عام

فريدريك جيمسون: وسيط التلاشي

  • ستيفين م. يونج*
  • ترجمة: سارة عبد الله
  • تحرير: الجوهرة باوزير

صاغ فريدريك جيمسون مصطلح “وسيط التلاشي” في مقاله الذي نشره عام 1973م بعنوان “وسيط التلاشي: البنيوية السردية عند ماكس فيبر”. استخدم جيمسون في مقاله مصطلح “وسيط التلاشي” في تحليله لماكس فيبر وكتابه الأشهر: الأخلاق البُروتَسْتَانْتِيَّة وروح الرأسمالية (Weber’s The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism)(1). يوضح إتيان باليبار أن الوسيط المتلاشي أساسًا هو:

الشكل (المعترف به في المصطلحات النظرية) لمؤسسةٍ مؤقتة أو قوة أو مجتمع أو تكوين روحي يخلق الظروف لمجتمع جديد ونمط حضاري جديد -وإن كان في أفق ومفردات الماضي- من خلال إعادة ترتيب العناصر الموروثة من نفس المؤسسة التي يجب تخطيها/الاستحواذ عليها(2).

عندما يحدث الانتقال إلى مجتمع جديد، يتلاشى الشكل الذي يتوسط ذلك الانتقال نتيجة للانتقال الذي بدأه. يستخدم جيمسون وسيط التلاشي بطريقتين: أولًا: يرى جيمسون أن الوسيط المتلاشي هو محور نظرية فيبرعن الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، ومن التصوف (السحر) إلى العقلنة. ثانيًا: يتبنى جيمسون بعد ذلك الوسيط المتلاشي في عمل فيبر ليشرح -من خلال تحليل نفسي هيكلي معقد- أن اهتمام فيبر كان مركزا على إنتاج أطروحة سياسية خالية من الأحكام القيمية للرأسمالية تعتمد على أن فيبر يجعل من نفسه وسيطا يتلاشى في ظل أطروحة موضوعية للقيم. على الرغم من أن مفهوم “وسيط التلاشي” تكرر من علماء مثل باليبار وجيجك وآخرون(3)، يحاول هذا المقال القصير لفت الانتباه إلى هذا المفهوم من خلال شرح طريقة مبسطة لكيفية استخدام جيمسون له ولماذا -باختصار- يعدّ مفهومًا مفيدًا.(4)

وفقًا لجيمسون، سعى فيبر إلى الترويج لما يسمى بالألمانية (Wertfreiheit) وهو علم اجتماع “خالٍ من الأحكام القيمية” للحركة السياسية والتاريخية، والذي استخدمه في جميع أعماله كعَمَلِه الأخلاق البُروتَسْتَانْتِيَّة وروح الرأسمالية (The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism)(5). أشار جيمسون أيضًا إلى زعم فيبر بأن وصفه الخالي من الأحكام القيمية للسياسة كمحرك للتاريخ (حتى ولو جزئيًا – حيث حولت البُروتَسْتَانْتِيَّة الإقطاعية إلى رأسمالية) قد عرقل التحليلات الماركسية التي تدعم الاقتصاد باعتباره القوة التحويلية الأساسية للتاريخ. ومع ذلك، يجادل جيمسون بأن تصور فيبر للماركسية كان هدفًا خاطئًا وتصورًا مبتذلًا للماركسية التي من شأنها أن تحتضن الخطية الساذجة التي تقترح أن “زيادة عقلنة البنية التحتية، مع التنظيم الاقتصادي المتزايد للغايات أولاً ثم للوسائل نفسها” تؤدي إلى عالم جديد وحديث ورأسمالي(6). وفي إطار نهج جيمسون، عندما حدد فيبر انتقالًا سياسيًا من الإقطاع إلى الرأسمالية -التي هي أكثر تعقيدًا من المفهوم الماركسي المبتذل للتاريخ- فهو يتفق مع الرواية الماركسية “الأصيلة”. يقدم جيمسون هذه الحجة من خلال عزل الوسيط المتلاشي في عمل فيبر ثم شرح أن فيبر هو وسيط متلاشي في ظل أطروحة موضوعية. وبالنسبة لجيمسون، تكمن الأهمية في أن كلا من فيبر ومشاريعه المهنية كانت نتاج أوقات ومراحل تاريخية معينة تتفق مع النظرية الماركسية؛ الأمر الذي يفسر المخاوف الحديثة.

نشأ أول وسيط متلاشي في أعمال فيبر، كما هو واضح في كتابه الأخلاق البُروتَسْتَانْتِيَّة وروح الرأسمالية (The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism). وكما وضَّح جيمسون في إعادة سرده لرواية فيبر، أنَّها تشرح أربع مراحل تاريخيَّة، الانتقال من عالم القرون الوسطى من خلال البُروتَسْتَانْتِيَّة -التي تتكون من مرحلتين يمثلهما مارتن لوثر وجون كالفين- إلى المجتمع الحديث. المرحلة الأولى: هي عالم من القرون الوسطى حيث مارس الرهبان الكاثوليك الزهد في الأديرة )وهي كهف للعَقْلَنَة، داخل عالم محكوم بالتقاليد(، والذي يفصل الرهبان عن وسائل الحياة العامة واليومية للتركيز وحشد الاهتمام نحو الغايات الدينية (الجنة، أو ما بعد الحياة)(7). كما يفصل الوسائل اليومية عن الغايات الدينية (تبعًا لمصطلحات جيمسون: يفصل بين “الحياة العلمانية اليومية العادية بشكل عام” أو “الدنيوية وهذا العالم” عن “الأديرة” أو “العقوبة المؤسسية للعالم الآخر”). في المرحلة الثانية: يظل لوثر “شخصية تنتمي بالأساس للعصور الوسطى” والذي قام “بتحقيق أو تحديد موضوعات ما كان ضمنيًا أصلًا في نظام القرون الوسطى”؛ أي أنه ومن داخل الدير، يزيل العزلة المصطنعة للحياة الرهبانية بتوجيهاتها المنعزلة التي تركز على نهاياتها(8). وحيث انفصلت أوروبا في العصور الوسطى عن الغايات، فإن انتقادات لوثر ودعواته إلى دين أكثر صدقًا تقضي على إمكانية استمرار الحياة الرهبانية المنعزلة.. وعند هذه النقطة، سيرى الماركسي المبتذل -وهو هدف فيبر، وفقًا لجيمسون- أن هذا يؤدي إلى “العلمنة الفورية لوسائل الإنتاج”؛ لأن لوثر جعل السعي لتحقيق الغايات في المؤسسات التي تجيز الانسحاب من عالم العمل اليومي شيئًا مستحيلا(9). قد تفشل وجهة النظر هذه في تفسير كيف لدعوة لوثر لممارسات دينية أكثر صدقًا أن تؤدي إلى مزيد من العلمنة.

وأيضًا، هناك مرحلتين إضافيتين رجوعًا لصياغة جيمسون لرواية فيبر. يجد كالفن في مواجهة “فصل الغايات عن الوسائل المطلقة لدرجة أن الغاية أو القيمة النهائية للحياة التي وضعها لوثر تصبح غير معروفة”، أن الحياة اليومية والعامة هي “مكان اختبار وتجربة وإعداد لدراما الخلاص”(10). في المرحلة الثالثة: يجب على كل مسيحي أنْ يعتنق الزهد الرهباني (هذا العالم الآخر) وهو نهج يبرر وسائل المعيشة وشبيه بالعمل في الحياة اليومية.. كما يحوِّل العالم بأسره إلى “دَير”(11). عندما تكتمل عملية عقلنة وسائل الحياة وتنشأ موضوعات اقتصادية عقلانية ستختفي الاهتمامات المتعلقة بالأهداف الدينية المرتبطة بالرهبنة ما قبل البُروتَسْتَانْتِيَّة، وذلك في المرحلة الرابعة. على عكس النهج الماركسي المبتذل حيث أدت انتقادات لوثر إلى علمنة الوسائل، فإن الأخلاق البُروتَسْتَانْتِيَّة التي نشأت من خلال لوثر ثم كالفن هي “تعزيز ديالكتيكي أو جدلي” لموقفين متناقضين، الأول هو “عقلانية الغايات” أما الآخر فهو “تدين الوسائل”. إن تأثير الوسيط المتلاشي هو أن “الوسيلة أصبحت الآن أكثر تدينا بدلا من أنْ تصبح أقل، حتى وإن كانت الغايات تصبح أكثر علمانية”(12). كما توسطت البُروتَسْتَانْتِيَّة في التحول من التَّصوف إلى العقلانية ومن ثم تلاشت.

سعى فيبر لإثبات أنَّ الدين -ولا سيما البروتستانتية- عنصر فاعل في التحول إلى المجتمع الحديث والنظام الاقتصادي، مما يعاكس الفكر الماركسي الرائج القائل بأن الدين “مجرد انعكاس لتغيير البنية التحتية”(13). في حين قد يكون قول فيبر غير متلائم مع الماركسية الرائجة، يرى جيمسون بأنَّ قَلْب فيبر للماركسية الرائجة يتوافق تمامًا مع التفكير الماركسي الحقيقي والذي أيضًا يعدّ متوافقًا تمامًا مع النموذج الذي اقترحه ماركس نفسه لثورتي 1789م و 1848م(14). على الرغم من تحليل جيمسون المتسرع لحجة ماركس (فهو لم يستشهد أو يناقش أو يحلل كتاب ماركس: The Eighteenth Brumaire of Louis Bonapart)، إلا أنه يؤكد لعِب الثورة الفرنسية عام 1789م بدور الوسيط المتلاشي عندما كانت تقوم بدور “الوصي الكالفيني” لتعمِيم المُثَل القائمة على المساواة مثل الحرية والأخوة والتكافؤ(15). تلاشت وصاية الثورة على تلك المُثَل/القيم في رد الفعل التيرميدوري الذي نشأ عندما أصبح الانتصار العملي للبرجوازية مضمونًا ويمكن أن ينشأ نظام نقدي ونظام سوقي صريح(16). كانت ثورة عام 1848م آنذاك محاكاة ساخرة لعام 1789م، عندما ظهر المجتمع التجاري الجديد للإمبراطورية الثانية تحت عباءة تقاليد وقيم الثورة العظيمة والإمبراطورية التي تلتها(17).

يعتقد جيمسون أن فيبر أثبت ما قد قاله ماركس من قبل؛ فبالنسبة لكل من فيبر وماركس، وإلى الحد الذي ترتبط فيه الغايات بالبنية الفوقية وبالوسائل التي تشكل البنية التحتية (القاعدة): “يمكن القول أن البنية  الفوقية تجد وظيفتها الأساسية في وساطة التغييرات في البنية التحتية على غرار الخطوط التي ميزناها”(18). يُعد فهم كيفية عمل وسيط التلاشي بمثابة هروب من السجن الذي يسميه جيمسون “المشاكل الزائفة ذات الأولوية أو السبب والنتيجة” والتي يحتفظ بها الماركسيون والمثاليون المبتذلون.

بطريقة ديالكتيكية، حجة جيمسون الثانية ضد فيبر هي إثبات أن فيبر هو في الواقع وسيط متلاشي لمقاربة مهنية وعلمية للقيم. وإذا كانت مشاريع جيمسون ذات قيمة محايدة وموضوعية أو بالألمانية (Wertfreiheit)، فلا يمكن أن تتأثر بالعنصر الذي نشأت فيه وبالاستخدام الذي وضعت لأجله(19). وبالرغم من ذلك، قدم جيمسون حججًا بأنَّ انهيار فيبر النفسي واهتمامه بتطوير أسلوب قيمي محايد ليست مجرد رد فعل على التطورات الاجتماعية والسياسية التي رأى أنها غير مرغوبة، ولكنها مفهومة كنتاج لحظة تاريخية هيكلية نفسية.

في مجتمع ما قبل حُقبة فيبر المحكوم بالتقاليد، تعتبر وسائل وتقنيات تحقيق غاية معيّنة مقدَّسة بذاتها، ولذلك يتم إجراؤهم لمصلحتهم وحقهم الخاصَّين”(20). يهدف تأريخ فيبر إلى شرح كيف تصبح مملكة القيم نفسها إشكالًا ويمكن عزلها والتأمل فيها بشكل مستقل”(21). ومن خلال ما ناقشناه أعلاه من المراحل التاريخية التي فصلَت الوسائل عن الغايات، فإنَّ الشعور القديم الموجود مسبقًا الذي يفترض أن وجود شقاق بين النوايا والأفعال يؤدي إلى الشعور بالملل الذي ينبع من أداء أعمال فنية بحتة لا قيمة لها ولا غرض(22).

كممثل موضوعي، يحتاج فيبر إلى أخذ أصوله الشخصية واهتماماته (سبب اهتمامه بالقيمة) في الحسبان، وحساب التناقض الذي ينشأ في تقييم ما يُفترض أنه خالي من القيمة.. لكنه لا يستطيع ذلك. ينتِج تجسيده للترشيد الموضوعي تعبيرًا شخصيًا عن الملل؛ الأمر الذي يفسر كيف يُسهم فيبر في القيمة الدينية من خلال نقلها إلى مستوى أعلى؛ حيث لم يعد نوع العلاقة التي نجدها مع الموضوع علاقة إيمان أو اعتقاد، بل بالأحرى علاقة اهتمام علمي(23). (بالنسبة لجيمسون، يفسر هذا أيضًا الشلل النفسي المؤقت لفيبر)(24)؛ فهو “يعترض على وضعه الخاص من خلال إسقاطه في حالة الإنسان المعاصر المغترب في عالم تقني بحت، وهو عالم اختفاء الأشكال التقليدية والجذابة للحياة الاجتماعية”(25). باختصار، عندما يفترض فيبر ما يسمى بـ “العقلانية” بدلا من الحساب الأسطوري للقيم لموضوعاته المفترضة والمثقلة بالقيمة، فهو يخلق نفسه كوسيط متلاشي للتبرير ــ وهو القدرة المهنية على دراسة القيمة كعلم بموضوعية. جعل فيبر “نمو البيروقراطيات وتأثير الفرد الكاريزمي ووظيفته في المؤسسات السياسية” في مجال دراسة مستقل يمكن بعد ذلك فحصه في عزلة نسبية عن مسائل التنمية الاقتصادية، والتي -بالنسبة لجيمسون- تتطلب تحليلًا ديالكتيكيا تاريخيًّا (26).

بدلا من إضعاف النظرية الماركسية، يرى جيمسون أنَّ كلّا من فيبر ومشروعه هما نتاج أوقات معينة أدت إلى نشوء مخاوفنا الحديثة؛ وهذا هو السبب في أنَّ الوسيط المتلاشي ظلَّ مفيدًا بشكل خاص في هذا العصر. في عام 1973م، أشار جيمسون إلى أن المشكلة مألوفة لنا من التصنيع في عصرنا في العالم الثالث، وكذلك من الصورة الاستعمارية النمطية لسكان ما قبل الرأسمالية (الأصليين) على أنهم كسالى وغير جديرين بالثقة، وبشكل عام خالٍ من المعنى الأوروبي للزمن الخطي والاعتقاد الداخلي بأن العمل يجب إتمامه كما لو كان غاية مطلقة في حد ذاته(27). علاوة على ذلك، تستمر دراسة فيبر العلمية للقيم والسياسة في إزاحة انتقادات الرأسمالية، والتي تعتبر بالنسبة لجيمسون أداة لإعادة التفكير في كيفية حدوث ذلك باستمرار. ويظل هذا مفيدًا للتفكير في الشكل الذي يمكن أن تبدو عليه المشاريع الموضوعية، وانتقاد أولئك الذين يدَّعون مشاركتهم في تلك المشاريع الموضوعية، ولماذا من المحتمل ألّا  تعمل الدعوات إلى أشكال متجددة و”أكثر صدقًا” كما هو متوقع، ولماذا يظل إضفاء الطابع التاريخي على موضوعاتنا/ أشيائنا ضروريا.


يجادل جيمسون بأن البُروتَسْتَانْتِيَّة واليعقوبية هما وسطاء تلاشي،  وشبههما بـ “الأم” و “الأب” اللذان يمحنان الحياة لفرد جديد (ماكس فيبر) الَّذي لا يستطيع تفسير أصوله ولكنه ينتهي بإعادة إنتاج دور الأب (عقدة أوديب)، أي أنه ينتج قيمة للموضوعية “الخالية من الأحكام القيمية”.

  • ستيفن م. يونج، محاضر في تخصص القانون في جامعة أوتاقو – دنيدن، نيوزيلاندا.

الهوامش

  1. Frederic Jameson, ‘The Vanishing Mediator: Narrative Structure in Max Weber’ (1973) 1 New German Critique 52, 78.
  2. Etienne Balibar, ‘Europe: Vanishing Mediator’ (2003) 10(3) Constellations 312, 334.
  3. Ibid; Slavoj Žižek, For They Known Not What They Do: Enjoyment as a Political Factor (Verso, 1991) 183; Jodi Dean, Blog Theory: Feedback and Capture in the Circuits of Drive (Polity, 2010) 26-8.
  4. See Fredric Jameson, The Political Unconscious: Narrative as a Socially Symbolic Act (Routledge, 1983) ix.
  5. Jameson (1973), 52-3.
  6. Jameson (1973), 73.
  7. Jameson (1973), 77; see Slavoj Zizek, For They Known Not What They Do, 183.
  8. Jameson (1973), 77.
  9. Jameson (1973), 74.
  10. Jameson (1973), 74.
  11. Jameson (1973), 76.
  12. Jameson (1973), 75.
  13. Jameson (1973), 74.
  14. Jameson (1973), 78.
  15. Jameson (1973), 78. My purpose here is not to show that Jameson’s reading of Marx is correct.
  16. Jameson (1973), 78.
  17. Jameson (1973), 78.
  18. Jameson (1973) 78-9.
  19. Jameson (1973), 53.
  20. Jameson (1973), 58
  21. Jameson (1973), 59.
  22. Jameson (1973) 60.
  23. Jameson (1973), 86.
  24. Jameson (1973), 54-55, 85-7.
  25. Jameson (1973), 87.
  26. Jameson, (1973), 54.
  27. Jameson (1973), 71, citing Max Weber, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism (New York, 1958) 61-2.

أعجبني المقال

المصدر
criticallegalthinking

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى