن تبعهم من أئمة الهدى رضي الله عنهم، وسنذكر على سبيل المثال لا الحصر بعضاً من ذلك للاستدلال والتمثيل لا أكثر.

فقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: “لأن يكون لي مجلس من عبيد الله – يعني الهذلي – أحب إلي من الدنيا”[8]، ويقول الحسن البصري رضي الله عنه: “لباب واحد من العلم أتعلمه أحب إلي من الدنيا وما فيها”[9]، وعن وهيب بن الورد، قال: “لأن أدع الغيبة أحب إلي من أن يكون لي الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى”[10] ، هذه عبارات القوم ومقولاتهم، أما أعمالهم، وسير حياتهم، فقد كانت أبلغ من القول، ولو اجتهدت في تقليب المكتبة الشاملة من خلال بعض الكلمات المفتاحية، (أحب إلي، أفضل عندي) وغيرها، في كتب التراجم والسير والطبقات، لوجدت أن هذا المعنى كثير متوافر يظهره الله على ألسنتهم، ليظهر لنا ما تكنه قلوبهم من تلذذ بالعلم النافع والعمل الصالح.

وشهوات الأكابر ولذاتهم على مستويات، أشرفها وأجلها ما سبق مما يتعلق بالتلذذ بالعمل الصالح، والعلم النافع، وأهل العلم لهم في تحمله وأدائه وبذل الغالي والنفيس فيه ولأجله، مما يبين هذا المعنى كثير لا تحصيه مقالة قصيرة.

والقصد من ذلك تنبيه المربي الحاذق، والوالد النبيه إلى الالتفات لهذا المعنى المهم، وغرسه في نفوس أبنائهم، حتى يرتقوا بذائقة لذاتهم إلى كل عمل صالح، وعلم نافع، وخلق نبيل، ليكون ذلك مما يستمتعون به، لا ما يؤدونه على وجه الكلفة فحسب.

ومن مستويات هذا المعنى وعلامة النجاح فيه أن تقرأ هذا المعنى النبيل في وجوه من تربيهم عند لحظات الوداع من المعتكف، وعند سجدات الشكر ودموع الفرح عند حفظ القرآن والسنة، وستلمح بريقه في عيونهم عند إتمام مشروع خيري يقدمون فيه النفع للناس، وتدشين آخر، أو الظفر بكتاب نادر، أو صحبة رجل نبيل .

ومن مستوياته أن ترتقي ذائقة الشهوة ومزاجها من المأكل والمشرب والوسادة وغيرها من الملذات إلى لذة النجاح والتفوق على الأقران، وإن كانت من ملذات الدنيا إلا إنها كذلك على مستويات، فشريفها غير وضيعها ودنيئها، فالتوق إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق من شريف الخلال والخصال.

يقول ابن القيم رحمه الله  بعدما ذكر مراتب الحياء: ” وأما حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون. فيجد نفسه مستحيا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحيي بإحداهما من الأخرى. وهذا أكمل ما يكون من الحياء فإن العبد إذا استحيى من نفسه. فهو بأن يستحيي من غيره أجدر”[11]

ويتحصل ذلك للمربي والمتربي بأمور منها : القدوة الحسنة، فقليلها خير وأنفع من كثير من التوجيه والكلام، ومعرفة الحكمة من مشروعية الأعمال الصالحة، وتلمس مقاصد الشرع فيها، ومعرفة عظيم أجرها، وقراءة سير النبلاء من أهل العلم والفضل والنبل، فلو دفنت وجهك بين صفحات كتب التراجم والسير والطبقات، لما رفعته حتى تصبغك بصبغتهم، فكأنك منهم وبينهم، وإن استطعت أن تخالط نبلاء عصرك وتحشر جسدك في مجالسهم، وتطاول قاماتهم ولو وقفت على رؤوس أصابعك فافعل، فكم من نبيل زهدنا به، وظننا أن في الوقت متسع حتى حيل بننا وبينه، فإن ذلك كله يرتقي بالشباب من دركات الشهوات العادية إلى درجات الملذات الشريفة النبيلة.

فالنفس مع تأبيها، وخلودها للهين من الأمر، إلا أنها مطواعة مع توفيق الرب وصدق النية وبذل الجهد وإحسان العمل، قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت: ٦٩


[1] أخرجه النسائي (3939)، وأحمد (14069) وصححه الألباني.

[2] خرجه أبو داود (4985)، وأحمد (23088)

[3] رواه البخاري (1964)

[4] زاد المعاد لابن القيم (2/32)

[5] انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ( 3/315)

[6] الإصابة لابن حجر (2/218)

[7] الإصابة (6/137)

[8] معجم الشعراء العرب( 1/1674)

[9] الزهد للإمام أحمد( 1/217)

[10] التوبيخ والتنبيه لأبي الشيخ الأصفهاني( 1/82)

[11] مدارج السالكين لابن القيم ( 2/252)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق