عام

من المفهوم إلى النظام .. أو النقلة في تفسير العالم

  •  سلمان السليماني

سأحاول في هذا التحليل الموجز، الذي أعرضه كمدخل مبدئي، لفهم هذا التحول العميق، في معنى أن يفرض الزمن والعالم، أدوات فهمه وتفسيره، انطلاقا من شكل الحياة الحاضرة فيه، وشكل الأدوات والأساليب، التي تمكن الناس من مسايرته والقدرة على التكامل معه وفهمه.

في العصور القديمة، عندما كانت العصا والحجر، أدوات رئيسة في التعامل، في جانب من جوانب العيش، كانت أغلب (أساليب) الحياة، تخضع لهذا النوع من الأدوات البدائية؛ حتى أن فكرة التعايش والتعامل مع محيط الإنسان بشكل مجمل وشبه كامل، كانت تستجيب لمثل هذه البدائية في تصورنا الحديث، غير أنها كانت في ذلك الزمن، تُعد أساليب وأدوات حديثة ومبتكرة. ومن استيعاب هذه الجزئية في تحليل الوضع خلال كل فترة إنسانية، لعلنا نتيقن أن تطور (أسلوب الحياة) عبر العصور، وانتقاله من حقبة زمنية، إلى حقبة مختلفة من حيث ارتقاء الفهم والتعامل، وتطور المعايشة والانسجام، مع مجريات اللحظة التي يعيش فيها أجيال من بني البشر، نلمح في عمق كل هذه التجارب، عمقا يختص بتفسير العالم وفهمه، من خلال وعبر أدوات الزمن الحاضر، في كل لحظة إنسانية مرت في تاريخ هذا الوجود.

لقد انشغل الإنسان على الدوام بمحاولة فهم وتفسير العالم؛ هذا الاندفاع المعرفي، والفضول العلمي، ليس مما يستغرب أو يُعاب، بل هو في صميم تكوين الإنسان الفطري – إن جاز التعبير. فالإنسان كان دائما – ولازال – معنيا بفهم العالم حوله؛ بل قد تكون هذه المهمة المعرفية، والوظيفة العقلية الإدراكية الواعية، من أعلى وأهم سمات الإنسان في الوجود، بل هي الوظيفة الرئيسة التي تجعله مختلفا وفي مرتبة أرقى من باقي الكائنات، التي تشاركه الحياة على هذه الأرض.

استمرت هذه الوظيفة المعرفية الإدراكية (محاولة تفسير العالم وفهمه) لأزمان وقرون عديدة، ترتكز وتعتمد على مفردة أو جهاز: المفاهيم. من خلال تراكم المعرفة، وطلب العلم وتدقيق وتحقيق المعرفة، برزت حالة: المفهوم؛ أو المعاني، أو التراكيب الناشئة من تلقي المعرفة والعلم، لتختزل كل هذا الكم الإدراكي، إلى أيقونات أو صور مختزلة في شكل مفاهيم وتعاريف ومعانٍ، تشكل أدوات المناهج والطرق والأساليب التي كنا بحاجة لها، في غايتنا لفهم وتفسير العالم.

كانت المفاهيم عبر الفلسفة والعلوم والمعارف، هي الأداة التي تمدنا بالوسائل القادرة على اختراق غموض العالم من حولنا؛ والسعي لفهمه والتعامل معه من أجل أن نستطيع التمكن من العيش ومسايرة كل تطورات الزمن من حولنا، والقدرة على مجاراة سرعة  الأيام بالأسلحة المشروعة، من معرفة وعلم وإدراك ووعي لازم، للتأقلم والانسجام مع الأحداث في الحياة، عبر العصور والأزمنة.

ظلت هذه المفاهيم تمدنا بالقدر المطلوب من المهارات والأدوات والأساليب، في بناء هذا العالم حولنا من خلال معرفته وتفسيره؛ وتمكنت هذه المفاهيم من إمداد الفلاسفة والعلماء بالعدة اللازمة لتطوير وإنتاج المعرفة الضرورية لنعيش كبشر على هذه الأرض، وفي وسط هذا العالم الهائل، من المعاني والأسرار والقوانين والمبادئ؛ الحقيقة أن هذه المفاهيم التي أمدتنا لزمن طويل بما نحتاجه، بدأت في تصوري في الضمور أو لنقل الانتقال من مرحلة معرفية كبرى في تاريخ البشرية، إلى مرحلة مختلفة في الأزمنة المعاصرة والفائقة الحداثة، والتي نعيش بواكير ومقدمات تأسيسها لنقلة نوعية في الفهم والتفسير لهذا العالم اللغز!

نحن نعيش في هذه الحقبة الحديثة، ثورة الاتصال والمعلومات، التي تختلف في مضمونها وعمقها عن مضامين المعرفة القديمة أو السابقة، التي كانت قادرة في تلك الفترة، على مساعدتنا في فهم ما يدور حولنا، والقدرة على العيش فيه وحسن التعامل معه، وتسخيره والسيطرة أو التحكم به. في هذه الأزمنة الحديثة، نشأت وتطورت أجهزة ومناهج وطرق حياة مختلفة، امتزجنا بها دون وعي أو مقاومة، وباتت تشكل أسلوب حياتنا ونهجه الكامل تقريبا.

لقد أفسحت المفاهيم والفلسفات والعلوم السالفة، الطريق (للأنظمة) الجديدة، وأصبح تفسير العالم وفهمه مقروناً بشكل مباشر، بالنظام والأنظمة، بعد أن كان خاضعاً للمفاهيم والمعرفة البحتة إن صح التعبير. فبعد أن كنا ننشئ فهمنا لما يحيط بنا عبر المفاهيم والتعاريف والجدليات والحوار، والمعرفة المكتوبة والمقروءة، أصبحنا نتعامل مع العالم ومع بعضنا عبر الأنظمة الحديثة، ومعاني الاتصال والشبكة والتواصل الفائق والبرمجة والقوائم ومحددات التعامل مع الآلة والذكاء الاصطناعي. انتقل العالم من الكلمة إلى (الكود) أو الشيفرة الحاسوبية، ومن الأداة المستخلصة من الطبيعة البكر، إلى الآلة والنمط الصناعي المعالج في مختبرات ومعامل التصنيع الحديث، من تطبيقات وبرامج وشرائح إلكترونية آخذة في الصغر والتحجيم عبر تقنيات متطورة من مثل تقنية النانو والواقع الافتراضي، والحوسبة الحديثة.

هذه النقلة في التعامل مع (العالم) بكل مكوناته البشرية والمادية، بدأت – في تصوري – تنسف وتعيد تشكيل فهمنا لهذا العالم، وطرق التعامل معه والانسجام مع (تحديثاته). أنا متأكد بأن الجميع يفهم تماما ما أرمي إليه وأشير، لأننا في المجمل الغالب، كلنا نتعامل مع هذه التقنية، ونمارس حياتنا عبرها؛ وهذا يؤكد ويحتّم -بلا مبالغة أو خيال أو وهم تكنولوجي حالم- أن محاولة فهم وتفسير العالم، التي كانت دائماً هي الوظيفة الراقية للإنسان امتثالاً لتحليه بالعقل والإدراك والوعي، الذي يميزه عن باقي الكائنات، تجعل هذه الحيثيات والأسباب المُعاشة، محاول هذا التفسير وممارسة هذه الوظيفة المعرفية التفسيرية للوجود والعالم، تنطلق من مبادئ ومعطيات وأدوات هذا العصر، التي ترتكز على أساس (النظام) و (الأنظمة)، بعد أن كانت ترتكز في أزمان معينة وسابقة على المفاهيم والفلسفات والتنظير. لذلك كان من اللازم على المفكرين والمثقفين والمنظرين لهذه المهمة العظمى للإنسان: وظيفة فهم وتفسير العالم؛ أن يشرعوا في تأسيس هذه الأدوات والأسس والأساليب الجديدة، ودراستها وتحليلها للاستفادة القصوى من إمكانياتها، ناهيك عن التأريخ لها، ووضع حيثيات ومناسبات نشأتها،  وبروزها في عالم اليوم الحديث، ودراسة وتحليل تأثيرها في جميع معطيات ومفاصل الحياة البشرية على الأرض في هذه الأزمان الحاضرة، انطلاقاً من تأثيرها في سلوكيات وممارسات المجتمع والفرد، إلى تأثيراتها السياسية والاقتصادية، مرورا باحتمالات تأثيرها في الحاضر والمستقبل، واستشراف وقراءة مآلاتها في تشكيل وتكوين وبناء المعرفة والعلم والإدراك على المستويات الزمنية المتوسطة والبعيدة المدى.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى