عام

كيف تحثّ الشباب اليافعين على ترك هواتفهم والإمساك بكتاب؟

في حُب الكتب ..

  • كارول جاغو
  • ترجمة: نورة عيسى
  • تحرير: أمل عبد الوهَّاب

في جميع أنحاء الدولة، يشتكي مُعلّمو المرحلتين المتوسطة والثانوية عادةً: “طُلابنا لا يقرؤون!” ومَفاد شكواهم ليست أن طلابهم غير قادرين على القراءة، بل الأسوأ من ذلك: إنهم لا يرغبون في القراءة؛ في اعتقادي أن أحد أسباب ذلك هي الهواتف الذكية.

وَثّقت بيانات إحصائية من مركز “بو” للبحوث انتشار هذه الأجهزة في حياة المراهقين: 95% من المراهقين يمتلكون هواتف ذكية؛ 45% منهم مُتواجدون على تطبيقات الهواتف طوال الوقت تقريبًا (اندرسون وجيانج، 2018). لكن بدلًا من القلق حيال ما إذا كان الطلاب يُفضّلون لعبة فورتنايت أم الكاتب فيتزجيولاد، من الأفضل أن نركّز على تحويل فصولنا الدراسية إلى بيئة مُهيئة للقراءة، حيث تَطوف الكتب بين أيادي المراهقين، ويتحدّثون فيها عمّا يقرؤون كل يوم؛ وهذا سيتبعه أكثر من مجرد إخبار الطلاب بأن القراءة مُسلّية؛ نحتاج إلى إيضاح ما يجب أن يعرفه الطلاب وما يكونوا قادرين على القيام به -وهو شِعار حركة التعليم القائم على المعايير- أن نركز أيضًا على ما نُريدهم أن يكونوا أي: (القُرّاء الذين يقرؤون طوعًا ومن تلقاء أنفسهم).

إن الأجهزة الذكية وُجِدَت لِتبقى؛ حيث يقضي الأمريكيون وقتًا أطول في التحديق إلى هواتفهم مقارنةً بمشاهدتهم للتلفاز (بافيا، 2019). بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأجهزة سيستمر ذكاؤها في التطور، وكذلك نحن. تُشير عالمة الأعصاب مارين وولف إلى أن طلاب هذا العصر يحتاجون إلى عقل ثنائي القراءة، أي عقل يستطيع أن يَعبُر المساحات الرقمية بأمان دون فُقدان القُدرة على القراءة بِتروٍّ وعُمق. وقالت في كتابها “العقل القارئ في العصر الرقمي”(The Reading Brain in a Digital World:

ما يُقلقني كعالمة هو أننا بعد عدة ساعات (وسنوات) من القراءة الإلكترونية اليومية، تتغير مهارة تركيزنا على التفاصيل، ويتضح ذلك حين نقرأ نصا أطول وأكثر تطلّبًا للتركيز -وهو ما تتطلبه القراءة الورقية؛ هل ستتغير جودة تركيزنا أثناء القراءة -جذريا- بسبب ثقافتنا التي تبتعد عن الثقافة المطبوعة نحو الرقمية؟ (2018).

وتُنبّه بأن التحليل النقدي من الممكن أن يصبح عثرة غير مقصودة في طريق تحوّلنا من القراءة المطبوعة إلى الرقمية.

ما الذي يُمكن أن يُقدّمه المُعلّم؟ كيف يمكننا تشجيع الطلاب لاستثمار أوقاتهم في الكتب وأن يقرؤوها بعُمق ورغبة؟ لدي بعض الاقتراحات، رغم أنها ليست مبتكرة، لكن باستخدامها جمعاء يمكن أن تُساعد الطلاب ليكتشفوا مكانة القراءة في حيواتهم.

 

تزويد الطلاب بإمكانيات تُسهل الوصول للكتب

الكثير من الطلاب يعيشون بِبُعدهم عن الكتب في صحراء ثقافية قاحلة، كما أن فقر الطعام يمكن أن يؤثر على ما يأكله الأطفال، فإن محدودية الوصول للكتب يمكن أن تؤثر على سلوكيّاتهم تجاه القراءة. المدارس والمكتبات العامة -التي يعمل بها أمناء مكتبة حريصون جدًا- هي لبنة أساسية، لكن الطلاب أيضًا بحاجة لأن يكون في متناول أيديهم كُتب مُناسبة ثقافيًا؛ ونُشير إلى أن المكتبات الصفّية تسمح بالتصفح السهل قبل وبعد وأثناء الدرس.

كما أن قادة التعليم يمكن أن يقدموا تمويلا أفضل للمُعلمين ليستطيعوا تزويد رفوف مكتباتهم بعناوين جديدة وجذابة. إن المكتبات التي تحوي كتبا مُستعملة لا تجذب انتباه “العازف” عن القراءة، بل الكتاب الجديد والغلاف الجذّاب هو ما سيجذبه. يمكن لمكتبات الفصول الدراسية -في أفضل حالاتها- أن تتميز بروعة اختياراتها لِتعكس تفضيلات القراءة والتجارب الحياتية المُعاشة للأفراد الذين يتشاركون هذه المساحة.

في المكتبة الموجودة في صفي الدراسي، لم أحاول أبدًا تطبيق التنظيم المكتبي المُتعارف عليه، ولكن بدلًا عن ذلك اتّبعتُ نظام فرز الكتب بحسب موضوعها. مذكرات جورج تاكي المُصوّرة عن نشأته في معسكرات المعتقلات اليابانية يمكن أن تكون بجانب الخيال التاريخي مثل كتاب ترنيسي تشي “We Are Not Free“. ورواية مثل “The Nickle Boys” لكولسن وايتهيد تُوضَع على الرف جنبًا إلى جنب مع مُذكّرة كيس ليمون “Heavy“. لقد نظّمتُ النصوص بهذه الطريقة على أمل أن من يأخذ أحد هذه الكتب، سيسترعي انتباهَه عنوانٌ آخر يُجاوِره.

تحمل مكتبة الصف المُنظمة رسالة مهمة للطلاب مفادها: نحن هنا قُرّاء.

لكن هل أُلِحّ على الطلاب كي يُعيدوا كتابًا أخذوه منذ أشهُر؟ بالطبع. هل هنالك كتب لم تتم إعادتها إلى الرف مُجددًا؟ بلا شك. أملي هو أن تكون هذه الكتب قد عَزَّت على نفس الطالب كثيرًا حتى أنه لم يستطِع الاستغناء عنها.

 

الحديث عن الكتب

بعض الطلاب يعرفون القليل من الأشخاص الذين يقرؤون لأجل المُتعة. بِصفتك مُعلّمًا، تستطيع أن تكون أحدهم. اِبدأ كل يوم بتعليق قصير عمّا تقرأه، أو بقراءة بضع صفحات كتاب علنًا بِغرض التشويق. رحّب بالطلاب في الممر بقولك: “ماذا تقرأ اليوم؟”، واحمل كتابًا معك طوال الوقت.

الحديث عن الكتب يُمكنه أن ينقلب لعدوى القراءة، للحد الذي يبث الحماسة للقراءة. حين أفكر في طريقة لتقديم أحد الكتب للطلاب، أفكر في شيء يستحوذ على انتباههم، أمثلة على ذلك:

  • “أنهيتُ للتوّ الكتاب الجديد لإنجي توماس “On the Come Up“. لن تصدّقوا ذلك لكنه أفضل حتى من “The Hate U Give“! هل تودّون استعارة نسختي؟”
  • “تعرفون تريجور نوا، مُقدّم The Daily Show؟ لقد كتب مذكرة عن نشأته في جنوب أفريقيا في ظروف مأساة التمييز العنصري. عنوان مُذكّرته: “Born a Crime” يشير إلى حقيقة أن ولادته كانت فعلًا جريمة؛ فقد كان والده أبيضًا ووالدته سوداء”.
  • “هل تذكرون كم أحببتم “The Crossover“؟ لكوام الكساندر؟ لقد كتب قصة عن والد التوأمين لاعب كرة السلة.”

بصفتنا مُعلّمين فإننا نُبدّد جُلّ طاقاتنا في تحذير الطلاب من عواقب عدم القراءة، ولكننا لا نبذل ذات الجهد في محاولات اغرائهم بالقراءة من أجل تحقيق أهدافهم ومُتَعهم الخاصة. حين يروي المعلمون قصصا عن القراءة في حياتهم، وعن الكتب التي قرأوها مِرارًا وتكرارًا، والكتب التي هجروها، وتلك التي أبكَتهم، ستثير فضول الطلاب عمّا إذا كانت تلك الصفحات تَحوي شيئًا لهم.

 

تعليم الطلاب طريقة التحدث عن قراءاتهم الخاصة

إن أبلغ أثر للحديث عن الكتب مع الطلاب يكون من زملائهم، وتحديدًا أولئك الذين لم يكونوا من المتعارف عليهم أنهم من مُحبّي الكتب. فعلى المعلمين أن يساعدوا الطلاب على فعل ذلك بكفاءة. فلا يوجد ما هو أسوأ من مُلخص مُسهِب للحبكة القصصية؛ لذا فلتكُن البداية بتمثيل نموذج للحديث عن الكتاب، أو إن حالفك الحظ وكان لديك أمين مكتبة مدرسية، فادعُه ليعطي بعض النماذج للحديث عن الكتب. ثم ناقش الطلاب بتفاصيل ما حدث، ما الذي جعل هذه المقدمات البسيطة جذابة ومؤثرة؟ كيف يمكن للحديث الكتابي أن يُثير فضولك للاستزادة؟ أفضل هذه الطرق هي التي ستوضّح بنجاح لماذا يمكن أن يختار القارئ أن يستثمر وقته في قراءة إحدى القصص. حين تنتهي من نمذجة العملية، سيكون من المفيد أن تقدم للطلاب توجيهات عن طريقة البدء في الحديث الكتابي:

  • ليكُن الهدف 3 دقائق من الحديث.
  • اقرأ مقتطفًا من الكتاب لمدة تصل إلى دقيقة.
  • أحضِر معك الكتاب إن أمكن، أو اِعرض صفحة الغلاف على عارض الشرائح.
  • لا تغفل الحديث عن النهاية.
  • في ختام الحديث، كرّر عنوان الكتاب ومؤلفه.

حين يستمع الطلاب إلى أحاديث بعضهم الإيجابية عن الكتب، سيزداد اهتمامهم، وستبدأ الكتب بالتنقّل بين الأيادي.

 

تخفيف المسؤولية الرسمية

هل تذكر آخر مرة أنهيت فيها أحد الكتب، تحديدًا حين قلبت آخر صفحة، هل طرأ على ذهنك أن قلت: “يا إلهي، أتمنى لو أُجيب على أسئلة مُتعددة الخيارات (أو كتابة مقال)”؟ ولا أنا. إن أول ما أود فعله هو التحدث عن الكتاب، وكذلك الطلاب. تحت مُسمّى المسؤولية، يحوّل المعلمون –بلا قصد- الفعل المُمتع إلى مُهمة مُرهِقة.

يتجنّب الكثير من المعلمين القراءة المستقلة لأن تولية الطلاب مسؤولية هذه العملية قد تكون غير موثوقة وأقرب إلى مضيعة الوقت. لكن ماذا لو ألهمنا القراء ليكونوا مسؤولين عن أنفسهم؟ يستطيع المراهقون أن يقرروا أهدافهم للقراءة، سواء أكانت عدة دقائق في الليلة، أو عدة صفحات في الأسبوع، أو عدة كتب في الشهر. إن لجأوا إلى موقع Sparknotes أو نسخوا تدوينات زملائهم عن القراءة، فإنهم بذلك لا يخدعون سوى أنفسهم. بدلًا من لعِب دور الضابط، ومراقبة قراءات الطلاب، أود أن أكون المُوجِّه لهم. ما يفعله الموجّهون هو أنهم ببساطة يتنحّون جانبًا ويتطلّعون إلى أن يتبع الطلاب إرشاداتهم. فمثلًا، أناقش الطلاب بشكل روتيني كيف أن الهواتف قد تُشتّتنا عن القراءة. وأقترح طرقا لتجنّب هذا التشويش (مثل أن يضع الشخص هاتفه في غرفة أخرى) فالقراءة تتطلّب اهتمامًا مُركّزًا.

يقلّ اهتمامي بالتعزيز لِمتعة القراءة بين الطلاب الذين لا يرغبون في فعل ما أتوقّعه منهم، ويزداد مع أولئك الذين يودّونه. لقد أدرجتُ أنظمة نقاط لمتابعة سير عمليات الطلاب والحرص على أن تكون دائمًا في مسارها الصحيح. هل أُجزِل في إعطاء النقاط لقراءة كتاب طويل لكن سهل، أم لرواية قصيرة مُعقدة الحبكة؟ هل يجب معاقبة الطلاب الذين ينتهجون البُطء والسلاسة في تقليبهم للصفحات؟ هل يجب أن أكافئ على إعادة قراءة كتاب؟ لم أجد أيّ نظام من التي ابتكرتها كان عادلًا بحقّ. ولم يكن هنالك أيّ نظام نقطي يقدر بشكل مناسب ما يهمني حقًا ألا وهو: أن يصبح الطلاب قرّاءً، ولا يتوقفوا عن القراءة.

لستُ من المؤمنين بنظرية “الكتاب السحري الأوحد”، وذلك ببساطة لأن أشدّ القرّاء إحجامًا لم يقعوا على الكتاب المناسب. من خلال تجربتي، كان هناك دائمًا طلاب قاوموا حيلي المُضنية في إغرائهم بالقراءة. لكني أُعزّي نفسي بفكرة أني زرعتُ بذورًا قد لا أجني حصادها في هذا العام الدراسي، ولكن ربما في العام المُقبِل.

 

مساعدة الطلاب بتعليمهم كيفية انتقاء كتاب

يتطلّب اختيار كتاب مخاطرة وثقة في اتباع الميول. لم يحدُث أبدًا أن ردعتُ طالبًا عن اختيار أحد العناوين لمجرد أني ظننتُ أنه عصيّ عليه، وإن كان كذلك حقًا، فإن الطالب سيكتشف ذلك بنفسه.

“تمرير الكتاب” نشاط صفي مفيد لمساعدة الطلاب في تصفح الكتب. ومن أجل التحضير لاختيار الكتب، ستحتاج إلى كتب بثلاثة أضعاف عدد الطلاب. وكلما تنوعت العناوين كلما كان أفضل: روايات، سير ذاتية، شعر، روايات مصورة، مذكرات، وهلم جرا. واحرص على أن يكون هنالك تبايُن في الصعوبة بين تلك المجموعة. على طاولة كل طالب، ضع كتابًا بشكل عشوائي، وأخبرهم أن لديهم دقيقة واحدة لتصفح الكتب، وبعد ذلك، إما أن يمرروه لآخرين أو يحتفظون به إن كان من المرجّح أن يقرؤوه.

وبشكل سريع قدّم للطلاب الذين قرروا الاحتفاظ بالكتاب، كتابًا آخر ليمرّروه. بعد عدة تمريرات أعطِ الطلاب مُهلة ليتحدثوا عن منهجيتهم في اختيار الكتب التي سيقرؤونها. هل تفحصوا صورة الكاتب؟ ما الذي يستطيعون معرفته من الغلاف؟ هل أَسَرتهم الجمل الافتتاحية؟ هل كان غلاف الملخص جذابًا؟ هل مسألة الطول مهمة؟ إلى أيّ درجة؟ أبدِ للطلاب أمَلك في أن يجدوا الكتاب المرجو في غضون العشرة كتب التي ستتوافد إليهم.

لم يحدث أبدًا أن ألححتُ على أن يختار كل طالب كتابًا، لأن القارئ قد يكون حاليًا في خضمّ قراءة نص فاتن. هدفي هو أن أعرِض للطلاب كتبًا كانوا خلاف ذلك سيُهملونها، وأن أُنمّي فيهم الدراية بعملية تصفّح الكتب. يمتلك القرّاء النهمون زُمرة متكاملة من العادات التي يغفلونها غالبًا. فمثلًا، لهم معرفة ببعض المؤلفين، وهُم كذلك مُتطلّعين دائمًا لما سَيلي من إصدارات ريك ريوردان أو نيل جايمان، ولا يخشون تصفّح كتاب استنادًا إلى غلافه، ويبذلون وقتًا في اختيار الكتاب المناسب. أود أن يطوّر كل طالب مقدار ما يستطيع من عادات تصفّح الكتب هذه.

 

مهارة حياتية

إن النواح من انتشار التقنية هو فعلٌ لا طائل من ورائه، لأنه بمرور الوقت ستقتحم هذه الأجهزة حياة الطلاب بشكل أكبر. المعضلة الكبرى هي أن الطلاب أنفسهم يقرّرون أن لا يقرؤوا. وبسبب ذلك فإنهم يصبحون بثقافة هشّة، أضعف فصاحة -وبِكُل أسف- أقل فهمًا للآخرين. يحتاج المعلمون إلى أن يساعدوا الطلاب في إدراكهم لما يُمكن أن تُقدّمه لهم الكتب –مطبوعة كانت أو إلكترونية- وتعجز وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الرقمية عن تحقيقه. القراءة مهارة حياتية لا تُعنى بالمدرسة فقط. قبل 58 عامًا، أرسل معلم في بروكلين حقيبة مليئة بالكتب إلى منزل والدتي -وهي في عُمر الـ 93 ولا زالت تقرأ بِنَهم- نستطيع أن نفعل ذلك.

أعجبني المقال

المصدر
ascd

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى