عام

أشعر وفكّر كمحامي: دور العاطفة والتفكير القانوني في صناعة القرار 2/2

  • بقلم: كرستين كونراد*
  • ترجمة: سارة محمد الخالدي
  • تحرير: أحلام محمد علي

 

  • ملاحظة: هذا الجزء مكمل لجزء سابق مرتبط بترجمة أهم النقاط المذكورة في ورقة بحثية كتبها كرستين كونراد بعنوان (أشعر وفكر كمحامي) ، وفصّلنا في القسم الأول الحديث عن نظرية ” داماسيو ” للعاطفة وتأثيرها على المحامي في مرحلة البحث القانوني وضربنا مثال بقصة المحامية بيف وعميلها جاك.

 

صياغة قصة العميل

قد أقرّ أرسطو ، أن المحامين يتخذون من العاطفة سبيلًا للتأثير على الجمهور فيصبح -المستمعون- في حالة ذهنية يتعاطفون بعدها مع وضع موكليهم ، ثم يتأثر بها كلٌ من القاضي وهيئة المحلفين ليكون القرار في صالح موكله. وسرد القصص بالتحديد يمكّن المحامي من جذب مخيّلة الجمهور وانتباههم فيستفيد من تجاربهم المشابهة لموقف موكله ويحثهم على التعاطف معه، وحسب توضيح عالم النفس الأمريكي غاري كلاين [1]أن السرد القصصي يساعدنا على صنع القرار لكن منبع قوته ليس من (المنطق) ؛ فنحن نفهم العالم الخارجي من خلال النماذج والقصص التي تساعدنا على تنظيم عالمنا الداخلي المتضمنة : المفاهيم والأفكار ، الكائنات و العلاقات. هيئة المحلفين على سبيل المثال ، تتعامل مع الأدلة في قضية شائكة بتأسيسها كقصة -أولًا- ثم يقارنون تلك القصص المتعارضة التي يخبر بها محامو الأطراف – مع القصة التي في مخيلتهم -.

ولا زال علماء القانون يكتبون باستفاضة عن قوة القصص و كيفية إنشائها وتحليلها، لذلك قصة العميل المفيدة تنطوي على عناصر قصصية أي : شخصيات قوية ، و صراع ، مؤامرة متناغمة داخليا ومقبولة ، و حلٌ مرضٍ مثير للاهتمام. وفقًا لروث آني روبينز وباقي المؤلفين[2] يمكن للمحامين الاستفادة من قصّ قصص موكليهم استنادًا إلى قصص نمطية لشخصيات مثيرة للإعجاب بما فيهم المحاربين و المبتكرين ، الكرماء ، الأبرياء والمكتشفون والأشخاص العاديون. ويدافع كلاين عن ذلك أن القصص تعمل محاكاة ذهنية فتعيننا على خلق قرار حدسي.

لنفترض أن بيف رفعت دعوى ضد مدرسة عميلها جاك بموجب الفقرة 42 من القانون الدستوري الأمريكي لسنة 1989م بدعوى أن تعليقه عن الدراسة ينافي حقه المذكور في ( التعديل الأول )[3] ، بعدها ردت المدرسة بطلب حكم مستعجل (دون هيئة محلفين)[4] حينها تجهزت بيف لعمل اعتراض على هذا الطلب. بينما تتجهز بيف للطريقة التي ستقوم بها بإعتراض وجداني يؤثر على القاضي يتضح انها استعملت العاطفة لتتخذ مثل هذا القرار ، بما أنها ستصيغ الالتماس فهي بحاجة لإختيار شخصيات ، نزاع ، طبيعة القصة ، فمن هي الشخصية الرئيسية ؟ بالتأكيد لن تكون المدرسة، فهل ستختار الطالب ؟ أم الحق الذي أنتُهِك ؟ واذا اختارت جاك ما الشخصية التي ستمثله ، أمحارب للحق المنتهك ؟ أينظر له كشاب مخلص مظلوم بشكلٍ ما ؟. وهي ملزمة بصياغة صراع فهل ستجعله دائرًا بين حق حرية التعبير وبين ما يقع على كاهل مدير المدرسة من مهمة تعليمية ؟ أيكون بين الطلاب الموجودين في الصورة وزملائهم المتوقع ضررهم منها ؟ أم هو بين الطالب وبين ناظر المدرسة ؟

إجابات تلك الأسئلة سيكون لها تأثير على حجج بيف القانونية وعلى الجانب النظري للقضية ، كما فسّر دامسو فإن الإجابات لن تنتج من العقل وحده ، لذلك تصورات ومشاعر بيف عن طبيعة سلوك جاك ستؤثر على قرارها. فهل كان يُسمح أخلاقيا لجاك أن ينظم تلك الصورة دون أن يبرر مقصده من ذلك التنظيم ؟ هل يهم إذا لم يكن جاك مدرك لخطورة الرمزية وراء تلك التحية ونتيجة لذلك، لم يقدّر وقع تأثير تلك الصورة على الطلاب اليهود أو الطلبة ذوي البشرة المختلفة ؟ هل يمكن أن يُنظر له كـ”بريء” في حالته تلك ؟ وبصرف النظر عن نية جاك ، هل الرمزية الخاصة بالتحية النازية والأذية المتوقعة منها تؤدي بأن يعتبر سلوك جاك مستهجنًا أخلاقيًا ؟

فسّر جوناثان هيدت[5] أن الأحكام الأخلاقية تظهر في إدراكنا نتيجةً للحدس الأخلاقي … ،  ولاحظ أن الحدس الأخلاقي معقد أكثر من كونه تقديرًا لأذى الآخرين وأشار بحثه الى أن الحدس يصنف لعدة أصناف وهي : اهتمام / أذية ، عدل / خداع ، ولاء / خيانة ، إدارة / تخريب ، ورَع / انحلال ، حرية / قمع. أذا تحرك حدس بيف وأخبرها أن جاك لديه حق جوهري في الاعتراض على نشر وتوزيع تلك الصورة فمن المحتمل أن يكون حدسها متأثرًا بفئة الحرية / والقمع ، واذا شعرت أن أفعال جاك محتقرة في حد ذاتها مقاربة لأذية عدد من الطلبة في مدرسته ، فحدسها سيكون متأثر بفئة اهتمام / أذية .

اختيار الحجج وتنظيمها

لنفترض أن بيف أطّرت شخصية جاك في القصة كالمحارب/المظلوم اعتمادًا على أن للطلبة الحق في التعبير بالمدارس – حسب التعديل الأول- برغم من محدودية ذلك الحق وتغاضيًا عن فعل جاك الذي أُقرَ بفضاضته ، فحقه في التعبير مكفول ، لذلك فإن الصراع سيدور بين حق الطلاب الأساسي وبين التدخل الحكومي لا صراع مصغر بين طالب ومدير لأن الأول أكبر وأكثر تكرارًا  ، وبعد أن خلصت بقناعتها أن تصرف المدرسة لا يتفق مع ما تسمح به سابقة تينكر القضائية ، غيرت اختيارها و التفتت لـ(دعوى تجريبية)[6]حديثة في أحدى الدوائر القضائية (الدائرة التاسعة) وقُصِد من رفع تلك الدعوى فرض القيود على حق التعبير اذا حصل خارج حدود المدارس أو الجامعات، وفي الدعوى التجريبية ستنظر الدائرة ما إذا كانت سنتطبق حيثيات قضية تينكر على حالة التعبير خارج الحرم المدرسي ، وستهتم بثلاث ظروف لتقرر ارتباط ذلك النوع من التعبير بالمدرسة : 1 – درجة وأرجحية الضرر أو الضرر الممكن الناتج عن تعبير الطلبة ، 2- ما اذا كان من المعقول أن يصل تعبير الطالب إلى المدرسة ويؤثر عليها ، و 3- العلاقة التي تربط المحتوى الذي عبر عنه الطالب وسياقه بالمدرسة.

ولأن بيف حللت هذه الظروف مسبقًا (والدعاوى التي تفسرها) لذلك عند ترافعها ستقر أنه بشكل عام لا ترتبط تلك الظروف مع سابقة تينكر القضائية ، اذا يجب عليها اختيار واحدة من السوابق المتبقية التي ستستند إليها وتستخدمها لدعم حجتها القائلة / (أن تعبير جاك لم يؤدي لاضطراب كبير وان حصل اضطرابفإنه لم يكن متوقعًا) ، (وحجتها الأخرى أن تعبير جاك لم يتعارض مع حقوق الآخرين) ، فأي قضية قانونية من القضايا السابقة ستساعدها على تعيين مبادئ سيادة القانون المعمول بها أو السارية ؟ وأيها أقرب فعلًا لقضية جاك ؟ وأيها سترتكن إليها ؟  أما فيما يتعلق بتنظيمها للحجج القانونية ، فمن المرجح أن تبدء مرافعتها بمدى انطباق سابقة تينكر القضائية طالما أنها هي محل الخلاف ، في خضم هذا المسألة ، عليها أن تقرر أي حججها السابقة هي الأقوى. فربما ستقرر حجتها الأقوى معتمدة على العامل الثالث (3) الذي يقر وجود رابطة ضعيفة بين فعل جاك والمدرسة ؛ وأساس الرابطة أن الصورة قد التقطت خارج حدود المدرسة لمصلحة موضوع مرتبط بالمدرسة لكنها لم تشرف عليه، المتعارف عليه من الرأي يملي على بيف أن تبدأ بتلك الحجة ، وستستنتج أيَضا أن أضعف حججها متصل بثاني العوامل (2) لأن ما فعله جاك بتعبيره وصل بوضوح للإدارة – والناظر علم بالأمر وحققَ مع جاك – فما الذي عليها فعله في هذا الحالة ؟ أستضع أضعف الحج في آخر ترافعها ؟ ألن يترك ذلك انطباعًا سيء للمحكمة ؟ الآن على بيف أن تعمل بالإختيارات المنظمَة المعتادة اذا احتجت بثاني المشكلات فحتى إذا انطبقت سابقة تينكر على حالة جاك ، فتصرفه لا يعد جريمة. أستجادل بحجة الاضطراب ابتداء لأنها أقوى الحجج ؟ أم ستنتهي بها ؟ لا توجد أية أسس لتتبعها وتتخذ القرار ؛ لأن تلك الخيارات تقديرية ترجع للشخص ، وخاصة به تحكمها الظروف المحيطة. لذلك ستختار بيف القضايا وتنظم حججها وفق حلقة متكررة من التفكير / السريع والمتباطئ يستدعي خلاله مجموع خبراتها وعواطفها ، فالمُساعد هنا -للبت في القرار- هو سر المهنة لا العلم.

أقصوصة القانون والقياس المنطقي

القياس المنطقي أو التمثيل هو جزء من رواية القصة ؛ ذلك أن المحامين يقارنون بين قصص موكليهم والسوابق القضائية المنظمَة مسبقًا ، وتبعًا  لفعل بيف بأن اختارت قضايا محددة تحتوي اسهابًا في التفسير و مقارنتها بين كل قضية ، ستعتمد -في الخطوة التالية- على قضايا معينة لتشير إلى نتائجها التي تخضع لمبدأ مراعاة ما بُتَ تقريره من سوابق قضائية[7] ، وما تبقى من قضايا ستميزها بأنها مشابهة من أول نظرة لكنها لا تماثل السابقة في إملائها نفس النتائج، التحدي الأكبر أمام بيف في أن تحدد أوجه التشابه والاختلافات وأيها يُهِم -بالتحديد في الحقائق والملابسات المرتبطة بالقضايا و السياسات التي يستند عليها القانون- . لا نملك -نحن القانونيين- قواعد منصوصة نتبعها لنبتُ في أي من القرارات السابقة ذكرها ، وتلك القرارات وصفها ستيفن بورتن[8] بـ”القرارات ذات الأهمية”. كلاين لاحظ ما الذي يدور في خلدنا اذا ما واجهنا الحيرة السابقة -فيقول- بأننا نكون عرضة للخطأ واغفال القضايا المهمة أو اختيار قضية مضللة أو بأن نفشل في تفسير أحدى القضايا بشكل صحيح. وبالرغم من ذلك ستستعين بيف بالعاطفة الداعمة للعقل لتبت في قرارها.

العديد من المبادئ القانونية والظروف المرتبطة بدستورية توقيف جاك مستلزمَة حكمًا أخلاقيًا وحدسيًا أيضًا،  كما أشار مايكل مور[9] ” عندما يأمر الدستور القضاةَ باحترام حق التعبير لكل مواطن ، هو يطلب منهم (ومن المحامين) استيعاب القرار القانوني بناءً على أسس أخلاقية” ، وفي حالة جاك هنالك عدة مبادئ قانونية وظروف مرتبطة بتلك المبادئ تتضمن معايير مرنة مثل ألفاظ “صلة كافية” و “يمكن توقعه لحد معقول” و  “انقطاع جوهري”[10]، و المغزى من الصفات السابقة (كافٍ) و (معقول) و (جوهري) يخضع لمجمل الملابسات – في القضية – وبالضرورة ستحيلنا -تلك الملابسات- لحكم وحدس أخلاقي على السواء.

الفائدة من الإستعارة

مثل رواية القصص ، الإستعارة أو الكناية تساهم في صنع القرار القائم على العاطفة. في البلاغة ، أرسطو حثّ على استعمال الإستعارة في الأسلوب الكنسي ، وقال أننا نفهم بسهولة بطريق المتعة وطالما أن الإستعارة هي أداة ذات سلطة على فهم المعرفة وصناعتها فهي أمتع مظاهر الخطابة. وكما فسر كلاين أن الإستعارات لا تؤثر على تفكيرنا فحسب بل على مشاعرنا أيضًا  : ” الإستعارة لا تزخرف افكارنا فقط إنما تشيّد أفكارنا ، تكيّف تعاطفنا وردودنا العاطفية ، تعيننا على إتمام وعينا بالظروف ، هي تهيمن على الأدلة التي نراها بارزة والنتائج التي نسعى لتحقيقها” ، وكما صاغها أيضًا مايكل فروست[11] الإستعارات هي ” مستودعات للحكمة الكونية وللنفوذ العاطفي ” ، ومن اللافت أننا نَحس بسحر الاستعارة دون أن نعي ، لذلك لا نستطيع نسيانها.

بينما بيف توضح حجتها ، قد تتسرع أو تتأنى في بناء استعارة فعالة لتدمجها مع حججها الرئيسية. وبتمثيل جاك كشخصية المحارب / المظلوم الذي تورط في مصاعب ليحمي حقه في التعبير كطالب ثانوية ؛ سيكمله -تلك الشخصية- استعارة يتوجب على بيف اختياراها لننساب قصتها ، فإذا رغبت في تصوير صبغة مماثلة لتصرف جاك ستدعوها بالـ( المزحة الطائشة العفوية ) ، وإذا ارادت أن تركز على صبغة تصف بها عقاب المدرسة ستقول أنها كـ( الإساءة الأبوية ) ، وإذا ارادت أن تلفت النظر لخطر الانتهاك الدستوري ستستعير قصة ( داوود وجالوت )[12]، ولتكون الاستعارة المختارة فعالة عليها التكهن باستعارة المدرسة المضادة. و كما أثّر الحدس الأخلاقي لبيف في صياغتها لقصة جاك ، سيؤثر ايضًا على اختيارها للاستعارة وأشكال الخطابة الباقية.


  • كرستين كونراد هو أستاذ للقانون، وممارس قانوني في مركز القانون بجامعة جورج تاون، والرئيس الحالي لمعهد الكتابة القانونية، وهي منظمة غير ربحية وجدت لتحسين التواصل القانوني وبناء نظام الكتابة القانونية في التعليم القانوني.

[1] عالم نفس أعتاد أن يدرس الماهية التي يمكن أن يتخذ المرء فيها القرارات تحت الضغط منذ عام 1980م الى الآن، يرفض كلاين وجهة النظر التقليدية القائلة بأن صنع القرار يعتمد دائمًا على المنطق الاستنباطي ، وتحليل الاحتمالات ، والأساليب الإحصائية (المؤلف)

[2]  يقصد الكاتب مؤلفي كتاب (Your Client’s Story: Persuasive Legal Writing) على رأسهم روث آني روبينز

[3] التعديل الأول هي مادة في وثيقة الحقوق من الدستور الأمريكي التي تنص على حرية التعبير.

[4] في هذه الحالة يطالب أحد الأطراف بحكم دون مرافعة لعدم كفاية أدلة أحد الأطراف ويكون الحكم واضحًا لصالح الطرف المطالِب بالحكم المستعجل.

[5]  جوناثان هيدت عالم نفس أخلاقي ،  درس تأثير الحدس على الأحكام الأخلاقية (تقييمات الخير والشر) ، ويجادل بأن الأحكام الأخلاقية هي نتيجة الحدس والعاطفة وليس العقل (المؤلّف).

[6] الدعاوى التجريبية هي تصرف قانوني يهدف لإقرار سابقة قضائية أو هي دعوى تمثيلية ينتج منها ما يساوي السابقة القضائية .

[7] (pstare decisis) مبدأ قانوني المعنى الحرفي منه فليستمر الحكم ، والمعنى في السياق هو احترام السابقة القضائية التي قد بُتَ فيها  وأن يلتزم بما سبق تقريره في تلك السابقة .

[8]  ستيفن ج.بورتن ، برفسور قانوني ألّف كتاب (AN INTRODUCTION TO LAW AND LEGAL REASONING)

[9]  بروفيسور ومحامي أمريكي مختص بالقانون الدستوري والجنائي.

[10] جميع ما سبق هي أسماء لدعاوى تجريبية مرتبطة بمدى انطباق سابقة تينكر على حق التعبير الإلكتروني ، للتفصيل أكثر قراءة هذه المقالة https://jolt.law.harvard.edu/digest/student-free-speech-rights-on-the-internet-summary-of-the-recent-case-law

[11]  برفسور في التحليل القانوني بجامعة ساوث ويسترن القانونية.

[12]  يقصد المؤلف هنا قصة داوود عليه السلام المحارب الشاب المدافع عن حق شعبه ، وجالوت الملك الظالم والصراع الذي قام بينهما.

المصدر
ssrn

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق