عام

قراءة في تطور مقالة التشبه بالإله في التصور المثالي

من أفلاطون إلى السجال الديني-الإلحادي

  •  باسم بشينية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لقد كانت المقالات الفلسفية التي تَردُ من الوسط اليوناني ذات أثر بليغ على رؤى العرب المسَلّمين بها على مستوى نظريتي المعرفة والوجود، وفي هذا يأتي مؤلف نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود ليوسف سمرين، الذي تكمن أهميته في توضيح الأسس المعرفية التي امتاز بها المثاليون اليونانيون والعرب الذين أخذوا عنهم، ومدى انعكاس ذلك على العقائد، فيطوّر ترسانة فلسفية مضادة لتلك المثالية على مستوى الفلسفات التي اشتغلوا بها، المعرفة، الوجود، الأخلاق، الطبيعيات، والإلهيات، وغير ذلك،  بناء على أطروحات ابن تيمية الفلسفية. وفي هذا السياق تأتي هذه الورقة كقراءة تاريخية مختصَرة لتطور مقالة «التشبه بالإله» ومدى انعكاسها على العقائد، وأي القوالب الفلسفية التي احتوتها. والورقة بِنَاء على النتائج الفلسفية التي توصل لها يوسف سمرين في مُؤلَّف النظرية.

إنّ مقالة التشبه بالإله قد يعتريها بعض الغموض، خصوصًا إن كان مبدأ القول بها ومن كررها من بعده قبولا وتفريعا من أشد المناهضين للتشبيه وفق الصيغة المشهورة، ومثل ذي المقالات، لا ينفك عنها الغموض إلا بدرس تطورها تارخيًا، والتركيز على آحاد التفريعات التي جرت عليها والنظر في المدلولات التي طُوّرت لها بناء على الأصول المثالية.

لقد كان أفلاطون من أشد المثاليين اليونانيين نصرة لتغليب [المثال/الذهن] على [الجسم/المحسوس] إذ يُطلَق على [الجسم/المحسوس] مسمى المادة، ويطلَق على [الذهن/المُثل] مسمى الروح، وبالتالي فـ “القاعدة اليونانية دومًا ما نظرت إلى المادة كأنها عنصر النقص وموطن الخطايا[1] بخلاف الروح/النفس، فإنها لدى أفلاطون “تشبه ما هو إلهي وخالد ومعقول[2] فالجسم لدى أفلاطون “يشبه ما هو إنساني وفان وغير معقول[3]

إن المدرسة المثالية، في مختلف تفريعاتها -حتى الكلامية منها كما سيأتي لاحقًا- لا تحتدُّ لمجرد القول بتشبيه الإله بغيره، سواء كان هذا الغير حادثًا أو قديمًا، فالروح لدى أفلاطون تُشبِهُ الإله كما رأينا، والحكمة لديه هي تَشبُّهٌ من الإنسان بالإله، فإن “هدف الفلسفة هو التشبه بالإله على قدر الطاقة الإنسانية[4] فيبقى الإشكال في نوعية التشبّيه، الذي يكون على مدار المشتَرك بين الإنسان والإله الأفلاطوني، لا في مطلق التشبيه.

إن فكرة أفلاطون حول انحصار الشر في الجسم المحسوس، وانحصار الخير في النفس المعقولة، تلقى ترحيبًا لدى أفلوطين، ليعيد صياغة تلك القاعدة اليونانية  في كتاب التاسوعات، قائلًا أن “النفس شريرة ما دامت ممتزجة مع الجسد[5] فإن الشر الذي يلحق النفس، علته امتزاجها بالجسد المادي، وهنا يأتي سؤال حول الشر، فيقول أفلوطين “ما دام الشر يجول جولته في هذه المنطقة من الكون، وما دامت النفس راغبة في الفرار من الشر [لاحظ أن الشر متعلق -كما في النص السابق- بالجسم المادي. أما النفس فهي التي تتخذ موقف الهروب من الشر: من الجسم=] فلا بد من الهرب، ولكن كيف نهرب؟ قال أفلاطون: بالتشبه بالله[6]

إن فكرة ازدراء الجسم تدخل العالم الإسلامي مع حركات الترجمة المبكرة، ومن أهم كتب أفلوطين التي تُتَرجم: كتابه “أثيولوجيَا” الذي سيُنسب غلطًا لأرسطو، “وأول من نقله إلى العربية: عبد المسيح بن عبد الله ناعمة الحمصي… والكتاب كله منتزع من أفلوطين[7]

يتضح في كتاب أثيولوجيا موقف أفلوطين حول شر الجسم المحسوس وخير النفس المعنوية بصورة أبلغ، فما دامت النفس -وفقا للأفلاطونية- جوهرا إلهيا نزل إلى عالم الأجسام من عالم المثل، فإن ذلك ينعكس لدى أفلوطين بصورة حرفية فيقول: “أن النفس انحدرت إلى هذا العالم الحسي الجسماني فصارت في هذا البدن الغليظ السائل الواقع تحت الكون والفساد”[8] أما المعرفة بالإلهيات فإنها تأتي طريق التجرّد المثالي، بخلع المحسوس عن النفس المعقولة، لتتصل بعالمها المعقول الأول، فيقول: “خلوت بنفسي وخلعت بدني جانبًا كأني جوهر مجرد لا بدن، فأكون داخلا في ذاتي راجعا إليها خارجًا عن سائر الأشياء… ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي[9] إذ إن “النفس المنغمسة في عالم الحس لا علاقة بينها وبين العالم العقلي فإذا هي تطهرت وأنارت أمكنها حينئذ بهذا الشبه أن ترتقي إلى العالم العقلي[10]،[11]

إن فكرة ترقي النفس من العالم المحسوس إلى العالم المعقول، تجري في السياق الأفلوطيني وفق تراتبية، فإن النفس كانت تعيش في عالم المثل المعقول، ثم تنزل  فتختلط بالجسم المحسوس، فيقع على عاتقها ممارسة “التطهر”، الذي يطلق عليه أفلوطين لفظ “الشبه” كي تصل إلى العالم الإلهي العقلي. فـ “الشبه” حاصل بين معقولين، الفرع منهما يتشبه بالأصل ليلتحق بعالمه.

هذا التشبه الحاصل بين معقولَين [النفس/الإله] هو  في الأفلاطونية المحدثة: “تشبه أحد الطرفين بالطرف الآخر، على أن يكون هذا الآخر هو الركن الأصل”[12] فإن تطهير النفس لدى أفلوطين، يتم عبر التشبه النفس المعقولة  التي تفرعت عن الإله المعقول، لغاية الوصول إلى عالم الإله، بعد أن تخلع عنها عالم الأجسام.

فالجسم لا يوجد ما يقابله في عالم الإلهيات كي يتشبه به الإنسان في جانبه الجسماني، بخلاف النفس، فهي في الفلسفة الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة؛ لها جنسها في العالم الألهي، إذ هي كما يقول أفلاطون معقولة، كما أن الإله معقول.

فيكون مدار التشبه على الشطر الذي له جنسه في عالم الإلهيات، فالمادية التي تقول بفضل الحواس وعينيّة الوجود الخارجي، تضحى كفرًا وإلحادًا، وفي حين كان الرواقيون ذوي نزعة مادية، فإنهم وفقا لهذه الذهنية المثالية كانوا يُعتبرون ذوي “نزعة إلحادية متصلة بالعالم الظاهر المادي بصرف النظر عن أي عالم آخر “[13]

أما عن السؤال ما الذي تتشبه به النفس وهو في الإله؟

فإن الإله المثالي، كما يقول ابن سينا وابن باجة وغيرهم: “عقل وعاقل ومعقول، غير محسوس الذات البتة [14]،[15] فذاته معنوية معقولة، لا متعيّنة محسوسة، فهو ليس إلها شخصًا.

وبذا، فإن التشبه -كما أوضح أفلوطين- يكون تشبهًا بفضائل الإله، الفضائل المعنوية. إن النفس المثالية تتشبه بالإله المثالي، الذي هو خير محض وفضيلة محضة، فهو وفقا للأفلاطونية: جملة من المعاني الأخلاقية العالية، وعلة كمالُ اتصافِه بذِي المعَاني راجعٌ لبُعدِه عن المحسوس والجسمانية، ولكي تصل إلى صحبة هذا الإله -بتعبير أفلاطون- فتأخذ من فضائله، عليها أن تبتعد دومًا عن مباشرة المحسوسات، فهي حينها تتشبه بفضائله؛ وأولها ازدراء الجسم، ففضيلة الإله العظمى تكمُن في أنه ليس شخصًا -بتعبير كلامي: ليس متعينًا/لا يشار إليه إشارة حسية- بل في كونه معقولًا بعيدًا كل البعد عن الجسمانيّات، وهذا المعنى نلمسه في سعي أفلوطين نحو الفضيلة  حيث يقول: “إني ربما خلوت بنفسي وخلعت بدني، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن” [16]

لاحظ كلمة “مجرد”، إن “أصل التسمية بالمجردات مأخوذ من كون الإنسان يجرد الأمور العقلية الكلية، عن الأمور الحسية المتعينة”[17] فإن أفلوطين يعني أنه يتجرَّدُ عن الجسمانيات الحسيّة المتعيّنة، فيصير معقولًا معنويًا عند الخلوة، إنه”يتشبّه بالإله” ليصير “مجردًا عن المحسوسات كالإله”، وفي هذا النسق تأتي مناجاة أبو علي ابن سينا: “رزقنا الله التجرّد التام والتألّه الكامل”[18]

إن التجرد الذي يعنيه ابن سينا، ليس التجرد عن الشرك والشهوات والإخلاص في العبادة ونحوه كما عهدنا في المتعارف السُنِّي، وإنما هو يعني: التجرد عن الجسم المحسوس تشبُّهًا بالإله، ليصل مرحلة التأله الكامل فيكتسي الفرع بفضائل الأصل كما كان يقول أفلوطين في التاسوعات.

يقول ابن سينا: “إن منبع الشرور بالإضافة إلى النفس الإنسانية هو القوى الحيوانية والنباتية وعلائق البدن وإذا كان ذلك وبالا عليها فما أحسن حالها عند الإعراض عن ذلك وما أعظم لذّتها بمفارقته -يعني الجسم المحسوس- إن كانت تفارقه بالذات وبالعلاقة وبجميع الحالات، رزقنا الله التجرد التام والتأله الكامل[19]

فالتجرد والتشبه بالإله -لدى المثاليين- هو نتيجة “انطواء النفس على ذاتها وبعدها عن الجسد … ومن هنا كان التفلسف تدربا على الموت أي على انفصال النفس عن الجسد[20] تأسيًا وتشبّها بالإله، فـ “من لم يكن فيلسوفا طاهرًا؛ لن يصل إلى صحبة الآلهة[21] فالنفس التي تتطهر عن الجسم/المحسوس، المتشبهة بالإله، المكتسية بفضائل الإله المعنوي: “تصبح أقرب إلى الشبه بالعالم الإلهي[22]

فإن تحصيل هذه الفضيلة -فضيلة التجرد عن الحس والجسم تشبهًا بالإله غير المحسوس- لدى أفلاطون ومن تبعه، هي أقصى ما يمكن تحصيله، ثم بعدها تأتي الفضائل الأخرى، وسنرى تفصيلها لاحقًا.

لاحظ أن التشبه/التشبيه يعبّر عن أصل في المقالات المثالية المبكرة، وبمَا أن الإله معنوي وليس شخصًا متعيّنَ الوجود مشارًا إليه، فإن التشبّه الصادر من الإنسان يكون على مدار ما هو معنوي فيه، إنها النفس، إذ ييقول أفلوطين “بعالم معقول في مقابل العالم المحسوس ويجعل حدا وسطا بين العالَمين، وهو عالم النفس أو النفس[23]

فكرة التشبه بالإله تدخل العالم الإسلامي، ولقد “أخذ جابر بن حيان بقول أفلاطون حول التشبه بالله فأعطى له كل معناه ومستلزماته[24] وكان شائعًا في الأوساط الفلسفية العربية حينها أن الفلسفة تعني “التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية لتحصيل السعادة الأبدية… أي تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات والتجرد عن الجسمانيات” [25]

لقد كان الكندي مُسَلّمًا بفكرة ازدراء الحس والجسد والمرئي، تبعًا لِما انطوت عليه المقررات الأفلاطونية، وكان مما يقوله إنه “لا ينبغي نطلب في العلم الإلهي حسًا[26] فإن الإله معقولٌ مثالي، ولا تُنال المعارف الإلهية بواسطة الحواسِ المتعلقة بالجسم، بل بواسطة النفس المعقولة، لأن “المدرك لشيء غير جسماني لا يجوز أن يكون جسمًا، لأن الجسم لا يدرك إلا جسمًا[27]

فالوجود لدى الكندي ثنائي، وجود محسوس مرئي، ووجود إلهي غير محسوس ولا مرئي، وفي حين كان كلام الكندي “يدل دلالة واضحة على رضاه واتفاقه مع أفلاطون وأفلوطين”[28]  فإن النفس لديه “باقية بعد الموت وجوهرها كجوهر الباري عز وجل في قوتها إذا تجردت[29] إذا تجردت عن الجسم المحسوس، لاحظ التشبيه، وفي حين يقول أفلاطون أن “النفس تشبه ما هو إلهي وخالد ومعقول وذو صورة واحدة، وما هو غير قابل للانحلال وما هو دائما بذاته وإن الجسد يشبه ما هو إنساني وفان وغير معقول وذو أشكال متعددة”[30] يقول الكندي: “ولعمري لقد وصف أفلاطون وأوجز وجمع في هذا الاختصار معاني كثيرة”[31] فإن النفس عند الكندي “جوهر بسيط ذات شرف وكمال، عظيمة الشأن، جوهرها كجوهر الباري[32]

إن الكندي حين ذوبانه في الأفلاطونية، يتبادر إليه سؤال عن الباري والنفس، والعلاقة بينهما، فيقول: “السؤال عن الباري عز وجل في هذا العالم وعن العالم العقلي، وإن كان في هذا العالم شيء، فكيف الجواب عنه؟

هو كالنفس في البدن، لا يقوم شيء من تدبيره إلا بتدبير النفس ولا يمكن أن تُعلم إلا بالبدن بما يرى من آثار تدبير النفس فيه. ولا يمكن إلا بالبدن بما يُرى من آثار تدبيرها فيه. فهكذا العالم المرئي: لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى[33]

فالإله المعقول اللا مرئي يدبر شأن العالم المحسوس المرئي، كما أن النفس المعقولة اللا مرئية تدبّر شأن البدن المحسوس، فهي هنا تمارسُ تشبهًا بالإله في تدبيره، إنها تطهّر عالمها الجسماني تدبيرًا بتجرّدها، كما يطهّر الإله المعقول العالم الجسماني تدبيرًا.

وسنرى لاحقا تطور مقالة “مرئي/لا مرئي” في الأوساط الكلامية والفلسفية، وفق ثنائيات متعددة:

– مرئي/لا مرئي = الكندي.

– الجسم/الروح = الجهم بن صفوان.

– المحسوس/المعقول = ابن سينا/إخوان الصفا.

– الطبيعة/ما بعد الطبيعة = ابن رشد.

– المادي/المثالي = اللاهوت الكنسي.

– يرى/ لا يرى = المعتزلة.

– يرى في جهة/ يرى لا في جهة = الأشعرية.

وفي هذه الثنائيات تلحظ أن النفس/الروح، دومًا ما تأخذ موقع الوجود الإلهي لدى أصحاب ذي الأدبيات، فلما وقع سؤال الجهم بن صفوان عن الإله هل يُرى؟

“– قال جهم للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا؟

  • قال: نعم.
  • فقال: هل رأيت روحك؟
  • قال: لا.
  • قال فسمعت كلامه؟
  • قال: لا قال: فوجدت له حسا؟
  • قال: لا.
  • قال [جهم]: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان[34]

لاحظ أن الروح كالله لدى الجهم، لا كالجسم، بل إن مقالة الجهم، متوقفة  في فحواهاعلى تشبيه الله بالروح، الأمر الذي سيتطور لاحقا -كما جاء في كتاب النظرية- لدى الغزالي فيقول في الروح: هي “سر من أسرار الله عز وجل، لا يدركه الحس[35] إنها “عبارة عن موجود قائم بنفسه غير متحيز، ولا مشار إليه، منزه عن الاختصاص بجهة، ليس هو داخل البدن، ولا هو خارجه، ومماسا له، ولا منفصلا عنه، بل كل ذلك يجوز على الأجسام المتحيزة[36] إنها المقالات التي لم يطلقها أهل الكلام إلا في الإله.

إن الغزالي كانت “مادة كلامه مأخوذة من كلام ابن سينا وكلام إخوان الصفا”[37] أصحاب الرسائل التي سيطالعها الغزالي وتنعكس رؤاهم في أطروحاته، لكن سيتخذ الغزالي حيلة لترويج المعاني الفلسفية “كالتشبه بالإله” في الأوساط الإسلامية بالتعبير بلفظ غير اللفظ الفلسفي، “فهو يعبر عن مذاهبهم بلفظ الملك والملكوت والجبروت ومراده بذلك الجسم والنفس والعقل. فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلامية ويودعونها معاني هؤلاء وتلك العبارات مقبولة عند المسلمين فإذا سمعوها قبلوها ثم إذا عرفوا المعاني التي قصدها هؤلاء ضل بها من لم يعرف حقيقة دين الإسلام”[38]

فإخوان الصفا الذين يرون أن “حد الفلسفة: التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسان”[39] سيعكس الغزالي مقالتهم في قالب أدبي قائلا إن “من لم يتّخلّقِ ويتحلى بمعاني صفاتِ اللهِ وأسمائِه المتصوَّرةِ في حقِّ الآدميّين، وأنَّ من لم يكن له حظٌّ من معاني أسماءِ اللهِ فهو مبخوسُ الحظِّ، نازلُ الدّرجةِ”[40]

إن نظرية إخوان الصفات في النفس، كان تنسج وفق الذهنية الأفلوطينية، فإنهم قد “اعتمدوا مذهب الأفلاطونية الحديثة”[41] فالنفس ليدهم “لا تلحقها الآلام والأمراض والأسقام والجوع والعطش والحر والبرد والغموم والأحزان ونائب الحدثان”[42] لإلهيّتها، حيث إنها “جوهرة روحانية سماوية نورانية حية بذاتها”[43] فإن كانت “الأمور الإلهية هي الصور المجردة من الهيولى، فالنّفسُ هي إحدى تلك الصور، فيجب الاجتهاد لتخليصها من بحر الهيولى وهاوية الأجسام وأسر الطبيعة”[44]

هنا تلحظ أن النظرية الأفلاطونية حاضرة، فإن الوجود قسمان (روحاني مثالي/محسوس جسماني) وما دام الأمر كذلك فإن الخير يقف في جانب الروحانيّات، بخلاف الشر فإنه متعلق بالأجسام المحسوسة، ووظيفة الإنسان: هي أن يتشبّه بالإله الروحاني المثالي، ليخلّص نفسه من الوجود المادي الجسماني، فلقد “نحا إخوان الصفا إلى نظريتهم في النفس منحى أفلاطونيا”[45]

تنعكس لدى الغزالي رؤيا إخوان الصفا -المثالية- فيطلق في النفس ألفاظًا يشبّهها فيها بالإله، فهي لديه “موجود قائم بنفسه غير متحيز، ولا مشار إليه، منزه عن الاختصاص بجهة، ليس هو داخل البدن، ولا هو خارجه، ومماسا له، ولا منفصلا عنه” كما رأينا في نص الإحياء له.

ويتخذ الغزالي نفس الموقف المثالي: سوء الجسم المحسوس، وفضيلة الروح غير المحسوسة، حيث إنه “ينتقل من النور الظاهر المحسوس إلى نور آخر غير ظاهر وغير محسوس[46] فيقع في قرمطاتِ الصوفية في تعامله مع النص، فيعبر عن المفاهيم المثالية التي أخذها عن إخوان الصفا كقولهم أن “الأمور الروحانية هي فوق الأمور الطبيعية وهي التي ليست بأجسام، وذلك أن الأشياء التي فوق الطبيعة على أربع مراتب أولها الباري جل جلاله، ثم دونه العقل الكلي الفعال، ثم دونه النفس الكلية، ثم دونه الهيولى الأولى، وكل هذه ليست بأجسام”[47] فيعبّر عنها بألفاظ شرعية، فذي الأمور الروحانية لدى إخوان الصفا، هي “الموجودات العالية الروحانية لدى الغزالي[48] “فالطور مثال للموجودات العظيمة الثابتة في عالم الملكوت، والوادي مثال للموجودات العلوية التي تتلقى المعارف الغيبية، ومنها تجري المعارف إلى النفوس البشرية[49]

فالموجودات العظيمة كالإله، تلقي المعارف -التي منها الفضائل- إلى الموجودات العلوية كالعقل الكلي، فتجري عن الموجودات العلوية تلكَ المعارف والفضائل إلى النفس البشرية.

فعند الغزالي: “ما حصل وما يحصل لنا من المعقولات غير متناه لا يحصل دفعة ما دامت النفس مشغولة بالبدن أو بما صحبها من عوارض البدن”[50]

دومًا ما تكون الأفلوطينية حاضرة، فإن الجسم المحسوس عائق، إنه شر! يجب الهروب منه تشبهًا بالإله لتحصيل الفضيلة! إن الفضيلة والمعارف الإلهية؛ لا تحصل دفعةً واحدة، بل تحصل في الإنسان بقدر مشابهته للإله المعقول المعنوي، إن ذلك يحصل عبر التجرّد عن الجسم/المحسوس كما أن هذا الإله مجرّدٌ عن الجسم المحسوس.

ويمكنك أن تقارن النص السابق للغزالي بالنص الحرفي عن أفلوطين الذي يرى أن الإله الروحاني المعنوي؛ ما دامت النفس المعنوية تنزع نحوه، فإن فضائلنا -والتي يعبر عنها الغزالي بالمعارف الإلهية- تصلنا من عالمه المثالي بناء على التناسب بين طبيعته وطبيعتها، لا على سبيل أنه خالق كل شيء. فيقول أفلوطين:

“إذا كان في ذلك الإله أيضا نزعة إلى الروحانيات التي تنزع إليها نفوسنا فواضح أن نظامنا الباطني وفضائلنا إنما تصلنا نحن أيضا من عالم تلك الروحانيات[51] فالمعارف تأتي من عالم المثل، العالم الذي كانت الروح المجردة تسبه في معقولاته، وحين امتزاجها بالجسم، فإنها تنسى المعارف الإلهية المعقولة، ولا سبيل إلى تحصيلها إلى بعد التجرد عن الجسم.

إن أفلاطون “يربط الألوهية بمفهوم الخير الأخلاقي … حتى أنه عرّف الفلسفة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة الإنسانية، أي التخلق جهد الطاقة بالأخلاق التي يرتضيها الله”[52] وسنرى لاحقا أن هذه الأخلاق التي يرتضيها الله، علة رضاه لها في الصرح المثالي هي أنه يتصف بها، فيكون التشبه به؛ تشبها بأخلاقه، إذ هو جملة من المعاني الأخلاقية، لا أنه ذات -شخص- متصف بصفات.

فـ “مفهوم التشبه بالله، هو مبدأ من مبادئ الأخلاق النظرية عند أفلاطون … إذ أخذ أفلاطون صورة أُسقِطَ فيها جانب الشعائر وأبقيَ فيها على جانب الوجدان وحده”[53] ثم إن أفلاطون “يطلق لفظ «التشوق» على مسمى «التشبه بالله» والتشوق لديه هو عبارة عن الشعور الحامل للإنسان على اكتساب المزيد من الفضائل وطلب الزيادة في الطريقة نحو الخير الأسمى، علما بأن الخير الأسمى هو بدوره مفهوم مجرد أنزل منزلة الإله، حيث إنه اسم معنى، بينما الإله اسم ذات”[54]

وهذا سينعكس بصورة ذات مسحة دينية لدى الغزالي ونحوه، فبدل مقولة التشبه بالله سيتم استعمال حيلة وضع اللفظ الإسلامي للمعنى الفلسفي الأجنبي، فيتم ابتكار مقولة ذات معنى موافق، لكن بألفاظ تظهر لأوّل وهلة ذاتَ مسحة إسلامية.

سيقول الغزالي “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلقوا بأخلاق الله تعالى وقوله عليه الصلاة والسلام إن لله كذا وكذا خلقا من تخلق بواحد منها دخل الجنة[55] فهذا الحديث موضوع مكذوب، ومع ذلك يتم معه ابتكار جملة من الأحاديث لتكوين وعي أفلاطوني ذي مسحة إسلامية تستمدُّ منه مقولة “التشبه بالإله” الشرعيةَ في الوسط، وتجري على الألسن أحاديث تُنسب للنبي، كقولهم:

– إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة. ضعيف.

– السخاء خلق الله الأعظم. ضعيف.

– تخلقوا بأخلاق الله. لا أصل له.

– ألا وإن حسن الخلق خلق من أخلاق الله عز وجل. موضوع.

فالأحاديث المكذوبة والموضوعة، كثيرا ما تكون وظيفتها متمثلة في إقحام المعنى الفلسفي في قالب عقدي إسلامي، كالأحاديث الواردة في العقل، فيتم استبدال الألفاظ الجافة بألفاظ إسلامية، خصوصا واكتمال التصور الصحيح لخارطة الوعي المثالي المتشكل حينها لم يتحقق، نتيجة الدوغمائية الكلامية والفلسفية تارة، أو نتيجة التفيق والتعقيد  تارة أخرى، أو نتيجة بناء مقالة وعيد على مخالفة القول، أو جعل المعنى الفلسفي يأخذ بعدا عمليّا يُشحذ أدبيا بعبارات ترفع الهمم، فمن لم يتشبه بالإله، هو بعبارة الغزالي – الذي يبني عقيدته على نقض التشبيه –”مبخوسُ الحظِّ، نازلُ الدّرجةِ”[56]

يؤلف الغزالي كتابًا بعنوان المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، وهو أحد كتبه التي شرح فيها طبيعة التشبه بالإله، تحت مسمى التخلق بأخلاق الله، فيعقد فصلا في بيان أن “كمال العبد وسعادته: في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه[57]

وهنا تلاحظ أن كلمة أفلوطين: “الذين يتحلون بالفضائل المدنية مشهورون بأنهم ربانيون والحق أنهم أدركوا التشبه بذلك الإله نوعا ما”[58] حيث يصف المتشبهين بالإله بالربّانيين الذين صاروا أصحابًا للإله[59]، يكررها الغزالي بصورة شبه حرفية، فيقول: “الحظ الثالث: السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات -التي للإله- والتخلق بها والتحلي بمحاسنها وبه يصير العبد ربّانيًّا… وبه يصير رفيقًا للملأ الأعلى من الملائكة[60]

فإن كان التشبه حاصل من العبد بالإله، تخلقًا بأخلاقه، لمَ يتنازل الغزالي عن تعلق الرفقة والصحبة بالإله، ليقول أنها تحصل بين المتشبه وبين الملائكة؟ إن القول بصحبة الإله -كما قال أفلاطون سابقًا- في وسط إسلامي قد تؤدي لتشنيع، فيحافظ الغزالي على التشبه بالإله، ويتنازل عن الغاية الأفلاطونية بابتكار غاية مرافقة الملائكة.

وإذا كان الوسط اليوناني يطلق العبادة حتى على لفظ التشبه الحاصل من التلميذ للأستاذ، فإن الغزالي يتخذ ذلك وسيلة لشرح قضية التشبه بالإله، فكما يقال من أن “أرسطو كان يكنّ محبة عميقة وعبادة فعلية لمعلمه أفلاطون”[61] يشرح الغزالي دوافع التشبه بالإله وفقا لذهنية التشبه بالأستاذ، فيقول: “التلميذ إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه والاقتداء به… ولهذا ينبغي أن يكون الناظر في صفات الله تعالى خاليًا بقلبه عن أرادوا ما سوى الله عز وجل”[62] فمنزلة الإله من العبد لدى الغزالي كمنزلة الأستاذ من التلميذ.

تنفجر مقولة التشبه بالإله في الوسط الصوفي، فيقول ابن عربي -الذي يأخذ مادته عن الغزالي-: “ولهذا تشير الحكماء بأن الغاية المطلوبة للعبد التشبه بالإله، وتقول الصوفية التخلق بالأسماء، فاختلفت العبارات وتوحد المعنى، ونحن نرغب إلى الله ونضرع أن لا يحجبنا في تخلفنا بالأسماء الإلهية عن عبوديتنا[63]

فابن عربي يرى أن النبي قد صار إلها لشدة تشبهه باسم الله «النور» ولذا لما ذكر ابن عربي عن الحلاج أن “بسم الله من العبد بمنزلة كن من الحق”[64] قال أن من الناس من تكون له “كن دون بسم الله” فيقول “كن” فيتكوّن الشيء، فكانت “كن” من النبي، هي “كن” الإلهية[65] فالنبي -حسب ابن عربي- لما اشتد تشبهه بالإله صارت كن في حقه إلهية، فصار إلها.

لكن ابن عربي -كعادة متحذلقي الصوفية- يتناقض، فإن أكثر كلامه خزعبلاتُ مواجيد، فهو حين يقول بوحدة المعنى بين القولين [التشبه بالله/التخلق بأخلاق الله] ثم يردف ذلك برغبته ألا يُحجب عن هذا التشبّه في المجلد الثالث من الفتوحات، تجده في المجلد الخامس يقول: “وأما التشبه بالحق فذلك المطلوب عند أكثر أهل الله، وأما عندنا فلا يصح التشبه بالله، وما قال به من الحكماء إلا من لا معرفة له بالأمر على ما هو عليه في نفسه”[66]

ويتسع الأمر فيصل إلى جعل مقولة التشبه بالإله مطية للقول بالحلول والاتحاد، فترى التلمساني يقول: “كساه نفس صفاته، وخلع عليه خلعة من صفات ذاته، حتى صار شبيها به[67]

فالتشبه بالإله، ما دام تشبهًا من ناسوت بلاهوت، تأتي الأدبيات الصوفية قائلةً: “عليك أيها الموحد المتحقق بمقام التوحيد المتمكن في مقعد الصدق [عبر] التخلق بأخلاق الله تعالى والفناء في ذاته [بأن يكون العبد] منخلعا عن لوازم ناسوته بقدر ما يمكن له ويسع في قابليته واستعداده”[68] فالعبد يخلع الناسوت ليتحول إلى لاهوت بقدر الطاقة، إن ذلك يحدث نتيجة التشبّه بالإله بقدر الطاقة.

وترى الرازي يؤكد أنه “عليه السلام قال: تخلقوا بأخلاق الله، وأن الفلاسفة قالوا: الفلسفة عبارة عن التشبه بالإله، بقدر الطاقة البشرية[69] ومع أن الحديث مكذوب، والفلاسفة لم يجمعوا على ذلك؛ بل هو قول أرسطو وأفلاطون وأفلوطين، بخلاف مثل الرواقيين، والشكاك، وسقراط وغيرهم. إلا أن الرازي يؤثر عدم الضبط، فالمهم أن يشيع الوعي المثالي والجانب الفلسفي للتصوف الأفلوطيني.

وهنا تنتشر عبارة التشبه بالله، تحت مسمى “التخلق بأخلاق الله” لدى أقوام كانوا إذا سمعوا لفظ “التشبيه” احتدت أقلامهم وألسنتهم كأنما سمعوا كفرا، فيؤكد على ضرورة التخلق بأخلاق الله: ابن الحاج في “المدخل” والسيوطي في “شرح سنن ابن ماجه” والمناوي في “شرح الجامع الصغير” والمباركفوري في “تحفة الأحوذي” والآبادي في “عون المعبود” ومحمد الصادق في “بريقة محمودية” والسندي في “شرح سنن النسائي”.

بل يصل الأمر -كما يقول الغزالي- أنه قد “سمع الشيخ أبا علي الفارمذي يحكي عن شيخه أبي القاسم الكركاني ,… أنه قال إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك وهو بعد في السلوك غير واصل”[70]

ويتم التفريع في مسألة التشبه بالإله في كثير من الأفعال، فـ “يرى المتصوفة واللاهوتيون في بعض الأديان أن الزهد وسيلة للتشبه بالله، فيقول القديس توما الأكويني إن أولئك الذين يسعون إلى التشبه بالله لا يعرفون شهوات دنيوية ولما كان الاتصال الجنسي يمنع العقل من الانصراف الكلي إلى عبادة الله يرى توما الأكويني أن العفة المستمرة والزهد الدائم في حياة رهبانية هما شرطان للكمال الديني”[71]

فعدم الزواج تشبّه بالإله في المسيحية، وهنا ستدخل مفاهيم التصوف المسيحي المبنية على التصوف الأفلوطيني العالمَ الإسلامي، فترى صوفية لا يتزوجون زهدًا، وتُذكر أحوالهم بنيّة التأسي ظنًا أنها بناء على مفهوم الزهد في الإسلام الأصيل، ويأتي أقوام يقعّدون خلاف ذلك، فيرون أن تمام التشبه بالإله يكمن في الزواج، فالخَلق الإلهي هو إنتاج للبشر، كما أن وظيفة الزواج هي إنتاج البشر، وبذا يصبح “في النكاح خلافة ربانية في إيجاد الأشخاص الإنسانية، وذلك بالتخلق باسمه الخالق … لأن الإيجاد أنفع من الإبقاء وأقوى في التشبّه بالخلق الإلهي”[72] إلا أن “التشبيه” الذي جعلوا توحيدهم مبنيًا على النفرة منه بقي يسبب مشكلًا لدى للغزالي، فيقول: “فإن قلت فظاهر هذا الكلام يشير إلى إثبات مشابهة بين العبد وبين الله تعالى لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيها له ومعلوم شرعا وعقلا أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وأنه ولا يشبهه شيء؟

فأقول: مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله عز وجل عرفت أنه لا مثل له؛ فلا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة[73]

لاحظ: المشاركة في كل وصف لا توجب المماثلة، الكلمة التي ظلت لا تُعقل لدى جماهير إذا قلت لهم لله يد وللإنسان يد، لكن لا تماثل بينهما، قالوا: هذا غير معقول، بل هو لازم! لكنه يُعقلُ خدمة للأدبيات اليونانية.

فكيف بالغزالي يقول بضرورة التشبه بالله، معتذرا عن نفي التشبيه بأن المشاركة في الصفات لا يلزم منها أن يماثل المُتَشبِّهُ الإنسانُ؛ الإلهَ الذي يُتشبَّه به؟ في حين إذا نظر في الصفات العينية لم تجد لاعتذاره هذا موطنا، إن هذا يرجع للأسس الوجودية التي وضعها أفلاطون وأرسطو وطور بعضها أفلوطين، فإن كان الإله لديهم جسما متعينا، فلا مشكل لدى الإسلاميين من أهل الكلام في إثباتها، ولا يعني ذلك تمثيلا لللإله بالمخلوق، فالمشاركة في كل وصف لا توجب الممثالة لكن لما كا الإله معقولا معنويا لدى اليونانيين، كان الضرر في تصور قدر مشترك أو شبه بينه وبين المخلوق في الصفات العينية، لكن في المعنوية لا إشكال.

لقد كان بشر بن غياث المريسي يقول “الله لا يُشبَّهُ بشيء من خلقه”[74] وكان جهم بن صفوان يقول: “لا أقول إن الله سبحانه شيء، لأن ذلك تَشبِيهٌ له بالأشياء”[75]

إن هذا النفي مأخوذ عن أفلوطين أيضًا؛ فـ “عند أفلوطين… الله لا شخصي ولا يمكن وصفه إلا بالنفي، وقد وجدت هذه الطريقة السلبية في وصف الله بالسلب سبيلها للازدهار في العصور الوسطى”[76] وهي مأخوذة أصالة عن كرنيادس -أحد سوفسطائيي القرن الثاني قبل الميلاد- أذ “كان مبشرًا بمنهج اللاهوت السلبي الذي سيأتي فيما بعد سواء في المسيحية أو في الإسلام[77]

ستزدهر طريقة وصف الإله بالسلب والنفي في الوسط الكلامي إلى حد بعيد، لغرض نفي التشبيه الذي يُعدّ قدحًا فاحشًا في التوحيد، وتصير المقالة في وصف الإله مؤطّرة على هذا النحو:

ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء وليس بذي جهات ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدثهم ولا يوصف بأنه متناه ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ولا تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجري عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل أولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء”[78] “إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته”[79] ويصير التقعيد مؤداه إلى أن “صفات الجلال سلوب، كقولنا: إنه ليس بجوهر ولا جسم، ولا كذا ولا كذا”[80].

فهنا تلحظ أن نفي التشبيه ليس مطلقًا، بل هو وفق السياق الأفلاطوني؛ نفي تشبيهه بالمحسوسات، ولا تكاد تجد نصًا لمن يقول “بنفي التشبيه” في نفي التشبيه بالمعنويات، فهو إله معنوي حسبهم، شبيه بالنفس، والروح، والعقل، وعندما تصبح الدعوى عريضة، يتم تشكيل الوعي المضاد سريعًا فيطلق على نفي التشبيه لفظ “التنزيه”، ويصير كل من وصف الإله بالصفات العينية كاليد والساق والوجه، أو أن جالس قاعد على عرشه، أو أنه شخص، أو أنه يُرى ويُسمع ويَمسُّ بيده أشياء، أو أنه يُشار إليه إشارة حسيّة كما جاء في ظاهر النص، وكلام السلف؛ وِفق البنية الأفلاطونية؛ يُتّهم بالتشبيه، الذي يلحقه وسمٌ بالكفر وفساد التوحيد. مع أن التشبيه أصل في مقالاتهم، وفي حين كان الإله لدى أفلاطون معنويًا لا متعيّنًا، يستملح المثاليون الإسلاميون تشبيه ربّهم بالنفس/الروح، ويوجبون لمن شاء التطهّر التشبُّهَ به  صريحًا.

هنا يجدر التنبيه على مقالة الدارمي الذي كان ذكيًا مدركًا لأصول المقالات، ونمطية التفكير الفلسفي، فيقول لبشر بن غياث المريسي: “فيقال لهذا الضال المضل: أليس قد زعمت أن الله لا يشبه بشيء من خلقه، ولا يتوهم الرجل في صفاته ما يعقل مثله في نفسه؟ فكيف تشبه الله في يديه اللتين خلق بهما آدم بأقطع مجذوم اليدين من المنكبين؟ وتتوهم في قياس يدي الله ما تعلقه في ذلك المجذوم المقطوع، ويتوهم ذلك؟ فقد توهمت أقبح ما عبت على غيرك، إذ ادعيت أن الله لا يدان له كالأقطع المقطوع اليدين من المنكبين[81]

فالتشبيه لازم لمن ينفي، فإن كان في الأجسام من يسمى بـ “جسم لا يد له” فإن قيل بنفي اليد عن الإله، قيل: “شبهته بجسم لا يد له” إذا ما قيل: إذا قلت أن له يدًا فقد شبهته بجسم له يد. وإن قيل هو ليس جسم فلا يشبه الأجسام بحال، قيل: شبهتموه بالنفس والروح والعقل، فهلي بقي لمقالة “نفي التشبيه” اطراد؟

في مثل ذي المنعطفات تنشكف الضحالة الكلامية في استعمال بروباغاندا التشبيه، خصوصا عند التمعن في تلك النصوص التي بقيت حريصة كل الحرص على ضرورة التشبه بالإله/التخلق بأخلاق الإله.

فعقائد الأنبياء على نقيض عقائد أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، الفلاسفة التي كانت خلاصة مقالاتهم -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-: أن “عالم الشهادة هو المحسوسات وعالم الغيب المعقولات”[82] فإن “المسلمين لا يسمُّون أحدا من الملائكة عقلا، ولا الله عقلا، إلا من أخذ ذلك عن الفلاسفة”[83] فـ “الرسل لم تفرق بين الغيب والشهادة بأن أحدهما معقول والآخر محسوس، كما ظن ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية[84] فالله وجوده محسوس، سمعه موسى بحواسه، ويراه المؤمنون بحواسهم، وخلق آدم بيده وغرس الجنة بيده وخط التوراة بيده[85] فـ “الموجود هو ما يمكن الإحساس به[86].

في هذا السياق بالذات، تظهر ضرورة النظرية الفلسفية، في الوجود والمعرفة، في كشف الثغرات الفلسفية التي يقوم عليها اللاهوت المثالي إسلاميًا كان أو مسيحيًا، كما تظهر ضرورة تطوير ترسانة فلسفية لمجابهة الترسانة المثالية التي تقعّد فلسفة تقول بثنائية الوجود، تنعكس تفريعاتها على علاقة العبد بربّه، فعوض أن يتعبّد بأسماء الله في سياق الخوف والرجاء، ينحاز نحو ذهنية التشبّه بالإله والحث على الاتصاف بصفاته، كما تعكس علاقة العبد بالواقع؛ إذ الواقع المحسوس إن كان شرًا، فإن الإصلاح يكون بالالتفات إلى الذات، فيذوب الموضوع في الذات، ولا يصلُح الحال إلا بقتل الحواس فيضحى الواقع ميتًا على حساب التخريف الأفلاطوني. هنا بالذات تَكمُن أهمية كتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود ليوسف سمرين.

إن غياب تلك النظرية في كثير من الأوساط التي ترد على الإلحاد، سيجعل من السهل أن تتسرّب المقالة الأفلاطونية في النقاش الإسلامي-الإلحادي فيما يتعلق بموضوع الأخلاق، وسترى كثيرًا من الكتب تؤلَّف من طرف إسلاميين  في موضوع الأخلاق لاستثماره في نقد الإلحاد، وسيكون مدار الطرح جملةٌ غامضة تلمس فحواها في جل الأطروحات، تقول: “إن لم يكن هناك إله فلن تكون هناك أخلاق“.

كما سبق ورأينا، فإن أفلاطون يعتبر الإله ذا وجود معنوي، إنه خير محض، خير أسمى، “علما بأن الخير الأسمى هو بدوره مفهوم مجرد أنزله أفلاطون منزلة الإله[87] فالإله إذًا خير أعلى وفضيلة عليا، إنه أخلاق سامية، في مقابل العالم المادي الجسماني الذي لا يمكن أن توجد فيه أخلاق وفضائل، فإن رام العبد الذي يعيش في وسط جسمانيّ ماديّ أن يكتسب الخير والفضيلة فعليه أن يتشبه بهذا الإله، فلا يمكن وفقًا للصرح المثالي الأفلاطوني تأسيس الأخلاق على أصل محسوس، إن الأخلاق هي الإله المعنوي، وإن الأخلاق تُستمَدُّ من الإله المعنوي -الخير المحض/لا ذات/لا شخص- فقط، فإن قلت بعدم وجوده؛ لن تتمكن من تحصيل فضيلة واحدة بناءً على أنه هو الأخلاق، هو الأخلاق والفضائل الأولى في الوجود، كما أنك لو قلت بأن وجوده متعيّن محسوس وليس مثاليًا معنويًا، فلن تحصّل أخلاقه وفضائله، فإن آلية التفكير المثالي في تحصيل الأخلاق تنخرم حينئذ. وفي حين أن الملحد يقول بإنكار الإله المعنوي، فإنه -حسب التنظير المثالي- ينكر وجود أول موجود أخلاقي، ينكر وجود الكائن الأخلاقي الذي يتصف بالأخلاق منذ الأزل، فما المبرر للتحلي بالأخلاق وأنت تقول بعدم وجود الكائن الأخلاقي الأعلى، وتقطع بإلحادك طريق التشبه به؟ إن التشبه بالإله، هو المبرر الأساس للتحلي بالأخلاق في الوسط المثالي.

في هذا السياق تأتي الأقلام المثالية التي تواجه الإلحاد بقصور معرفي، ومن بين ذلك قول ويليم لين كريغ من أن “القيم الأخلاقية مؤسسة وجوديًا في الرب[88] فالرب؛ بما أن الأخلاق مؤسسة وجوديًا فيه، فلا إمكانية لاكتساب الأخلاق إلا بالتشبه به/التخلق بأخلاقه، فـ “واجباتنا الأخلاقية هي انعكاس حتمي لطبيعة الرب”[89] فإن الإله هو المبرر الوحيد لوجود الأخلاق؛ بمعنى أن ضرورة التحلي بها تكمن في كون الإله متصفًا بها.

يقول ويليم كريغ: “إن كان الرب موجودًا فسيكون أساسُ القيم الأخلاقية الموضوعية ممثلا بصفات الرب نفسه، فهو يتصف أساسا بأنه رحيم عدل ودود كريم وما إلى ذلك من الصفات” وبهذا سيكون كريغ قد أجاب على السؤال الذي سيطرحه لاحقا “ما هو أساس القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية؟”[90]

ثم يسأل: “والآن ماذا لو لم يكن الرب موجودًا؟ هل يوجد بادئ ذي بدء أساس متين للقيم الأخلاقية الموضوعية؟” ليجيب قائلا: “في حال غياب الرب فلن يبقى أي سبب أو تفسير لوجود القيم الأخلاقية الموضوعية[91] فالتفسير الوحيد لصحة الأخلاق في المثالية، هو أن الإله متصف بها، والدافع الوحيد للتحلي بها، هو ضرورة التشبه بالإله.

إن هذه النظرة اللاهوتية عامة في الأوساط المسيحية التي تنكر خصائص الأشياء، يقول دوستيوفسكي “لن يبقى هناك شيء يعد منافيا للأخلاق، وسيكون كل شيء مباحا، حتى أكل لحوم البشر، متى كان هذا الفرد لا يؤمن بالله[92] فالأخلاق لا يمكن أن تعرف بالعقل أهي حسنة أو قبيحة، بل لا تعرف إلا عبر “أوامر الرب والتي هي انعكاس حتمي لطبيعته[93] يقول روسو “إن لم يكن رب، الفاجر وحده العاقل، والفاضل عبيط[94] لأن حسن الأخلاق مستمدٌ من الرب، مستمد منه لكونه فضيلة معنوية عسامية، يتشبّه بها الأنسان ليحقق الأخلاق.

فهذا يظهر لك سقف البحث النظري لدى أصحاب تلك الردود التي اكتفت بالتفكير داخل الصندوق المثالي، بالدوران حول المبرر الأخلاقي؛ الذي هو اتصاف الإله بذي الأخلاق، ثم استمداد الأخلاق من الإله تشبهًا به، وأن العقل من دون شرع لن يدرك خلقًا واحدًا، نفيًا للتحسين والتقبيح العقليين، وأن العقل ولن يجد مبررًا لاتباع خلق واحد، فيبقى الحجاج دائرًا حول هذه الأدبيات الأفلاطونية. فمقالة التشبه بالإله تلمس فحواها دائمًا في هذه المواطن.

هذه الورقة ليسَت نقدًا موسعًا لمقولة «التشبه بالإله/التخلق بأخلاق الله» ولم أحاول التوسع في دراسة المقالة تاريخيا فذلك يكون في كتاب إن شاء الله، فذي الورقة  التي كُتبت في يومين على عجالة، ليست سوى محاولة في تقريب أصول المقالة لتحقيق أرضية لبناء التصور الصحيح لتفريعاتها المعاصرة في النقاش الديني الإلحادي وغيره، كما كان غرضها كشف جانب يخفى على كثر من المتشرعين فيما يتعلق بالنفرة من التشبيه، إذ تُعتبر ضرورة تشبُّه الإنسان بالإله، وتشابه الروح والإله، أصلا متينا في الأطروحات التي خرج منها ذلك الصراخ المزعج إذا ما أثبت سلفي لله صفات عينية، مطلقين عليه وصف المشبه، وعلى طائفته اسم المشبهة، فهنا يبرز عنوان ابن تيمية الذي وسم به أحد كتبه “قاعدة في أن كل دليل يحتج به مبتدع ففيه دليل على نقيض قوله” فليس في نقض التمسك بنفي التشبيه والمباهاة بذلك أبلغ من الاقرار على ضرورة التشبه بالاله كما شهدناه عند الغزالي والرازي وابن سينا والكندي، فضلا عمن أخذ يقعّد ويشرح مقولة التخلق بأخلاق الله من المتشرعين.

أما عن نقد الأطروحات المعاصرة في تناول الإلحاد من جانب الأخلاق، تلك الأطروحات التي تجمعها قاعدة “واجباتنا الأخلاقية تعتمد على أوامر الرب والتي هي انعكاس حتمي لطبيعته” فذلك سيكون بتوسع في المؤلف الذي أعمل عليه في نقد أطروحات الفكر الإسلامي المعاصر في تناوله للفلسفة المادية، يسر الله تمامه.


[1] المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٤٩.

[2]  فيدون، أفلاطون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٤٦.

[3]  فيدون، أفلاطون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٤٦.

[4] محاورات أفلاطون، محاورة ثياتيتوس، فقرة ١٧٦ ب.

[5]  تاسوعات أفلوطين، نقله إلى العربية عن الأصل اليوناني: فريد جبر، مراجعة: جيرار جهامي، سميح دغيم، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى ١٩٩٧م، ج١، ص٦٢.

[6] تاسوعات أفلوطين، نقله إلى العربية عن الأصل اليوناني: فريد جبر، مراجعة: جيرار جهامي، سميح دغيم، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى ١٩٩٧م، ج١، ص٥٩.

[7] نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود لسمرين، ص٤٢٧.

[8] أثيولوجيا أرسطو، ص١.

[9] أثيولوجيا أرسطو، ص٨.

[10] أفلوطين عند العرب، بدوي عبد الرحمن، ص٢٢٠.

[11] نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود، لسمرين، ص٤٢٨، بتصرف.

[12] تاسوعات أفلوطين، نقله إلى العربية عن الأصل اليوناني: فريد جبر، مراجعة: جيرار جهامي، سميح دغيم، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى ١٩٩٧م، ج١، ص٦٠.

[13] خريف الفكر اليوناني، ضمن سلسلة الينابيع، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، ص٣٧.

[14] المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، منشورات مؤسسة مطالعات إسلامي داشكاه مك كيل شعبة تهران، ص٦.

[15] رسائل فلسفية، محمد بن يحيى ابن باجة ٥٣٣ ه‍جري، ص١٠٢.

[16] بواسطة: رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج١، ص١٣٨

[17] رسالة في العقل والروح، ابن تيمية، تحقيق طارق السعود، دار الهجرة، الطبعة الثانية ١٤٠٨هجري، ١٩٨٨م، ص١٣.

[18] جامع البدائع: يحتوي على سبعة عشر رسالة لابن سينا، ص٣١.

[19] جامع البدائع: يحتوي على سبعة عشر رسالة لابن سينا، ص٣١.

[20]  فيدون، أفلاطون، ص٦١.

[21] فيدون، أفلاطون، ص٦١

[22] فيدون، أفلاطون، ص٦٢.

[23] خريف الفكر اليوناني، ضمن سلسلة الينابيع، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، ص١٧١.

[24] الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، بدوي عبد الرحمن، ص٥٠، بتصرف.

[25] التعريفات للجرجاني، ص١٦٩.

[26] رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية لكل منها وتصدير واف عن الكندي وفلسفته: محمد أبو ريدة، مطبعة الاعتماد بمصر ١٣٦٩ه‍، ج١، ص١١٢.

[27] المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص١٦١.

[28] المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٣٦.

[29] رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ٢٧٤.

[30] فيدون، أفلاطون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٤٦.

[31] رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ص٢٧٤.

[32] رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ص٢٧٣.

[33] رسالة الحدود للكندي، ضمن: المصطلح الفلسفي عند العرب، دراسة وتحقيق عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٨٩م، ص١٩٨.

[34] الرد على الزنادقة والجهمية، الإمام أحمد، ص٦٥، ٦٦.

[35] إحياء علوم الدين، الغزالي، ص٢٢٥.

[36] أجوبة الغزالي عن أسئلة ابن العربي، ص٦٦.

[37] بغية المرتاد، تقي الدين ابن تيمية، ص٤٤٩.

[38] مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٧، ص٣٣٣.

[39] رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج١، ص٢٩٠.

[40] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص٤٥.

[41] رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج١، ص١٥، بطرس البستاني.

[42] رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج٢، ص٢٢.

[43] رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج١، ص٢٦١.

[44] رسائل إخوان الصفا، ج٢، ص٢١.

[45]  المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٥٧.

[46] مشكاة الأنوار، أبو حامد الغزالي، تحقيق أبو علاء عفيفي، ص١٢، للمحقق.

[47] رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج١، ص٥٣.

[48] مشكاة الأنوار، أبو حامد الغزالي، تحقيق أبو علاء عفيفي، ص١٨، للمحقق.

[49] مشكاة الأنوار، أبو حامد الغزالي، تحقيق أبو علاء عفيفي، ص١٨.

[50] معارج القدس في مدارج معرفه النفس، لأبي حامد الغزالي، ص٦٤.

[51] تاسوعات أفلوطين، نقله إلى العربية عن الأصل اليوناني: فريد جبر، مراجعة: جيرار جهامي، سميح دغيم، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى ١٩٩٧م، ج١، ص٥٩.

[52] فكرة الألوهية عند أفلاطون وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية، مصطفى النشار، ص٩٥.

[53] تجديد المنهج وتقويم التراث، طه عبد الرحمن، ص٣٨٤.

[54] تجديد المنهج وتقويم التراث، طه عبد الرحمن، ص٣٨٤.

[55] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص١٥٠.

[56] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص٤٥

[57] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص٤٥.

[58] تاسوعات أفلوطين، نقله إلى العربية عن الأصل اليوناني: فريد جبر، مراجعة: جيرار جهامي، سميح دغيم، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى ١٩٩٧م، ج١، ص٥٩.

[59] بتعبير أفلاطون

[60] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص٤٦.

[61] المحاضرة السابعة: أرسطو، سبرول، د 03:31.

[62] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص٤٦.

[63] الفتوحات المكية، ابن عربي الطائي، ج٣، ص١٨٧.

[64] الفتوحات المكية، ابن عربي الطائي، ج٣، ص١٨٧.

[65] الفتوحات المكية، ابن عربي الطائي، ج٣، ص١٨٧.

[66] الفتوحات المكية، ابن عربي الطائي، ج٥، ص٢٨٣.

[67] شرح التلمساني، ص٥١٦.

[68] الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية، ج٢، ص١٣٨.

[69] المطالب العالية من العلم الإلهي ، الرازي، ج٧، ص٣٠٠

[70] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص١٥٠.

[71] الأخلاق النظرية، بدوي عبد الرحمن، ص١٨٣.

[72] مفتاح الوصول، التلمساني، ص١٩٦.

[73] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، ص٤٨.

[74] نقض الدارمي على المريسي، ج١، ص٢٣٥.

[75] مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، ص٣٣٨.

[76] المفاهيم الغربية عن الله، براين مورلي، ترجمة: محمد السيد سلامة، مركز نماء، الطبعة الأولى ٢٠١٨، ص٣٥.

[77] خريف الفكر اليوناني، ضمن سلسلة الينابيع، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، ص١١٤.

[78] مقالات الإسلاميين للأشعري، ج١، ص١٣٠.

[79] المستصفى للغزالي ج١، ص٤٧. النبراس للفريهاري الماتريدي ص١٨٤. تعريفات الجرجاني، ص١٣٥، تهذيب شرح السنوسية أم البراهين لفودة ص٦٧.

[80]  تفسير الرازي، ج١٨، ص٤١٤.

[81] نقض الدارمي على المريسي، ج١، ص٢٣٥.

[82] بغية المرتاد، ابن تيمية، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم و الحكم، الطبعة الثانية ٢٠٠١، ص١٢٥.

[83] بغية المرتاد، ابن تيمية، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم و الحكم، الطبعة الثانية ٢٠٠١، ص٢٥٥.

[84] درء التعارض لابن تيمية، ج٩، ص١٥.

[85] الشريعة للآجري.

[86] درء التعارض لابن تيمية، ج٥، ص١٣١.

[87] تجديد المنهج وتقويم التراث، طه عبد الرحمن، ص٣٨٤.

[88] الإلحاد بين قصورين: حقيقة الإلحاد بين القصور الأخلاقي والقصور المعرفي، ويليم كريغ، ترجمة: عبد الله الشهري، مؤمن حسن، ص٤٩.

[89] الإلحاد بين قصورين: حقيقة الإلحاد بين القصور الأخلاقي والقصور المعرفي، ويليم كريغ، ترجمة: عبد الله الشهري، مؤمن حسن، ص٤٩.

[90] المرجع السابق، ص٤٨.

[91] المرجع السابق، ص٥٠.

[92] الأعمال الأدبية الكاملة، دوستويفسكي، المجلد ١٦، ص١٥٣. بواسطة نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود

[93] الإلحاد بين قصورين: حقيقة الإلحاد بين القصور الأخلاقي والقصور المعرفي، ويليم كريغ، ترجمة: عبد الله الشهري، مؤمن حسن، ص٤٩.

[94] دين الفطرة، جان جاك روسو، ص٨١.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى