عام

أشعر وفكّر كمحامي: دور العاطفة والتفكير القانوني في صناعة القرار 2/1

  • بقلم: كرستين كونراد*
  • ترجمة: سارة محمد الخالدي
  • تحرير: أحلام زينول

  • ملاحظة: كتب كرستين كونراد ورقة بحثية بعنوان (أشعر وفكر كمحامي) وقمنا بترجمة أهم النقاط الواردة في هذه الورقة([1])

في القانون والحياة نقدم المنطق على العاطفة، وننحي العاطفة منذ البدء ونجعل المنطق هو صاحب القرار، فالمنطق يحل المشاكل، ينظّم المجتمع، ويصفي تفكيرنا فيعيننا على اتخاذ أفضل القرارات، أما العاطفة تحكمنا وتدعونا للجموح والتهور منتجة خللًا بالمجتمع.

المنطق: ثابت، رجولي، منضبط ونرى أفضليته، على النقيض من العاطفة: الواهنة، الأنثوية، المندفعة، والتي لا نرغب بها. أليس كذلك؟

الغرض من هذه المقالة هو توضيح الدور الإيجابي الذي تلعبه العاطفة تحديدًا في التفكير القانوني من وجهة نظر ممارس له، هدفي هو إثبات أن العاطفة جزء ضروري ومرغوب فيه من “تفكير المحامي”. وسأشير إلى عدة نقاط أثناء استخدامنا للتفكير القانوني يتضح اتكالنا فيها على العاطفة بوضوح وبشكل ملموس، وفضلت وصفها بمصطلح (أشعر وفكّر)([2]) لأنه لا توجد كلمة في اللغة الإنجليزية تصف عمليتي التفكير والشعور في آن واحد([3]).

 

نظرية داماسيو([4])

نظرية (الواسمة الجسدية) لأستاذ علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا (أنطونيوا داماسيو) ، والوسمات الجسدية هي المشاعر التي تؤثر على القرار، وتلك المشاعر توجه عاطفتنا فتحدد ما اذا كانت نتيجة ذلك القرار جيدة أم سيئة أو مابينهما، وللتوضيح كمثال أن تضطر إلى اختيار العمل مع عدو صديقك ، في تلك الحالة ستكون الاستجابة الفورية بتخيل عدة صور وخيارات ونتائج  واحتمالات متضمنة خسارة ذلك الصديق ، أو العمل بتجارة جديدة، فبدلاً من إجراء تحليل طويل للفائدة من ذلك وتكلفته (وهو منهج عقلي بحت) نستخدم الوسمات الجسدية لنضيق نطاق خياراتنا.

الوسمات تعمل عمل المشاعر الغريزية لكن في أدمغتنا، عملها أن تساعدنا في اتخاذ قرارت دقيقة وصحيحة، وغالبًا ما تكون كافية في ذاتها؛ وإذا لم تساعدنا على البت في القرار ستحسن من وضعنا بأن تدخلنا في عملية تفكير منطقي نختار فيه بين البدائل المتبقية.

 

أين يجتمع (التفكير والشعور) عند المحامي؟

لنذكر أحداث مفترضة كتمرين نفهم به دور العاطفة الإيجابي في التفكير القانوني، مثال المحامية (بيف) التي تشعر بالحيرة في أن تقبل أو ترفض القضية التالية:

طُلب من بيف الترافع عن طالب ثانوية اسمه (جاك) من كاليفورنيا متهم بتنظيم ونشر صورة جماعية يقوم فيها مع 50 طالب من زملائه بأداء التحية النازية، الصورة التقطت خارج المدرسة قبل احتفال التخرج فوجدها آباء الطلبة و أصدقائهم ولم تجدها المدرسة ابتداءً، الصورة قصد بها وقفة احتجاجية على آخر قرارات مدير المدرسة الذي أراد بالقرارات تأديب زملائهم المتظاهرين داخل الحرم المدرسي، أرسلها الطالب على تطبيق السناب شات الذي عادة ما يخفي الصور والفيديوهات ما لم يلتقط المستلم لقطة للشاشة، لذلك يريد والدا جاك مقاضاة المدرسة على انتهاك حقوق ابنهما بموجب القانون الدستوري الفيدرالي.

تعمل بيف كمحامية لعشر سنوات في شركة قانونية صغيرة (فيها ثمانية محامين) لكن لا خبرة لديها في هذا المجال القانوني، لديها وقت لهذه القضية بالإضافة الى أن دخلها منخفض لسنوات، معظم عمل الشركة منطوي على الدفاع عن المتهمين لذلك يمكنها العمل منفردة، أخيرًا هي متزوجة برجل يهودي الديانة وتحولت لليهودية بعد زواجها منه، وأحد أقارب زوجها مات في المحرقة بسبب النازيين.

هذا السيناريو أبعد ما يكون عن الواقع لكن يمثل حالة معقدة ومتعددة الأبعاد تتطلب اختيارًا شخصيًا ومهنيًا سيواجه المحامي صعوبة في اتخاذه، سيتبادر للذهن عدة سناريوهات لخيارات قبولها ورفضها ونتائجها المتوقعة، ستتخيل بيف الوضع الذي ستواجهه إبتداءً بكيفية مقابلتها للعميل وشعورها الفوري بالنفور منه بسبب تصرفه… ([5])، بالإضافة أنه من غير الممكن أن تحلل بدقة ما ستخسره وما ستكسبه عند قبولها للقضية، حسب قول داماسيو أن البشر سيئون في استخدامهم للاحتمالات والإحصائيات خاصة عند حسم القرارات الصعبة…([6])، لذلك (المنطق) لن يعينها وحده على اتخاذ القرار الصعب، وعند إقرارنا بذلك يحين دور العاطفة.

قبل أن تفكر بيف بمنطقية ربما شعرت بعاطفة أو مشاعر غريزية من شاكلة (ماذا لو) التي لا نعي بها، فتوجهها بعد ذلك لتعي نتائج أحد الخيارات فتنحي الخيار ذي النتائج السيئة، ربما لأنها تعاني من مشاكل مع زوجها تبعًا لآخر قضية وكلت بها فترفض قضية جاك دون تفكير حفاظًا على علاقتهما، وربما لأهمية حس العدالة لديها ستكافح وستقبل بسرعة هذه القضية  وتتعامل مع ما سيحصل لاحقًا بتأني، هكذا يعمل كلٌ من المنطق والعاطفة و يساعدانا على اتخاذ القرارات ، وبتلك الطريقة يتم معاونة العاطفة للمنطق.

هذه العملية تكرر نفسها بشكل أو بآخر طوال حياة المحامي : أثناء تمثيله موكليه، مقابلته لهم، إجابته على الاستشارات القانونية الهاتفية، مفاوضته محامي الخصم، مساءلته الشهود، ترافعه في المحكمة،  وهكذا دواليك، لكن تركيزي هنا على مواضع أثناء بحث المحامي وتحليله للبيانات وترافعه وجداله مع الخصوم تصبح فيها -تلك المواضع- مرتكزة على العاطفة لا المنطق.

 

أولًا: في البحث القانوني

البحث القانوني بالنسبة للمحامين كاستخراج الذهب فهم يستعينون به مع رصيد خبراتهم، فينموا إيمانهم بقدرتهم على الوصول للخيط الأول من حل المشكلة، وقد تعلموا خطوات التحليل القانوني أثناء دراستهم بكليات القانون التي علمتهم غالبًا منهجيات التفكير القانوني المتداولة، أشهرها (منهج رومباور)([7]) أو مناهج مختلفة أخرى تؤدي نفس الغرض، وتلك المنهجيات وجدت لتساعدهم على تحليل الوقائع وتحديد ما المشكل القانوني فيها وإيجاد القانون المنطبق على تلك الوقائع.

بما أن بيف لديها خبرة ممتازة فبالتأكيد قد استوعبت تلك الخطوات في التحليل وفكرت من خلالها دون أن تعي، وخلال بحثها القانوني وجدت أن فعل موكلها جاك في نشره للصور من خلال مواقع التواصل محمي بموجب القانون الدستوري (التعديل الأول) والسابقة القضائية (تينكر ضد دي مورينس، مدرسة مجتمع الحي المستقلة) التي نصت المحكمة العليا فيها على قواعد منها أن تعبير الطالب لا يدخل ضمن مسؤولية المدرسة، لكن اكتشفت لاحقًا أن الحكم الصادر من تلك السابقة كان ينظم حق التعبير عن الرأي داخل الحرم المدرسي لا خارجه وهذا يخالف وقائع قضية جاك، ووجدت أيضًا أن (قضايا تجريبية)([8]) رفعت مرة أخرى في دوائر قضائية متعددة بخصوص السابقة القضائية “تينكر” نصت فيها أن التعبير خارج حدود المدرسة يلحق بحكم القضية آنفة الذكر، وأيضًا في قضية تجريبية أخرى وجدت دائرة قضائية صحة تصرف المدرسة في تقييد التعبير إذا كان لها علاقة كافية أو سبب كافي لتقييده مما يضعف موقفها في القضية([9]).

إذاً فمهمة بيف معقدة ومزدوجة  في البحث عن مدى مناسبة سابقة “تينكر” القضائية لفعل جاك، وإذا طابق ذلك فهل للمدرسة الحق في فصله، اعتبارًا لأولويات بيف ربما لم تضع هاذان الأمرين في الحسبان عند بدئها البحث، ثم إن عليها أن تقرر ما إذا كانت ستبدأ بقراءة وثائق مرجعية (كالمصادر الثانوية) أو أن تبدأ بالقانون نفسه، (السوابق القضائية كما في المثال)، وإذا اعتمدت السوابق القضائية فهل ستبدأ بسوابق المحكمة العليا، أو الدوائر الأخرى، أو المحاكم الفيدرالية بكاليفورنيا، أو مزيج من هذا وذاك، خياراتها لا حصر لها ؛ لكنها على الأغلب قد طورت أسلوبًا خاصًا بها بناءً على خبرتها السابقة.

وفقًا للإختيارات المتاحة لبيف ستكون استجابتها سريعة لمهمة البحث، فمن غير المرجح أن تقضي وقتًا في كتابة كل الأساليب المحتملة، بدلًا من ذلك يمكنها إيجاد حل سريع دون ان تدرك ، وذلك بإن تربط ذكرى قديمة مشابهة للمشكلة البحثية الماثلة أمامها، ثم تدير محاكاة ذهنية لترى أيجدي ذلك الحل أم لا، وإذا لم يجدي فإنها ستدير محاكاة ذهنية أخرى إلى أن تجد الحل المناسب، قد تعلم بتلك العملية لكنها غير مدركة بفعلها إياها، وكلما تعمق استعيابها اكثر اكتسبت بسببه فهمًا اكثرًا للقانون فتستطيع -حينها- أن تفكر (وتشعر) بأحداث قضية جاك بالطريقة التي صيغت بها تلك القوانين، ربما في تلك اللحظة تكون مستعدة لجمع القضايا الأكثر صلة ودعمًا لموقع موكلها القانوني -معتبرة اياها كسبائك ذهبية- .

أثناء تصفحها وتمحيصها وفرزها ابتدأت بجمع ما تحتاج، ربما كتبت جانبًا بعض الاقتباسات لبعض المصادر وألصقت نصوصًا في مستند خاص بها وربمًا طبعت تلك السوابق أو جمعتها في مجلد إلكتروني، بغض النظر عن الطريقة التي اتبعتها هي اعتمدت على عاطفتها الغريزية التي سماها داماسيو بـ(الواسمة الجسدية)، ففي هذه المرحلة لن تقرأ كل سابقة قضائية ببطء وتعمد أو تقوم بعمل مخططات أو ملخصات لكل قضية، لكنها ستعمل به لاحقًا اذا ما حصرت خياراتها.

أما الآن فعليها التفكير بسرعة، وكما شهد أغلب المحامين فإن التفكير بسرعة اثناء البحث القانوني بعيد كل البعد عن الإتقان؛ قد كان لدينا جميعاً تجربة في رفض سابقة قضائية على أمل أن نحصل على على قضية أكثر صلة، ثم نبحث بعدها -بلا جدوى- عن خيط اخر فيوصلنا الى القضية التي رفضناها مرة أخرى.

اقرأ ايضاً: الجزء الثاني أشعر وفكّر كمحامي


  • كرستين كونراد هو أستاذ للقانون، وممارس قانوني في مركز القانون بجامعة جورج تاون، والرئيس الحالي لمعهد الكتابة القانونية، وهي منظمة غير ربحية وجدت لتحسين التواصل القانوني وبناء نظام الكتابة القانونية في التعليم القانوني.

[1] الترجمة مقسمة على جزئين؛ الأول مدخل لفكرة البحث القائمة على دور العاطفة الإيجابي، وتوضيح أثره في البحث القانوني، والجزء الثاني يفصل في دور العاطفة عند مقابلة العميل، وأثناء الترافع والتفاوض في الخصومة القانونية.

[2] (Feelthinking) تعني بالعربية التفكير القائم على المشاعر، وقد اضافها الكاتب متصلتين ليكونَ بذلك مصطلحًا له مدلول واضح يصف عملية تجمع بين المنطق والعاطفة معًا لا المنطق منفصلًا.

[3] الباحث وفق تقسميه للبحث المقدم فصّل أولًا في جزئياته الأولى عن العاطفة في أصولها التاريخية ابتداءً بأفلاطون مرورًا بأرسطو نهاية الى فلاسفة وقضاة معروفين في القرون اللاحقة الى القرن الحالي، ففُضل عدم ترجمتها واختزال المقال بتلخيص عملية التفكير والشعور في (البحث القانوني، مقابلة العميل، التفاوض والترافع القانوني).

[4] سيطبق الكاتب هذه النظرية على عمل المحامي ومراحل استدلاله المنطقي، الباحث اختار عدة نظريات أخرى في ورقته البحثية مستند على علم النفس الإدراكي وعلم الأعصاب السلوكي لكن نظرية داماسيو كانت الأكثر تطبيقًا وذكرًا في عملية التفكير والشعور ففُضل ترجمتها منفردة.

[5] الباحث هنا أسهب في وصفه للحالة التي يمكن أن تقع فيها المحامية.

[6] الباحث هنا أستشهد بنظريات أخرى واقتباسات لداماسيو تعزز نفس الفكرة.

[7] هي طريقة في البحث القانوني رسمتها البروفسورة مارجوري جي. رومبور تقوم على خمسة نقاط أولًا جمع الحقائق، واختيار الكلمات والعبارات المناسبة لجعلها مفاتيح للبحث، تحديد المشكلة الأولية وصياغة البحث، تحديد السلطة القاضية المختصة وأخيرًا تحديد ما تعرفه عن مجال القانون.

[8] (Test case) هي دعوى رفعت خصيصا من أجل إقرار حق أو مبدأ قانوني هام تستخدم بعد ذلك كمعيار يمكن الحكم على قضايا مماثلة أخرى ضده.

[9] لحاجة المقالة للاختصار لم تترجم أرقام الدوائر القاضية ولم يترجم رد المدرسة المتوقع والمحتمل على ادعاء انتهاك حق التعبير.

المصدر
ssrn

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق