العلم

خمس أوراق بحثية جديدة في علم الأحياء تكشف عن تصدعات في أساسات داروين

  • نشر: Evolution News
  • ترجمة: يارا عمار
  • مراجعة: خالد الشايع
  • تحرير: محمد قناوي

منذ محاكمة سكوبس عام 1925، والاحتفال بالذكرى المئوية لداروين عام 1959= بدأت الداروينية الجديدة في استخدام الترهيب وعقلية القطيع للحفاظ على حالتها المتمثلة في “الحقيقة المسلًمة”، دون الحاجة إلى المزيد من الأدلة، فظهرت أوراق بحثية نقدية لكنها لم تُنشر في المجلات الرائدة في علم الأحياء (كالعادة)؛ فقد كان مجرد التعبير عن الشكوك بشأن داروين أمرًا من شأنه عرقلة الحياة المهنية للكثيرين. وإن أنت ألقيت نظرة على هذه الأوراق البحثية لعلك ترى أن التشكيك في القدرة التفسيرية المطلقة للطفرات العشوائية، والانتقاء الطبيعي= قد أصبح أكثر أمانًا وموثوقية من ذي قبل.

ما مدى القوة الفعلية للانتقاء الطبيعي؟

1- ورقة بحثية لـفينكاتارام وآخرون Venkataram et al. بعنوان “التوقف التطوري والحد من قوة الانتقاء الطبيعي لتحسين الوحدة الخلوية” نشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم؛ 17 يوليو 2020.

ما مدى قوة الانتقاء الطبيعي إذا كان توقفه أمرًا ممكنًا؟

 أجرى هذا الفريق تجارب الطفرات على آلية ترجمة بكتيريا الإشريكية القولونية E. coli ، ووجدوا أن “الوحدات الخلوية قد لا يتم تحسينها بشكل كامل بواسطة الانتقاء الطبيعي بالرغم من توفر الطفرات التكيفية”. إذًا آلية داروين ليست مطلقة القدرة؛ فيمكن أن يتوقف الانتقاء الطبيعي -لكونه أعمى- عن تطوير إحدى الوحدات، وينتقل إلى أخرى تاركًا الأولى دون المستوى الأمثل. لا يدفع هذا الكاتبين إلى التخلّى عن قبولهم للانتقاء الطبيعي؛ لكنهم يفقدون الثقة في قدرته على تفسير الآلات الجزيئية بآلية بسيطة.

بشكل عام، أبرزت النتائج حقيقة أنه من المستحيل أن نفهم بشكل كامل تطور الوحدة الخلوية بمعزل عن الجينوم، حيث يتم تشفيرها والعمليات على مستوى الجماعات الأحيائية التي تحكم التطور. تعتمد قدرة الانتقاء الطبيعي على تحسين أي وحدة على حجم الجماعة الأحيائية، ومعدل إعادة التركيب، والموارد المتاحة، وتأثير الصلاحية على كل الطفرات المفيدة في الجينوم، بالإضافة إلى كيفية تغيير هذه الكميات مع تكيف الجماعات الأحيائية. فإن المزيد من العمل النظري والقياسات التجريبية المتكاملة عبر مستويات متعددة من التنظيم البيولوجي= مطلوب لنا؛ لفهم التطور التكيفي للأنظمة البيولوجية المعيارية.

2- ورقة بحثية لـتوديسكو وآخرون Todesco et al. بعنوان “الأنماط الفردانية الهائلة تكمن وراء التمايز البيئي في زهرة عباد الشمس” نُشرت في Nature 8 يوليو 2020 وانظر أيضًا “دور الجينات الفائقة supergenes في التطور أكبر مما كان يعتقد سابقًا” نشرته جامعة كولومبيا البريطانية.

أحيا هذا الفريق نقدًا قديمًا وُجه إلى داروين، “وهو سؤال تطوري طويل الأمد -يعود إلى نقد معاصري داروين لنظرياته- يتعلق بكيفية وجود مثل هذا الاختلاف البيئي عند التهجين مع جماعات أحيائية غير متكيفة” وجد الباحثون أثناء دراستهم لزهرة عباد الشمس= أن التكيف لا يحدث من خلال الآليات التقليدية للداروينية الجديدة؛ ولكن بتبادل المعلومات: التهجين والانجبال الداخلي. فُسِّر هذا “الاقتراض” غير الدارويني للجينات الفائقة supergenes بأنه “مجموعات هائلة من الجينات تُوَرّث معًا بطريقة ’التوصيل والتشغيل‘”plug and play. من أين تتذكر مصطلح “التوصيل والتشغيل”؟ ألم يكن في الأجهزة الملحقة المصممة بذكاء القادرة على العمل في الحاسوب دون تدخل المستخدم؟

“اعتقد علماء الأحياء التطورية في البداية أن العزلة الجغرافية بين الجماعات الأحيائية ضرورية بالنسبة لهم للتمييز بين الأعراق البيئية، أو الأنواع المنفصلة، لكن الأبحاث الجديدة تثبت إمكانية ووجود التميير بين الجماعات الأحيائية الموجودة جنبًا إلى جنب.” لورين ليزيبيرج عالم الأحياء التطوري بجامعة كولومبيا.

“يبدو أن الصفات التي تحكم هذا التمايز عادة ما تُورث معًا مثل الـ supergenes، بالرغم من تبادل الجينات بين الجماعات الأحيائية غير المتكيفة القريبة. وفي حالات كثيرة تمتلك النباتات القدرة على التكيف في بيئة جديدة من خلال اقتراض supergene، أو اثنين من الأنواع المرتبطة التي تكيفت بالفعل.”

إن مثل هذه الآليات لمشاركة الجينات الفائقة supergenes “لها دور في التطور أكبر مما كان يعتقد سابقًا” كما يذكر عنوان البحث. يوجد في كل جين فائق supergene -والذي قد يصل إلى عدة ملايين من أزواج الحمض النووي الأساسية- صفات تكيفية متعددة قادرة على الانتقال من نبات لآخر، وقد تشمل هذه الصفات “حجم البذور، وتوقيت الإزهار، بالإضافة إلى القدرة على تحمل الضغوط البيئية، كالجفاف أو محدودية توافر العناصر الغذائية من بين أشياء أخرى كثيرة” وكان هذا رد فعلهم إزاء ملاحظة علمية غير مشهورة ولكنها غير مبنية على أسس داروينية:

“لقد فوجئنا تمامًا. لوحظت الحالات التي تحكمت فيها supergenes الفردية في الصفات التكيفية من قبل، لكن لم يكن من الواضح ما إذا كانت تلك هي القاعدة أم مجرد عدد ضئيل من الاستثناءات الفردية. ما وُجد هو أن supergenes لها دور هائل في التكيف.” ماكرو توديسكو عالم الوراثة بجامعة كولومبيا.

التفكير غير الدارويني بين علماء الأحياء

3- ورقة بحثية لفيسير وآخرون ـVisser et al. بعنوان: “تكيفية النمط الظاهري تُفَسِّر انتهاكات قانون دولو”

 19 يوليو biopxiv – 2020

هذه الورقة البحثية والتي تليها مسودات (لم يتم اعتمادها بعد من قِبل مراجعة الأقران) لكنها تكشف عن تفكير غير دارويني بين علماء الأحياء المستعدين للمخاطرة بأنفسهم.

درس هؤلاء العلماء الصفات التي تتميز بخاصية الإيقاف والتشغيل، وهذا رائع جدًا في التفكير التصميمي، ولكن لماذا يحتفظ الانتقاء الطبيعي بصفات لا فائدة منها لمدة 200 مليون سنة؟! ربما قد خُلق الكائن الحي بنوع من البصيرة يدرك بها الصفات التي قد تكون مفيدة يومًا ما إذا تغيّرت الظروف البيئية.

ينص قانون دولو في اللاانعكاسية على أنه بمجرد فقدان الصفة المعقدة أثناء التطور فلن يتم استعادتها مرة أخرى. وقد ظهرت مؤخرًا انتهاكات مختلفة لهذا المبدأ، فنحن نزعم أن المنطق الذي يقوم عليه قانون دولو لا ينطبق إلا على الصفات التي يتم التعبير عنها بشكل أساسي، بينما يفشل في حالة الصفات “اللدنة” التي يتم رفع أو خفض تنظيمها حسب الحاجة. اختبرنا هذه الفرضية؛ بحثًا عن انتهاك نموذجي لقانون دولو، فقدان واستعادة تخليق الدهون في الدبابير الطفيلية. لقد نشأت الدبابير من الأنساب التي يُفترض أنها فقدت القدرة على تكوين الشحم منذ أكثر من 200 مليون سنة في ظل ظروف مختلفة، واتساقًا مع نظريتنا، اتضح أن تخليق الدهون لم يكن قد توقف تمامًا، لكنه كان يعمل فقط في البيئات منخفضة الدهون، فمثل هذه المرونة لا تستطيع تفسير الانتهاكات المفترضة فحسب، بل أيضًا كيفية الحفاظ على عمليات التكيف في ظل الأحداث المتطرفة التي نادرًا ما تقع.

هل عاد التوازن النقطي؟

4- ورقة بحثية لبانكتن وآخرون ـBankhtin et al. “التوازن النقطي كوضع افتراضي لتطور الجماعات الأحيائية الكبيرة في مخططات الصلاحية التي تسيطر عليها نقاط الحد الأدنى في حدود الطفرات الضعيفة” Biorxiv – 29 يوليو 2020

ساهم يوجين كونين -ناقد للامتثال الدارويني- في هذه الورقة التي تزعم أن التوازن النقطي هو “الوضع الافتراضي للتطور” في ظروف معينة، وأن هذا الركود هو القاعدة، فتذكر الأسطر الافتتاحية مواجهات ستيفن جاي جولد الجريئة للداروينية الجديدة القياسية في ثمانينيات القرن العشرين:

التوازن النقطي هو نمط من التطور يحدث فيه تغير ظاهري في نوباتٍ سريعةٍ يفصل بينها فترات طويلة من الركود، تتراكم خلالها الطفرات لكن لا يحدث فيها تغير ظاهري كبير. واقتُرِحَ التوازن النقطي في الأصل في إطار علم الأحياء القديمة؛ لتفسير عدم وجود أشكال انتقالية نموذجية في السجل الأحفوري.

5- ورقة بحثية لزابيتا مارتينيز وآخرون ـZapeta-martinez et al. “دور PRC2/ CPRC/ vPRC1 في إسكات جينات النسب والحفاظ على التجديد الذاتي للخلايا الجذعية الجنينية للفأر” Science Advance -1 أبريل 2020

مراد هذه الورقة غير الداروينية واضح من عنوان بيان صحفي نشرته جامعة جنوب كاليفورنيا، وهو “التكرار في التصميم موجودٌ في الحمض النووي الخاص بنا” التصميم؟ أيمكن ذكر مثل هذه الكلمة في ورقة علمية؟ يظهر أوليفر بيل مبتسماً في الصورة المصاحبة وقد بدا عليه انه لا يأبه برقابة المسؤولين. ذكر كريستي ليتال في الجملة الافتتاحية أن “التكرار في التصميم لا يختص باختراعات المهندسين لآلات البناء، لكنه أيضًا مبدأ من مبادئ الطبيعة لتصميم الكائنات الحية.” ياللهول أين ذهب المراقبون؟!

ورغم أن هذه الورقة لم تذكر التصميم (كما في التصميم الذكي)، فإنها ذكرت “التكرار” 17 مرة، على سبيل المثال “تثبت هذه النتائج أن إنزيمات PRC2/ CPRC/ vPRC تعمل بشكل متكرر لإسكات جينات النسب، ولضمان قوة التجديد الذاتي لـ MESC . بالتأكيد يجب أن يكون الانتقاء الطبيعي هو المسؤول عن هذا الأداء الممتاز، ماذا؟ لم يذكر داروين، أوالانتقاء، أو التطور؟!

التكرار عبارة عن مجموعتين منفصلتين من PRC (متعدد الأمشاط القمعي)، تعمل كل منهما بشكل مستقل، وفي الوقت ذاته على إسكات نفس الجينات الخاصة بالنسب، وإذا توقفت إحدى المجموعتين عن العمل= فإن الثانية قادرة على إتمام المهمة، وفي حالة إخفاقها تصبح المجموعة الأولى بمثابة نسخة احتياطية.

يبدو التكرار كمبدأ قد يصممه المهندس في آلة أو برنامج للوظائف الحرجة عند وجود خلل. لماذا سيقوم الانتقاء الطبيعي بهذا الأمر؟ لقد اكتشف venkataram et al. بالفعل في الورقة الأولى أن “الوحدات الخلوية قد لا يتم تحسينها بشكل كامل بواسطة الانتقاء الطبيعي بالرغم من توفر الطفرات التكيفية”. فإن كان من المرجح ألا تتطور إحدى مجموعات PRC لتحسن بواسطة الانتقاء الطبيعي، فلماذا إذًا ستظهر أخرى غيرها ويتم تحسينها؟ هذه بلا شك إحدى الخطط الاحتياطية العديدة في العالم الحي.

لقد لاحظ العلماء كيفية حفاظ الخلايا الجذعية على هويتها أثناء التطور. يضيف بيل:

“لا تعمل آليات تنسيق تكرار مجموعات PRC التي تضمن القمع القوي للجينات الرئيسية الخاصة بالنسب على التمايز فحسب، بل تحافظ أيضًا على هوية الخلايا الجذعية الجنينية للفأر”.

من الواضح أن التصميم  “مكتوبٌ في حمضنا النووي”؛ يا له من مفهوم قد يؤدي إلى حركة (تغيير) !

أعجبني المقال

المصدر
evolutionnews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى