فكر وثقافة

النسويّة والهُويّة

  • مشاعل آل عايش
  • تحرير: نايفة العسيري

ومضة

تمنّت الوردة يومًا أن تطاول الشجرة، وسعت لذلك جهدها، فلما طاولت مال ساقها، وعبثت الريح بأوراقها، قررت العودة مقتربة من الأرض ولكن كثافة الأشجار حالت دون رجوعها، فبقيت كذلك مترنّحة حتى انكسرت وتساقطت أوراقها، ثم داستها الأقدام، لتنتهي بعد ذلك محاولة فاشلة في إثبات من تكون في وسط ليس لها.

مغادرة الأعشاش

كانت تتمنّى دومًا السفر خارج دولتها، لترى العالم، وتعيش ما يعيشه أبطال “السوشال ميديا” وغيرهم، كم كانت معجبة بأولئك اللاتي يظهرن تحررهن، وانفرادهن بأنفسهن، تسرح بخيالها كثيرًا عن مدى السعادة التي تجدها أولئك المتحررات، بدأت تقرأ عن بداياتهن فقط من باب العلم بالشيء، كيف أقنعن ذويهن عن تلك الرغبة؟ وكيف تمّت الموافقة لهن نظاميًا؟ ومن أين توافرت لهن مصاريف الرحلة، علمًا أنهن من أسر متوسطة الدخل؟ تساؤلات كثيرة طافت بمخيلتها… وفي موج متابعتها لتلك، وإعجابها بتصرفات الأخرى عرضت لها إحداهن بداية وشاركتها الهمّ، واقتسمت معها الحلم، لأنها كانت تتساءل مثلها، وتقول لها: (الهُوية الأنثوية – كما تزعم -تعبير عن الصورة المترسخة في الأذهان، والظاهرة المتكررة في الأجيال، أنها المتدنيّة، والمهمّشة، الناقصة التي تحتاج لامرأة أخرى في الشهادة، والقاصر التي تحتاج لوليّ على تصرفاتها، الخاضعة لمبدأ قوامة الرجل، المحرمة من المشاركات العامة في المجتمع باسم ناقصات العقل، ومثيرات الفتنة والشهوة، وهكذا، من تعبيرات متعسفة تنعتها النسويات، حيث لا تميز بين سلوك الأفراد، وبين ما هو دين شرعيّ ثابت لا يقبل المساومة.)[1] وعند حصول الأمان من الضحية بعد مناقشات عدة حول كبت التقاليد للحرية، وتقييد الزواج والأبناء للاستمتاع بالشباب، والجلد القائم على الرؤوس بالأدلة الشرعية عن القوامة، والعفة، والسمع والطاعة.

والوصول إلى قناعة فكرية تامة أنه عند التخلص من كل ذلك تكون الحياة رائعة، وجميلة، وجذابة.

أخذت الثانية تشعرها أنها ستفعل كل ذلك غير مبالية بما يقع، وأن النظام العالمي، وحقوق الإنسان، والجمعيات الإنسانية ستكون صفًّا في قضيتها العادلة، لأنها صاحبة مطالب شخصية مشرّفة. قائلة لها: ( إننا نؤمن أن رفع الوعي، وأشكال المقاومة اليومية هي أنشطة مهمة وفعالة في زعزعة البنى الأبوية التي تسهم في قهر النساء. إن “نسوية كل يوم” على نفس القدر من الأهمية التي تتمتع بها الحمالات السياسية الكبرى الخاصة بالقوانين والمشاركة السياسية مثلًا. إن مقاومة الأبوية تستمر طوال عمرنا وقد نُغيّر من تكتيكاتنا بمقدار ما تتطلب الحاجة.)[2]

ثم قالت الثانية ما رأيك أن ترافقيني لسفرة رتبت لها؟ إنني أحبك، ولا يمكن تركك بهذا الألم النفسي، فمن حولك لايشعرون بك، أنا فقط من سأحتويك، وأصنع سعادتك.

كل ما عليك مغادرة أسرتك لا أكثر، وفي لحظة قناعة مزيفة وافقتها، فتحت باب منزلها الذي كانت تغادر منه برفقة زوجها، أو مستأذنة إياه إن لم يصحبها، غادرته هذه المرة بمفردها دون سابق علم لأحد من أفراد أسرتها، خرجت وهي تردد: “سلامًا أیّها المثلث المستحیل.. سلامًا أيتها المدینة التي تعیش مغلقة وسط ثالوثها المحرم “الدین- الجنس- السیاسة”[3].

وفي الطائرة كانت آخر سمات هُويتها تموحها عنها وتسقطها مع إسقاط حجابها، لقد أصبحت على قناعة بما تقوله قدوتهم الأمريكية بتلر حينما: “تقترح بتلر مخرجا لصنع الهوية الفاعلة، وذلك بتوفير مناخ وسبل للنفس لكي تواجه وتتجاوز القانون كقوة وكسلطة قمعية، وأن نجعلها تبتعد عن أسلوب التملص والتهرب منه”[4]، وصلتا وجهتهما، مرّت أيام الرحلة كما خُطط لها بين ترفيه وتسوق، ومطاعم وغيرها، التُقطت الصور باحترافية فائقة، أشاد بها رواد التواصل المنخدعين والخادعين لها، وحانت لحظة الصفر، الإقامة في البلد انتهت، والعودة أمر لابد منه، فكّرت: تُرى لو قررت البقاء هنا أين أسكن، ومن أين أعيش، وكيف تمر سنوات عمري وأنا لازلت في ريعان شبابي، النظام هنا لن يسمح ببقائي، سأسلم بطريقة أو بأخرى لبلدي،لابد إذن من العودة، عند اقتراب الطائرة من مدينتها سألت مرافقتها أين سنذهب بعد ذلك، أجابتها الأخرى عودي لمنزلك، أنا لديّ منزلي الخاص من حجرة واحدة، ولا أستطيع اصطحابك معي.هبطت الطائرة واختلطت المشاعر، وانبعث الألم، واستفاق الوعي، ترى لو هاتفت زوجي هل يرضى بعودتي، كيف سيسمح لامرأة مضيعة أن تعود، ترى لو عدت وسألني أبنائي ماذا أقول، ترى هل بناتي سيستجبن لنصحي وتوجيهي وأنا من ضربت بكل القيم عرض الحائط، أشقائي لن يعترفوا بي بعد اليوم،ياللحسرة! أكانت فعلا تلك هي الحقيقة المغيبة وراء كواليس الشهرة، كم من الضياع، ونصيب عظيم من قتل الذات، وفقدان للهوية، وأداة طيعة في يد المتسلطين.

 

لم تكن فكرة هجرة العش والتنكر له هو مطلب النسوية الأول، كانت فقط تريد إثبات الذات خارج المنزل، ومزاحمة الرجل في كل ميدان، ثم العودة معه سويًّا إلى المنزل للإتيان ببعض دورها، لأن النساء كن يرين أن صفة الجوهر صفة خاصة بالرجل، والمرأة تابعة له، فأرادت النسوية كسر هذا الاستعلاء الذكوري -على حد زعمها-، والإطاحة به، تقول منظرة النسوية الأولى سيمون دي بوفوار: “إن المجتمع الذي وضع الرجل فيه تشريعاته وقيمه يعتبر المرأة أقل من الرجل، ولاتستطيع المرأة إلغاء هذا النقص إلا بتحطيم تفوق الرجل، إن كل اضطهاد يخلق حالة نزاع، والكائن الذي تنتزع منه صفة الجوهر لتلتصق به صفة التبعية لابد أن يحاول استرجاع سيادته”[5].

وكانت المرأة النسوية في بداية انفصالها المنزلي الوقتي على ثقة عمياء أن الرجل لاسيما الزوج سيظل باحثًا عنها، محتفظًا بها، معلنًا حاجته لها واضطراره إليها، فكان ذلك باعثًا للأمان في نفسها، فجعلها تبدأ بحالة استعلاء على الرجل، وأنه بمقدورها العيش دونه، أما هو فالعكس..، تقول ليندا ألكوف: “إن عدم القدرة على الإنجاب عند جميع الذكور تؤدي إلى الاعتماد على المرأة، ونظرًا لحالة الخوف وعدم الأمان عندهم فإنهم يرغبون بالهيمنة والسيطرة (تعني الرجال) على كل ماهو ضروري بشكل حيوي لهم”[6].

فكان أول شعار لوحت به النسوية هو التحرر، التحرر السلطوي، ليتبعه التحرر الفكري، ثم التحرر القيمي، وعندما كسرت هذا القيد وهو قيد قوامة الرجل سواءً أبًا أو زوجًا أو أخًا، وأعلنت تحررها من سلطتهم نادت بالمساواة معهم في الحقوق والواجبات، وأنه لم يعد لهم مزية فضل عليها، لتبدأ بعدها أولى خطوات الاستعلاء النسوي، وكانت تلك بدايات السقوط للنظام “البطريركي”[7]، كما يسمونه والذي كان يعتبر السلطة فيه للذكر وأنه في أعلى الهرم، والمرأة في أسفله، ليتبعه أيضا السقوط “الجنوسي”[8] الذي يرى أن هناك فوارق ثقافية واجتماعية وتاريخية تجعل البشر (ذكر وأنثى)، فكان ذلك سببا للثورة النسوية[9].

هذه البدايات للفكر النسويّ على مستوى الأسرة كانت سببًا لتسرّب حالة اللامنتمي للمرأة النسوية، ونعني بذلك بداية شعور المرأة النسوية بعدم الولاء والانتماء لأسرتها، سواء ولاء قرابة كأب أو أخ أو زوج، أو ولاء أمومة كحب للأبناء وتربيتهم والقيام بحقوقهم.

بقدر هذا الانفصال العائلي الذي أخذت المرأة النسوية تعيشه بدأت رحلة فقدان الذات لديها، هذا الفقد الذاتيّ لدى المرأة النسوية خارج إطار منظومتها العائلية جعلها تبدأ رحلة الضياع بحثًا عن هوية لها وفق منظومتها الجديدة التي بدأت بتشطيرها النفسي إلى ذرات متطايرة في الهواء، جعلتها تركض وتركض لجمع تلك الذرات لإعادة هيكلتها من جديد.

إضاعة الطريق

نتيجة للخروج غير المنظم للمرأة من مملكتها المنظمة تعيش صدمة حضارية، وصدمة مجتمعية، مصحوبة بصراع اجتماعي داخلي في عائلتها، وصراع خارجي مع مجتمعها، هذا الصراع حملها على الهرب من واقعها المرير بعد أن كانت في حالة استقرار وأمان اجتماعي، هذا الهروب أصبح ضرورة لها وفق منظومتها الممسوخة الجديدة من الحياة البشرية المألوفة للمجتمعات الإنسانية، حالة الهروب هذه كانت هي الحل الوحيد للنسويّات، ولكن العقبة التي واجهتهن ولا زالت قائمة حتى الآن أمامهن هي المجتمعات البشرية بقيمها الإنسانية الفطرية المألوفة، حيث إن المجتمعات البشرية وإن اختلفت منظومتها الثقافية، ومرجعيتها الدينية تتوحد في قيم بشرية تقرّها الفطر السليمة ومنها دور المرأة، ودور الرجل، واحترام تلك الأدوار، وسن القوانين والتشريعات الحافظة لحقوق الطرفين، لذلك عمدت النسويات إلى الهروب عبر طرق موحشة، ومقفرة من القيم والمرجعيات، وخالية من نقاط الأمان الاجتماعي، مما يجعلهن فريسة لقطاع الطرق، وللوحوش الضارية بلا رحمة.

طريق التخلي من قبل النسويات عن كل مايدل على أنوثة المرأة ودورها البيولوجي حملها على الاستغناء عن الذكر، استغناء كليًّا في جميع جوانب الحياة الروحية والمادية فالإله ذكر لتكن الطبيعةبدلًا عنه.

والتشريع ذكوري ليكن الإلحاد واللادينية بديلًا له، أو فلتأوّل النصوص من وجهة نظر نسوية.

والحياة الأسرية من أركانها الذكر فليكن أحد أشكال الأسرة المعاصرة هو النموذج العائلي النسوي وهو الأسرة المكونة من امرأتين، ولتكن العلاقة السحاقية نموذجًا معتبرًا داخل المنظومة النسوية.

هذا الاستغناء النسوي جعل المرأة النسوية تعيش حالة نفسية عصيبة بين ضرورة فطرية، وقيم مختلقة جديدة لابد من الركون لها، والمناداة بها،وهذه الحالة جعلت المرأة في حالة تنازل متتالٍ عن كل ما يربطها بتاريخها البشري، فهي لم تعد بنتًا لها حق الأبوة والاهتمام، ولم تعد زوجة لها حق الرعاية والواجبات، ولم تعد أمًّا لها حق البر والتقدير، هي امرأة تسير حركة الحياة الاستهلاكية لا أكثر، امرأة تعتلي واجهة المجلات، والمسارح، وأماكن الاستعراض، ومنتجات استهلاكية، ولا شيء غير ذلك.

في هذا الطريق المجهول المصير لم تعد تعلم المرأة النسوية هل هي أنثى لها صفاتها، وحقوقها الأنثوية، أم هي ذكر له حق التفرد، وامتلاك الخصائص النفسية والبيولوجية للرجل، ولعدم تحقق المطلب البيولوجي الذكوري للمرأةالذي حاولت أن تنشده من الطبيعة في هذه الرحلة المضنية فهي تائهة في طريق ردم بالصخور والمتفجرات، فقد تتناثر أشلاءها في أي لحظة.

هذه الرحلة المروعة في طريق العذاب أضاعت المرأة بسببها طريق العودة للكيان الأنثوي، والحياة الوردية بطيفها الأبيض، وتفاصيلها الباسمة.

النسوية في قضية استلابها الحضاري للضحية لا يهمها رغد العيش للضحية، أو تحقيق الأمان لها، أو المأوى، فهذه مطالب إنسانية ضرورية لدى جميع البشر، ولكنها مفقودة في الواقع النسوي، قد يكون قارعة الطريق، أو العمل في الملاهي الليلية، أو تنظيف دورات المياه في المطاعم هي فرصة البقاء الوحيدة للمرأة النسوية الهاربة من رغد الحياة البشرية السعيدة، والتي أغرتها الدعاية النسوية بشعاراتها المزيفة.

هذا الاستلاب الحضاري في الحاجات المادية الضرورية تلاه استلاب للانتماء والهوية والولاء، لأنه لاوجود للنسوية معدومة القيم في وسط به قيم، فلابد من التنازل عن كل موروث قيمي وانتمائي للبقاء في هذا الوسط الضائع لإكمال رحلة الضياع تحت إضاءات خافته لا تُرى من خلالها معالمُ الطريق.

سقوط المحفظة

تقول “ليندا ألكوف” عن منهج السكوت التفكيكي: “والتي تبنّين هذا التكتيك في مهمة تفكيك وإعادة تفسير جميع المفاهيم عن المرأة، لأن أية محاولة لتعريف المرأة سواء من قبل النسويات الأخريات أو كارهي النساء على حد سواء هي رجعية سياسية”.

فالنسوية تعارض التفكيك النسوي امرأة بيضاء، سوداء، مثلية…الخ، هذه المعارضة الفكرية والتي تعتبر أصل من أصول الفكر النسوي تحمل على جعل المجتمع النسوي طيفًا واحدًا فقط هو طيف (أنثوي) يحمل مزيجًا قيميًا من كل تلك التشكيلات الفكرية المختلفة، هذا الأصل كان الحامل عليه هو إيجاد أرضٍ جديدة للنسوية بقيم وأخلاق ومنظومة جديدة تشرعن لكل قيم مخالفة للسائد المألوف في المجتمعات البشرية، في محاولة لإيجاد مرجعية ثقافية يحتكم إليها في الصراع النسوي.

وكذلك لتكون هذه المرجعية الثقافية المتناقضة مع القيم الإنسانية مرجعية انتماء وهوية للنسوية، لأنه عند حالة الإسقاط الذاتي للأنا في المنظومة النسوية فلا بد من إيجاد بديل لسدّ فراغ ذلك الإسقاط مخافة أن تحل فيه قيم ومرجعيات أفضل مما تم إسقاطه، فكان إحلال التنازل عن القيم والدين والأخلاق هو السبيل إلى ذلك، ليخرج لنا بعدها جيل نسوي لايحمل أي دلائل ثبوتية في مسيرته الحضارية.

هذا التمييع للانتماء في التيار النسوي حملهن على محاولة إعادة تعريف الأنثى، وأنها ليست منظومة ثنائية مع الرجل، أو نصف المجتمع، أو قلبه النابض، بل هي المجتمع كاملا، والكائن العاقل الوحيد، والتفرد الجديد، واعتماد أيدلوجيات جديدة لإعادة صياغة الهوية الأنثوية هذه الصياغة تقوم على النزعة الجنسية فقط، وكأن هذا الأمر هو المحدد الأول للهوية الأنثوية، تقول إيف كوسوفكي: “ضرورة أن يتم تحديد هوية الإنسان وفقًا لممارسته الجنسية، بحيث تصبح ممارسة الجنس –سواء بين أفراد الجنس الواحد أو جنسين مختلفين- هي السبيل إلى تحديد هوية الإنسان”.

هذا الهبوط الأخلاقي في تعريف الهوية لدى النسويات ليس غريبًا بعد معرفة مدى التنازل الذي قدمنه من دينهن وأخلاقهن وقيمهن للوصول لهذا المنحدر السحيق الذي لم تصل له البشرية في أي عصر من عصورها.

صنع النموذج الحي للنسوية بتمجيد النموذج الغربي منها كان سببًا لتسهيل فقدان الهوية في المجتمعات المسلمة، حيث أظهرت المرأة الغربية على أنها امرأة متعلمة، متحكمة في جسدها، وحياتها الجنسية، وتتمتع بحرية الرأي واتخاذ القرارات.

كان أول إسقاط للهوية صنعته النسوية هو إسقاط الرقابة الذاتية من النفس، فلا إله يخشى، ولا مجتمع تراعى حقوقه، ولامصير تعد العدة له،وليس هناك دور إيجابي ينتظر، ويخطط له. حينما سقطت هذه الرقابة الذاتية من نفس المرأة النسوية لم تعد تبالي بشناعة تصرفاتها، وقبح مسلكها، ونظرة المجتمع لها. هذه الرقابة سقطت لدى النسوية عندما أسقطت كل مقدس في حياتها من رب ودين وأنبياء، وقالت إنها جميعًا منظومة ذكورية يجب تركها، واستبدالها، فالإله الذكري تحل محله الطبيعة إله أنثوي مقدس، والأنبياء يأتي مكانهم رموز النسويات، والدين تستبعد منه كل النصوص الذكورية، ويأتي بالنصوص الأنثوية فيعاد تفسيرها بما يتناسب مع منهج النسوية، ولنأخذ من الدين ما ثبت به صدق أفكارنا فلفظ (الزوجين) في القرآن ليس المقصود به الذكر والأنثى وإنما المقصود به الشيئين المتماثلين لافرق بينهما أبدا، وهذا النص قالت عنه النسوية إنه هو الذي قرر الجندر، ثم زعمت النسوية أنه إذا كان الذكر له سبق الخلق والإيجاد قبلها فإنما هو سبق مادي بخلق الجسم، أما السبق في الخلق الروحي فهو للمرأة واستدل النسويات بقوله تعالى {وخلق منها زوجها ليسكن إليها} فهي سابقة بالخلق الروحي على الخلق الجسمي.

هذا الإسقاط الذاتي للرقابة تلاه إسقاط سلوكيّ في التصرفات والأقوال، فخرجت المرأة النسوية نسيجًا شاذًّا عن كل قيم المجتمع قولًا وعملًا، كانت البذاءة هي منطقها، والعري مظهرها، وغياب الحياء شعارها، المرأة النسوية لاتقبل النقد والتوجيه والنصح، ترى أنها تعيش حياة لا يلزمها صلاح السلوك فيها، مفهومها للحياة إشباع اللذّات بشكل متتالٍ بأي طريقة كانت، فهي لاتقيم لتلك الطرق وزنًا ولا أهمية.الأهم لديها حالة الإشباع والاكتفاء بأي طريقة كانت داخل منظومة نسوية أسقطت كل القيم والأخلاق والعادات.

هذا الإسقاط المتتالي لأجزاء الهوية جعل النسوية نكرة في مجتمعها فلا أسرة تعترف بها، ولا مجتمع يحتويها، فتعيش في صراع داخلي، هذا الصراع انتقل إلى صراع خارجي أيضا فأخذت تعادي وتحارب كل شيء فقدته في رحلة سقوط هويتها، هذه الحرب التي أسعرتها أغلب النسويات ليست بالضرورة ثورة على الموروث ولكنها نتيجة الانهزام الذي لحقها في جميع مراحل حياتها فجعلها حاقدة ناقمة على كل سائد حولها، لو كان سقوط الهوية عن النسوية أمرًا سهلًا بالنسبة لها، ومتقبلًا في مجتمعها لواصلت مسيرتها المتعثرة بذلك السقوط، ولكن لقوة الألم النفسي الذي تجرعته لتصل إلى مرحلة السقوط، وللرفض الذاتي في نفسها لهذا السقوط الذي يناقض فطرتها، ولنقمة المجتمع ورفضه لكل من تشذ عنه،تحولت النسوية إلى وحش في سلوكياتها وأفكارها وطموحها.

فقدان الهوية

في لحظة الهروب النسوي من الواقع، ومحاولة إيجاد منظومة جديدة تحتوي هذا الهوى الفكري القادم، وللقناعة الذاتية المتمكنة في الأعماق لدى النسويات أن الرجل سيكون أمرًا مهمًّا في الحياة، عمدت النسوية إلى صياغة خيال نسويّ يغطى على تلك القناعة إمعانا منها في تبريرهاللانسلاخ من كل القيم البشرية، وتمرّدها على كل الموروثات الدينية هذا الخيال كان هو “السبورغي” يرون أن هذا الكائن السبورغي هو كائن هجين من آلة و كائن حي، وعلى قول إيف “إنه بمثابة عقار وقائي رائع ضد اشتهاء المغاير واستنساخه”. وجعلوا من هذا الكائن بديلًا عن الرجل في نظرهم.

هذا الكائن أو المصطلح السبورغي الذي اخترعته النسوية لتحقيق هوية لها رسمت له شكلا تتوحد فيه “الساحرات، والمهندسات، والمهنيات، والسود والبيض من النساء” القرابة فيه ليست قرابة دم، ولكن قرابة اختيار. مما يجعلنا نتساءل دائمًا: لماذا النسوية تعادي الرجل، ثم تسعى للوصول إلى مجاراته؟

هذا التساؤل يوقع النسوية في مأزق اجتماعي وفكري، وهو محاولتها الانسلاخ، ثم الاستلاب، ثم الاستعلاء، وفي جميع هذه المحاولات كانت عملية فقدان الهوية هي الأمر المصاحب لها، فلا هي بقيت أنثى يتمركز حولها كما تريد، ولا هي صارت ذكر كما ناضلت.

وكان مما استنتجته النسوية أن الأخلاق الإنسانية واحدة فلا فرق بين رجل وأنثى، فالجميع مقياس أنثوي في نظرهن، ولكن وفق مثالية رجالية يسعين للوصول إليها، الذكورية هي قضية النسوية الأولى حتى في إسقاط الهوية، يردن إسقاطها عن النموذج الأنثوي المعهود، وإحلال النموذج الذكوري مكانها تحت مسمى نسوي، “النسوية الجديدة المعاصرة نسوية الحداثة وما بعد الحداثة هي منظومة فكرية وسياسية واجتماعية ودينية، تسعى إلى إلغاء جميع الفروق وتناضل ضد أيّ تمييز، مطالبة بالمساواة المطلقة، ومقوّضة للقراءة التاريخية المسبقة، وكل مرجعية هي بنظرها قراءة ذكورية متحيزة، “تتحول حركة التَّمركز حول الأنثى من حركة تدور حول فكرة الحقوق الاجتماعيَّة والإنسانيَّة للمرأة إلى حركة تدور حول فكرة الهويَّة”[10].

هذا الفقدان للهوية لدى المرأة النسوية جعلها خطرًا على مجتمعها، وعلى دينها، وعلى أسرتها، فهي ليست جديرة أن تدير أي مصلحة بشرية، وليست أهلًا أن تكون صاحبة سلطة وقرار، هي تعلن الحرب والعداء في منظومتها، فكيف توضع في أماكن قيادية ستحيل الشعوب إلى خراب ودمار، فتضييعها للأمانة في نفسها غير مطمئن لحفظها ذلك في أي ميدان كانت فيه، وخيانتها لدينها وأسرتها ووطنها يجعلها محط ملاحقة ومطاردة لإقصائها وإبعادها فهي تفكك تلاحم وترابط المجتمع.

حتى الإنسان في عصوره البدائية كان يسعى إلى تكوين مجتمع تكتمل فيه حاجاته الضرورية، ويسوده الأمان، وكذلك سارت وتطورت مطالب المجتمعات الإنسانية، ولكن النسوية وصلت إلى مرحلة رجعية تفوق ما كان عليه البدائي، بل تتميز عنه أنه كان يسعى للتطور والرقي، وهي تسعى للانحطاط بما لا يتصوره عقل بشري. كانت هذه المرحلة بحق مرحلة فقدان للهوية الإنسانية.

بدل فاقد

في حالة الضياع يشعر الإنسان برغبة ملحة للاستناد لأي مرجع يعترف بانتمائه، كمن أصيب بدوار ويبحث عن أقرب عمود يستند إليه ويتشبث به، هذا الاستناد المرجعي لم يكن عن قناعة بذلك المستند، أو إدراك لأهميته، أو لجودة مميزاته، ولكن كان حالة تشبث غريق بقشة لا أكثر.


همسات

  • لو علم الله أن في خلقك مفردة خيرًا لك لكنت كذلك، ولكن لا سعادة لك بدون عائلتك.
  •  قيمتك في الحياة تكمن في مدى قيامك بدورك، وسعادتك في نجاح الدور.
  • دينك هو الذي منحك قيمتك في الحياة، ولحظة تضييعه فقدت القيمة.
  • هويتك تمنحك الفخر أينما كنت، وعند ضياعها لا أحد يحترمك، أو يعترف بك.
  • لا تجعلي من نفسك متجرًا يتبضع فيه من شاء، بل كوني قصرًا ينظر إليه ولا يمكن الولوج لغير ساكنيه.
  • بعد الخمسين أين أكون؟ اسألي نفسك هذا السؤال، واعلمي أن إجابته يعدّ لها العدة من الآن.
  • الله، القبر، الآخرة، الجنة، النار….ترى ماذا أعددت لذلك.

بوح

أنت فصل الربيع، ونجمة المساء، وأمنية الحياة.

أنت السعادة، والسكينة، والحب.

أنت الجمال، والأمل، والفرح.

لا تكوني غير ذلك، فتفقدي كل ذلك.

اقرأ ايضاً: أربع أكاذيب نسوية تؤدي بالنساء إلى البؤس


[1] – الهوية الأنثوية: وجهة نظر نسوية,سامية العنزي1 – جماد أول – 1438 هـ| 29 – يناير – 2017أون لاين.

[2] – النسوية النسائية الشابة, هند محمود , شيماء طنطاوي.ص13.

[3] – أحلام مستغنماتي، ذاكرة الجسد،ص 400.

[4] – سارة صالح، “جوديث بتلر”, بتصرف.

[5] – الجنس الآخر, سيمون دي بوفوار. ترجمة مجموعة من أساتذة الجامعة، 1949، د. م.

[6] – النسوية واليسار, حوار مع ليندا أليكوف, موقع الحكمة23/4/2018.

[7] – هو نظام اجتماعي يقوم على اعطاء الرجل سلطة على المرأة سواء اب أو زوج أو أخ, وفق تعارف اجتماعي محدد.أنظر: برنامج النوع الاجتماعي والتنمية، مصطفى بشارات, بتصرف.

[8] – نظام اجتماعي يقوم على تقسيم المجتمع إلى ذكر ومؤنث لكل منهم ثقافته وخصائصه ومميزاته الخلقية, والفكرية. أنظر: برنامج النوع الاجتماعي والتنمية، مصطفى بشارات, بتصرف.

[9] – انظر حفناوي بعلي, مدخل نظرية النقد النسوي.

[10] –  قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الانثى، ص20.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى