عام

الحرب على الأمومة

ناشطون مسلمون يدعمون النسوية السامة

  • أم خالد
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: رهام العمودي

في الأسبوع الماضي، سألتني أخت مسلمة: “سأتزوج قريبًا إن شاء الله، وأريد حقًا أن أظل في المنزل زوجةً وأمًّا.. لكن هل تعتقدين أن هذا يجعلني استغلالية؟ لا يمكنني التخلص من هذا الشعور، حيث إنني أعيش في هذا المجتمع الرأسمالي المادي، بمعنى: هل إذا لم أكسب المال من وظيفة ما في مكان ما، فهذا يعني أنني استغلالية؟”

شعرتُ بالارتباك، ويمكنني تلمُّس المعاناة وراء سؤالها؛ لقد كانت ممزقةً بين رغبتها الفطرية في تكريس نفسها لزواجها وعائلتها، وبين الرسائل التي نتلقاها جميعًا من المجتمع: يجب أن نحصل على وظيفة، وأن نتجاوز جميع العقبات، ونحطم النظام الذكوري الأبوي.

الفتاة المسكينة لا تعرف ماذا تفعل؛ أرادت أن تعرف مدى مشروعية نوازعها الطبيعية نحو الزواج والأمومة، لأن هذه المشاعر تكاد تكون لا قيمة لها في عصرنا.

في الأسبوع الماضي أيضًا، قرأت منشورًا رائجًا جدًا على Facebook لمحامية مسلمة مشهورة تبرر عمل المسلمات لساعات طويلة في مهنة رفيعة، وتوجه اللوم للرجال المسلمين لعدم رغبتهم في الزواج من هؤلاء النساء.

لذا، لا عجب أن الأخت المسكينة تشعر بالتمزق، إنه من المربك جدا أن نتلقى العديد من الرسائل المتضادة، ولا يمكننا فرزها أو فهمها.

لذلك كتبت هذه المقالة لاستكشاف المشكلة، أدعو الله أن تكون مفيدة.

 

تقع معظم الشابات المسلمات في العالم الحديث في حيرة عند التعرض للاختيار بين الزواج والوظيفة، فهن يهمن على وجوههن مادام لايوجد توجيه حقيقي، ويسرن على خطى أقرانهن من غير المسلمات ويواجهن نفس النتائج الكارثية.

البعض منا يردد “ستنتهي النسوية بعد فترة”، وبعد ذلك بسنوات يتساءل لماذا نحن وحيدون وبائسون. في تلك المرحلة، يلوم البعض الرجال المسلمين على عدم الإقدِام على الزاوج من المسلمات اللاتي يحظين بوظائف مرموقة، ويصف هؤلاء الرجال بأنهم جبناء وأنهم “مرعوبون” و “لا يستطيعون التعامل” مع هؤلاء “النسوة المسلمات القويات والمتمكنات والمستقلات”!

هذه الحالة المؤسفة يجب أن يلتفت لها، خصوصا مع وجود بعض المسلمات لهن كلمة مسموعة في وسائل التواصل الاجتماعي وتنشر الإرجاف والأفكار السيئة دون ردة فعل حقيقية.

ملاحظة: المقال لا يهدف إلى تشويه صورة النساء العاملات في وظائف مشروعة، فقد كانت والدتي طبيبة ممارسة لسنوات عديدة، وأنا تخرجت من جامعة هارفارد وكانت لدي أثناء الدراسة أحلام ساذجة لدخول سوق العمل “لتغيير العالم”. أنا لا ألوم أخواتي الموظفات (وبعضهن ليس لديها خيار بسبب وضعها المالي)، لكنني أرفض نظامًا شاملاً يضع النساء في هذا الموقف الصعب الذي يختزل قيمتهن في الوظيفة.

أنا بنفسي كنت في حيرة من هذا السؤال: هل المرأة لاتستطيع أن تكون إلا أمًّا وزوجة؟ لقد استغرقت سنوات حتى أدركت أن السؤال بنفسه سام، فهل هناك أفضل من كون المرأة أمًّا وزوجة؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر صعوبة من ذلك؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر إنجازًا؟ ما الذي يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من بناء أسرة قوية ومحبة تكون بمثابة لبنة لبناء الأمة ولبناء مجتمع مسلم سليم؟

تخبرنا الحركة النسوية بأن النساء بحاجة إلى “أن يكنَّ أكثر حضورًا”، وأن النساء بحاجة إلى “التمكين”، أي أن المرأة تكسب شيئا ما من خلال قضاء أوقاتها الثمينة في البحث عن المال والألقاب والقيادة بدلاً من قضائها الوقت مع زوجها وأطفالها. في الواقع، تكسب المرأة بذلك القليل جدا وتفقد الكثير. إن النظام الحداثي بأكمله هو الذي خلق هذا الوضع وهذه العقلية، ونحن لسنا إلا ضحايا، لكن الأمر متروك لنا لنوضح الحقيقة كما هي وألا نجعلها تمتد للأجيال القادمة.

لسوء الحظ، يقوم بعض المسلمين بذلك بالضبط فنجدهم يعملون على استدامة هذه العقلية السامة.

 

لماذا لايريد أحد الزواج مني!؟

في الأسبوع الماضي، كتبت المحامية والناشطة المسلمة زهراء بيلو منشورًا على فيسبوك تتحسر فيه على الوقت الصعب الذي كانت تحاول فيه العثور على زوج بسبب مسيرتها المهنية. الغريب أنها ألقت اللوم في ذلك بشكل مباشر على الرجال المسلمين أولًا، وعلى المجتمع المسلم بأكمله ثانيًا!

ومن المفيد أن ننظر في منشوراتها عن كثب لنفهم آراءها تجاه الزواج والأدوار الزوجية التي تنشرها في المجتمع المسلم كالطاعون.

نشرت زهراء قصة مفادها أنها عندما كانت في أحد المطاعم، عرفها أب مسلم وقال لها أنه يريد أن تصبح ابنته مثلها! تقول زهراء بأنها تسمع هذا الكلام كثيرًا حتى من خطّابها الذين رفضوها، وعلى وجه الخصوص فقد قال لها أحد الخاطبين:

“أريد أن تصبح ابنتي مثلك عندما تكبر، لكن لا أعتقد أن لدي مايلزم لدعمك كزوج، ولا أريدك أن تتغيري بسببي”.

 زهراء تعتبر هذا نفاقًا، وبصراحة أنا أتفق معها، لكن ليس لنفس السبب.

من أشد الجهل أن يريد الأب لابنته أن تحصل على وظيفة تصعِّب عليها الزواج، وتصِّعب عليها تكوين أسرة مستقرة، وتصعِّب عليها العيش وفقا للسُنَّة. لماذا يريد أي أب كفء ومحب لابنته أن ينتهي بها المطاف في نفس مكان هؤلاء الناشطات!

لكن زهراء وأخريات يعانين من سموم العقلية النسوية، ويعتقدن أن الرجال آثمون لعدم رغبتهم بالزواج من امرأة كرَّست نفسها لوظيفتها المرهقة. لكن لماذا؟ لماذا لايستطيع الرجال تحديد أولوياتهم فيما يريدونه من الزوجة؟ لماذا من المستغرب أن أغلبية الرجال لايريدون لزوجاتهم الدخول في وظائف تستنزف طاقتهن وأوقاتهن؟ لماذا من المستغرب أن غالبية الرجال المسلمين يريدون زوجات تولي أهمية للأدوار الجندرية الإسلامية مثل الأمومة؟

ألا يجب أن يكون للرجال خيار فيما يريدونه في زوجاتهم؟ من المؤكد أن المرأة لها الحق في اختيار من تتزوج، فلا أحد يشنّع على المرأة لعدم رغبتها في الزواج من بعض الرجال (الذين يكسبون مالًا أقل، والذين يملكون وظائف متواضعة، وما إلى ذلك). لا أحد يقول للمرأة المسلمة أن “تنضج” وتتزوج من رجال “متضررين اقتصادياً”. على سبيل المثال لا أحد يكتب منشورات درامية على الفيسبوك حول تربية بناتهم ليتزوجوا الرجال الفقراء والمفلسين.

والمحير فعلا هو أن كون النسوية الحديثة تقدّر المرأة المتمكنة التي ضحت في سبيل حياتها المهنية، لايعني أن علينا أن نقدّر ذلك، أو بشكل أصح لاينبغي علينا أن نقدّره. وكما اكتشفت زهراء بأن الرجال المسلمين لايقدّرون ذلك أيضًا، أقول: لماذا عليهم أن يقدّروه؟

تحرِّض النسويات المعاصرات (غير المسلمات والمسلمات بشكل متزايد) النساء بقوة على السعي إلى تكريس أنفسهن للحياة المهنية على حساب كل شيء آخر. شعارهن “كوني متمكنة”، “كوني مستقلة” اذهبي إلى مسيرة النساء (وارتدي القبعة الجنسية على رأسك)، وكوني ناشطة صريحة لتغيري العالم، انحري النظام الذكوري الأبوي، الرجال أشرار (أو على الأقل متوحشون وأنانيون) وسيستعبدونك، لذلك لا تطيعي أي زوج، ولكن احصلي على وظيفة حيث يمكنك بدلا من ذلك أن تطيعي رئيسك! كوني عبدة للراتب، هذه هي الحرية، سوف تكونين سعيدة، وسيمكنك ذلك من فعل أي شيء يفعله الرجل، لماذا يمكن للرجل الحصول على وظيفة مرموقة دونك؟

هذا ماتقرره النسوية، والاسلام يقرر عكس ذلك.

فما الخطأ في أن تريد الزوجة أن تكرس حياتها لزوجها وأبنائها ومنزلها أكثر من وظيفتها؟

 

اقرأ ايضاً: لماذا لا زالت النساء عاجزات عن الجمع بين الأشياء كلها

 

قيمة الوجبة المنزلية

تقول زهراء: “الناس على استعداد لدعم الناشطات عن بعد، ودعمهن في المفهوم، ولكن لا يحرصون على دعمهن في منازلهم، على حساب راحتهم أو وجبة معدة ساخنة معدة في المنزل”.

بالطبع لا أحد يريد دعم هذا!

أي شيء غريب في أن يتوقع الزوج أن يجد الراحة والوجبة المنزلية الساخنة في نهاية يوم عمل طويل، أي شيء غير واقعي في هذا؟ هل رجاء مثل هذا في الزواج يعتبر قمعًا أوتحيزًا جنسيًا؟

حتى النساء يسألن أنفسهن: هل الأمر يستحق؟ كل يوم على الإنترنت نسمع عن المرأة التي قد سخَّرت نفسها للعمل وتتمتع بمكانة مرموقة، قد انتصف بها العمر أو قاربت آخره ولم تتزوج ولم تنجب تعبر عن ندمها على اختياراتها النسوية “لماذا قد أضحي بأفضل سنوات حياتي في وظيفة؟ لماذا أهدرت وقتي في حين كان بإمكاني قضاؤه في بناء أسرة محبة؟ الآن لا أستطيع جسديا أن أحظى بأطفال، وأي رجل يريد أن ينجب، ويريد عائلة كبيرة وسعيدة فهو لايريدني، ومن يستطيع لومهم على ذلك؟”

هل هذا المستقبل البائس هو ما يريده الأب والأم لبناتهم؟

أحد أهم الأشياء الجالبة للسعادة والرضى عند المرأة في الحياة هو إنجاب الأطفال، وتغذيتهم، وحبهم، إنه من المشين أن يُعتبر هذا شيئًا ثانويًا. وُجهت خدعة للنساء وهي: أنه من الأفضل أن يضحين بأكثر سنوات شبابهن خصوبة سعيًا وراء أي شيء عدا كونهن زوجات وأمهات؛ هذا الأمر كارثي، والآن تتواطئ الرموز الإسلامية على نشر هذه الرسالة السامة.

 

ليس الذكر كالأنثى (ولا عبرة بالمخالف) 

إن ترجُّل النساء هو شق آخر في الفكر النسوي. تقول زهراء: “الطريق الذي اختاره الله لي يتطلب مني العمل لساعاتٍ طوال، وأن أضع حياتي وجسدي على المحك لخدمة مجتمعي المسلم”.

يجب أن نسأل أنفسنا: هل دور المرأة في الإسلام أن “تعمل لساعاتٍ طوال” في وظيفة خارج منزلها بعيدًا عن أهلها، وأن تضع حياتها وجسدها “على المحك”؟ متى وأين طلب الإسلام من المرأة المسلمة أن تفعل ذلك؟ أين ومتى قرر الإسلام أن الأمر يستحق؟

في الواقع، المكلَّف بتلك المهام الدقيقة هم الرجال، مثل العمل وتوفير المال والحماية. إن ذلك خوطب به الرجال لا النساء، فهذه المهام الصعبة التي تتمثل في وضع حياتهم وأجسادهم على المحك لحماية عائلاتهم، ومجتمعاتهم، وأمة المسلمين أجمع. بالطبع من الواجب على النساء أن يحمين العائلة والأطفال في الحالات الطارئة والخطيرة، لكن ليس هذا هو الدور الذي اختاره الله للنساء بشكل عام، بل ذلك الدور خوطب به الرجال المسلمون.

هناك مزايا للذكور ومزايا للإناث (كما لكل منهم أوجه قصور). ومع ذلك -بسبب النسوية- أصبح هناك جهد قوي ومتضافر لمساواة جميع السمات والصفات، وإنكار وجود اختلافات جوهرية بين الذكور والإناث. ونحن نشهد الغزو الجندري بصورة متزايدة، فالحرب على الذكورة (بمساواتها بالسمية) وعلى الأنوثة (بمساواتها بالضعف).

وكل هذا يتناقض تناقضًا صارخًا مع المنظومة الإسلامية. فللإسلام مفهوم قوي وصحي للاختلافات بين الجنسين وأدوار كلٍ منهما. فهو يقدّر بشكل كبير الزواج والأسرة، والأدوار المناطة بالزوجين. فكل شخص له حقوق وعليه مسؤوليات معينة، تختلف باختلاف الجنس. الزوج هو رب الأسرة، ويرشد زوجته وأولاده إلى أفضل سبيل نحو التقوى والأخلاق والدين وهو مسؤول أمام الله عن ذلك، وهو تكليفٌ مَهِيب.

والزوجة شريك متفان ومخلص، تحترم سلطة زوجها وتتعاون معه في مهمتهما المشتركة لتكوين أسرة مسلمة صالحة. الزوج هو القائد، ولذلك فدوره يرتبط بمسؤوليات عظيمة، فيجب عليه الحماية وأن يتخذ ما يلزم بشأن التعليم الديني وأن يلبي احتياجات زوجته وأبنائه، دون أن يسيء معاملتهم أو يهملهم بأي شكل من الأشكال. هذه مسؤوليات الزوج المسلم وحقوق الزوجة المسلمة. أما مسؤوليات الزوجة المسلمة (ماهو حق للزوج) أن تكون متعاونة في سعيها لإرضاء زوجها وطاعته، وضيانة منزلها، وأطفالها، ونفسها في وقت غيابه. فهذا التقسيم للأدوار ذو كفاءة وفعالية، بحيث يؤدي كل فرد أدواره المحددة، مما يفيد في تقوية الجوانب الفطرية في شريكه.

بتفكير بسيط، يرى كل منصف حكمة النسق الإسلامي الإلهي متفوقة بوضوح على ما تعرضه النسوية من فوضى هدامة.

تتابع زهراء: “لم أصرح للرجل في المطعم بما يدور في خلدي، ولكن سأقوله هنا على أمل أن يقرأه الآخرون ممن يربون بناتهم ليكنّ ناشطات وقادة: هذا لايكفي، عليك أن تربي أبناءك ليعظموا ويحتفوا ويحفزوا ويدعموا النساء المرابطات في الخطوط الأمامية، لانستطيع أن نفعل ذلك دون مجتمعاتنا وعائلاتنا”.

ماذا؟ لماذا يجب أن يكون المثل الأعلى للمجتمع المسلم أن يربي بناته ليصبحوا “ناشطات وقادة”؟ ما الذي يشجع المرأة في الإسلام أن تكون في “الخطوط الأمامية” لأي معركة؟ هل الإسلام يشجع أو يستسهل هذا النوع من النشاط والقيادة التي تكون فيه المرأة مكرَّسةً لمهنتها، وتنخرط في سفر متكرر دون محرم هاجرة منزلها، بعيدة عن عائلتها، حاضرة في الصفوف الأمامية ومختلطة بالرجال، تصرخ وتتظاهر في الشوارع، وتقاتل كمحارب، وما إلى ذلك؟ علينا أن نتمسك وألا نخجل من مبادئنا بنفس القدر الذي يغض به الآخرون الطرف عن الانتهاكات الواضحة وأحيانًا الفاضحة للحشمة الإسلامية والاختلافات الجندرية.

 

دعونا من الكليشيهات النمط والخاطئة

من عادات الناشطات المسلمات هذه الفترة، محاولة تبرير هذه الانتهاكات بالاستشهاد بأمثلة من الصحابة. كما أشارت زهراء: “ألهمتني أمهات المؤمنين، والنساء اللاتي رافقن النبي صلى الله عليه وسلم، والرعيل الأول من النساء ممن قادوا الحركة الإسلامية، وأخواتي اللاتي حاربن معي طوال الطريق. فدعم وحماية وتحفيز وحتى حب هؤلاء النسوة إنما هو جزء من الإيمان، نحن نحتاج من يعلم الرجال المسلمين والأبناء هذه التربية”.

رجاء لا تجري ذكر الصحابيات إلى مثل المعمعة، فهل تزوج رجال المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نساء تعمل لساعات طوال خارج البيت، وتتظاهر في الشوارع، أو لا تتفق أصلا مع أدوار الجنسين في الزواج بشكل عام؟

بالنسبة لشخص يذكر أمهات المؤمنين، والنساء اللاتي رافقن النبي صلى الله عليه وسلم، ويلمِّح بأنهن كن “ناشطات وقادة” بالمعنى الذي أشارت إليه زهراء، ليس هذا إلا ضرب من عدم الأمانة، فهو إسقاط لقيم العصر الحالي، وفرضٌ للمُثل العلمانية الحداثية الشهيرة، مثل “تحرير المرأة”، “تمكين المرأة”، كونها ناشطة عدالة اجتماعية على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وجيله المبارك.

فهل كان أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن أجمعين- يتركن بيوتهن وعائلاتهن للسفر والتحدث أمام جمع من الرجال والنساء المختلطين، كما يحصل هذه الأيام؟ هل سافرن دون محرم لمثل هذه الأشياء؟ هل كن في الصفوف الأمامية لأي معركة، خصوصًا بعد الأمر بالحجاب؟ إجابة كل هذه الأسئلة هي: لا.

فنحن في بعض الأحيان لدينا نزوع مؤلمة نحو نقاط الحوار النسوية التي تأثرت بها المسلمات الغربيات المعاصرات، وتجاهل حقيقة أن غالبية النساء المسلمات ما هن إلا زوجات وأمهات، لسن “ناشطات” أو “قادة” أو “مناضلات لأجل العدالة الاجتماعية”، فغالبهن أيضًا لم يكن عالمات، ولم يكن هناك مكان لهذا الهاجس لحشد هذا العدد من النساء العالمات.

صراحة، قد سئمت من سماعي كيف أن خديجة -رضي الله عنها-، كانت في الأساس من أثرى 500 مدير تنفيذي، وكيف كانت عائشة -رضي الله عنها- تعلّم الرجال.

نعم خديجة رضي الله عنها كانت ثرية، لكنها ورثت ثروتها من زوجها المتوفى وهي لم تقم فعليًّا بإدارة العمل أو السفر أو التجارة بنفسها، بل كلفت رجالّا بذلك. وفضلًا عن ذلك، فقد كرّست نفسها بالكامل وأخلصت حياتها لزوجها صلى الله عليه وسلم، وأنجبت له ستة أطفال وأنشأت أسرة. وكانت داعمة ومساعدة لزوجها، قبل وبعد النبوة. وكانت حريصة للغاية على راحته وتلبّي احتياجاته، حتى أنها كانت تعد طعامه وترسله له عندما كان يتحنث في غار حراء. ليس هو النموذج الذي يتمثل في سيدة الأعمال رفيعة المستوى كما يصورها البعض في هذه الأيام.

 نعم كانت عائشة رضي الله عنها صاحبة ثروة معرفية وقد نقلت لنا حوالي ثلث الأحاديث المدوَّنة، لكنها نقلت هذه المعرفة من وراء حجاب حفاظًا على حشمتها.

لم تكن هؤلاء الصحابيات التقيات المستقيمات يمثلن -ولو قليلًا- تلك النماذج التي تروّج لها بعض الناشطات اليوم بـقيادة المرأة المسلمة أو كما يُخيّل أو يصوّر لتلك الصورة الذهنية بأنهن كنّ مسلمات مستقلات، متمكنات، وقويات، فنحن نحتاج إلى وقف الإسقاط العكسي للأهواء والرغبات.

لماذا لا يبرز الناشطات المسلمات زوجات النبي الأخريات، فمعظمهن لم تكن ذا ثروة، أو تدرّس، بل تقضي وقتها التي لا تتعبد فيه في خدمة النبي وضيوفه، ورعاية أبنائه، صيانة أسرته؟ ألسن أيضًا من أمهات المؤمنين؟ (وهذا القول بالطبع لايعني أن عائشة رضي الله عنها لم تطبخ أو تلبي الاحتياجات الأسرية للنبي صلى الله عليه وسلم).

 

اقرأ ايضاً: مخاطر السياسة الإسلامية الأمريكية

 

لماذا لا تبرز الناشطات شخصية مثل مريم -عليها السلام-؟ 

مريم أم عيسى -عليهما السلام- من أتقى النساء على الإطلاق، وهي المرأة الوحيدة التي ذكرها القرآن بالإسم. فقد قال الله تعالى في كتابه: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}. (سورة آل عمران – آية 42). فهي قدوة لجميع النساء، والدور الذي شرفها الله به هو دورها كأم. في الإسلام، التركيز والاهتمام منصب على دور المرأة في الأمومة والعائلة، لا على دورها بالعمل كموظفة أو سيدة أعمال، أو كجندية، أو من أي شي نراه اليوم.

وعلى ذلك فلماذا يعتبر الزواج من امرأة قائدة جزء من الإيمان كما نصت عليه زهراء وآخرون؟

هذه الادعاءات لا أساس لها، وتشوه الحقيقة، وتعيق فهم الكثير من المسلمين.

في الختام

في النموذج النسوي العلماني الغربي المعاصر، سيثير كل ما سبق لحظات من الرعب. تصرّ النسويات المسلمات وناشطات العدالة الاجتماعية أن الرجال والنساء متماثلون ومتساوون في كل شيء، ولايوجد أدوار خاصة بجنس دون آخر. وعندما يفكرون في الأمر يقولون الجندر نفسه ما هو إلا اختراع مختلقٌ من قبل النظام الأبوي، وأنه ليس إلا مجرد وهم! بالتأكيد، في الحركة النسوية الزواج والعائلة في أحسن الأحوال لا صلة بينهما، وفي أسوئها يعتبران قمعًا مساوٍ للاغتصاب. فكونك زوجة قائمة على الشؤون المعيشية لأسرتك سيطلقون عليك باستهزاء “خادمة منزلية”. وينظرون إلى الأمومة بازدراء وشفقة، وأنها ليست بأهمية “العمل الحقيقي” الذي يعقب كل أسبوعين فيه إيداع للراتب.

من المقلق أن يكون الناشطات المسلمات مثل زهراء بيلو وغيرها ناشرات للقيم النسوية بصفتها إسلامية، بينما في الحقيقة لاشيء يربط بينهما.

اقرأ ايضاً: عمل المرأة: لماذا أصبح ضرورة؟

المصدر
muslimskeptic

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. جزاكم الله تعالى خير الجزاء على ما تنشرونه مما فيه نفع للمسلمين في دينهم ودنياهم وعاقبة أمرهم.
    واقتراح: حبذا وضع رابط للإشارة إلى موضع المقال الأصلي في المقالات المترجمة للرجوع إليه، ففي ذلك فوائد كثيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق