عام

الإرهاق: داء القرن

  • ميلسيا فوكس
  • ترجمة: فاطمة فرهود
  • مراجعة: أميرة السويدان
  • تحرير: عبد الرحمن الجندل

«إرهاق، احتراق وظيفي، إجهاد عقلي» هذه المفاهيم ميزت بداية القرن الحادي والعشرين، واتخذت أبعادًا جديدة مع القيود التي فرضتها الجائحة؛ لِمَ نتحدث كثيرًا عن الإرهاق؟ هل أسلوب حياتنا الحديث مُنتجٌ للإرهاق؟

بينما يرى بعضنا أن الإرهاق هو أحد أعراض الفردانية الحديثة، نقترح هنا أن ندرس التعبير عن الإرهاق كمطلب اجتماعي شرعي، وهو ما يعني أخذ احتياجاتنا الحيوية في الاعتبار.

في كتابه الممتاز: «تاريخ الإرهاق» يتتبع جورج فيغاريلو التحولات في الطرق التي فُهم الإرهاق من خلالها، والتعبير عنه وتمثيله ودراسته منذ العصور الوسطى في الغرب، تدور القصة التي يرويها حول تطور النظرة إلى الجسد البشري، وتطور القيم والهياكل الاجتماعية والثقافية التي تؤثر على العلاقة بالجسد، وتطور الاهتمام المعطى لبعض الأفراد أو لأشكال معيّنة من الإرهاق، في أوقات مختلفة؛ بِدَايَةً من إرهاق الفرسان أو الحجاج المتجولين في العصور الوسطى، وصولًا إلى إرهاق العمّال في القرن التاسع عشر؛ إن تاريخ الإرهاق ليس غريبًا على قيم العصر الذي يمثله، إنه قصة أولئك الذين يهمهم الأمر عن نقاط الضعف المعترف بها في المجتمع.

مفردات جديدة

يجب أن نسأل أنفسنا عمّا ينقله الخطاب اليوم عن الإرهاق في مجتمعاتنا المعاصرة، فهناك مفارقة حديثة ظهرت مع ظهور مفردات جديدة للحديث عن الإرهاق -الإجهاد، الاحتراق الوظيفي، الإجهاد عقلي-، فبينما نعيش في عصرٍ لدينا فيه الكثير من أوقات الفراغ، ولدينا الحماية التي يوفرها قانون العمل، مع ذلك يحتلّ الإرهاق مكانًا بارزًا في كل خطاباتنا!

وقد يجادل البعض بأنه وسيلة لاختراع أعراض مرضية جديدة، أو نتيجة زيادة مطالباتنا بالحرية ورفض أي شكل من أشكال القيود الخارجية.

في كتابه «مجتمع الإرهاق» يدافع بيونغ شول هان على وجه الخصوص عن الأطروحة القائلة بأن مجتمعنا الحديث لم يعد مجتمع «المراقبة والضبط» كما تصوّر فوكو، بل صار مجتمعًا يحث الفرد على الإنجاز والنجاح، حيث يكون كل شيء خال من أي سيطرة خارجية؛ ووفقًا لبيونغ هان، فإن أمراض الوقت الحاضر -الإرهاق والاكتئاب- لا تنتج عن قيود أو شكل من أشكال الاستغلال؛ بل على العكس تنتج من الإفراط في الإيجابية أو الحرية، ومن شرط الكمال الذي يفرضه الجميع على أنفسهم والمتمثل في “الاستغلال الطوعي للذات”.

إذا كان بيونغ هان محقا في الإصرار على هذه النقلة النوعية -وهي نقطة التحول إلى مجتمع يقدر الإنتاجية، ويدين الوقت الخالي من الإنتاج- فإنه مع ذلك بعيد كل البعد عن إثبات اختفاء القيود الخارجية حتى الآن، بل على العكس من ذلك، فإن «قيم» الإنجاز والنجاح هذه تحددها أيضًا سياقات ومؤسسات تتطلب بصورة متزايدة تنمية المهارات، وتقييم الأداء والتحكم فيه، وكذلك بالنسبة للفرد.

إشكالية قديمة

التكنولوجيا الحديثة للمعلومات والاتصالات وتطوير الشبكات الاجتماعية وأدوات التحكم، هي بالطبع تحديات جديدة لا يمكن لأحد أن يهرب منها.

ومع ذلك فإن الإرهاق أبعد ما يكون عن كونه قضية متعلقة بالقرن الحادي والعشرين، فقد أكد نيتشه من قبل في كتابه “إنسان مفرط في إنسانيته – ١٨٧٨م” على تطور القيم الذي أدى إلى رفض الراحة والسّباق على الأداء والإنتاجية: (في حالة فقدان السكينة فإن حضارتنا ستفضي بنا إلى همجية جديدة؛ لم يحظ الرجال النشطون -أي القلقون- في أي عصر من العصور باحترام أكبر من الذي يحظون به في هذا العصر)، انتقد نيتشه المجتمع الذي لم يعد يعي أهمية البطء، والتأمل، والسكينة، ويعطي الفضل فقط للنشاط والمنفعة.

وكتب كارل ماركس قبل نيتشه في كتابه “رأس المال – 1867م” فذكر أن إحدى المظالم الأساسية للنظام الرأسمالي هو حقيقة حرمان الأفراد من الراحة اللازمة، (سُرِقَ الوقت الذي ينبغي استخدامه لتنفس الهواء الطلق والاستمتاع بأشعة الشمس) ويتطلب أقصى جهدٍ من الجميع، منح حد أدنى من الراحة فقط التي بدونها لم يعد بإمكان الجسم المنهك العمل.

قدم صهره بول لفارج، في كتابه: “الحق في الكسل – 1883م ” وأظهر فيه نقدًا جَذْرِيًّا للمجتمع الذي جعل العمل بمثابة القيمة العليا من أجل تبرير استغلال العمال، وجعل قيمة العمل أداة أقل عنفا على ما يبدو من العبودية القسرية، ولكنها إشكالية مماثلة، وحتى ذلك الحين، كان من الممكن أن يمكّن تطوير التقنيات الجديدة الناس من العمل بشكل أقل، والحصول على مزيد من الوقت للراحة والترفيه وبدلًا من وضع التكنولوجيا في خدمة الاحتياجات البشرية، يبدو أنها وضعتها في المنافسة، مما أجبرها على إثبات فائدتها والنضال من أجل الحق في العمل أكثر فأكثر.

الهشاشة

ما الذي تغير اليوم؟ هل نحن مرهقون أكثر من ذي قبل؟

صحيح أن الإرهاق في العمل يصل حَالِيًّا إلى مستويات مقلقة، حيث يتعرض شخصٌ واحد من كل خمسة موظفين لخطر الإرهاق، وفقًا لمسح أجري عام 2019م، ناهيك عن آثار الوباء لا سيما في قطاعات معينة، مثل الصحة والتعليم العالي.

سيكون من المستحيل إجراء مقارنة تاريخية، أو محاولة تحديد درجة المشقة في سياقات أو حالات مختلفة، خاصةً وأن الإرهاق مفهوم متعدد، له أبعاد جسدية ونفسية وعاطفية.

لكنّ الذي يصدق عليه المعاصرة، هو أن الإرهاق غزا خطاباتنا وطرقنا في وصف أنفسنا، فنحن نتحدث عنه في كثير من الأحيان الآن، ونبتكر استخدامات جديدة وتعبيرات جديدة لوصف هذه الحالة -الاحتراق الوظيفي، والحمل العقلي الزائد، وما إلى ذلك-، وبينما كان للحديث سابقًا عن الإرهاق دلالة سلبية، فإن قبول الضعف أو الهشاشة الناجم عن المواقف التي تشكّلت منها المعاناة، يتم التعبير عنه اليوم على أنه ادعاء لاحتياجاتنا الأساسية النوم، والراحة، والحرية، والمعنى..

الإفصاح عن الإرهاق: مطلب اجتماعي جديد

تاريخيًا، كان أخذُ الإرهاق في الاعتبار وسيلةً لإبراز حالة الأفراد المحرومين سابقًا من التعبير والظهور داخل المجتمع، إن التعبير عن الإرهاق وتسميته، والبحث عن أسبابه وآلياته وتمثيله، يسير جنبًا إلى جنبٍ مع الاعتبار المجتمعي لأشكال المعاناة التي كانت حتى الآن مهملةً أو محتقرة.

حيث يهدف الجميع إلى تحقيق الذات، نطرحُ الفرضيةَ القائلةَ بأن الخطاب المعاصر حول الإرهاق يكشف عن عدم التوافق الحادّ بشكل متزايد بين النظم الاقتصادية والاجتماعية التي نعيش ونعمل فيها، واحتياجاتنا وتطلعاتنا كبشرٍ أحياء.

من الإرهاق الجسدي إلى الإرهاق النفسي

في هذا السياق، ينبغي أن نولي اهتمامًا أكثرَ من أيّ وقت مضى لما يعنيه التعبير عن الإرهاق، وخاصةً تغيير هذا الخطاب؛ فعلى مدار القرن العشرين، أصبح تمثيل الإرهاق تَدْرِيجِيًّا أكثر نفسانية وجوّانية، فيما يتعلق بالتجربة الشخصية أو الفردية، وفي ذلك يقول بيتر هاندكه، في مقالته عن “الإرهاق – 1996م” والتي وصفها بأنها -انفصالية- على سبيل المثال، (الانسحاب من الذات وانقطاع علاقاتنا مع العالم).

واليوم فإن الإرهاق قائمٌ في بُعد جماعي؛ فلم تعد حالة «أنا»، بل حالة «نحن»؛ على سبيل المثال نُشر عدد مجلة الفلسفة لعام م2019، وعُنون بـ: «لماذا نحن مرهقون جِدًّا؟»، أو في الإشارات المتعددة إلى إجهاد العمال ومقدمي الرعاية والفرنسيين، في وسائل الإعلام.

ويشير هذا التحول من الفرد إلى الجماعة إلى أن الإرهاق يأتي ليلعب دورًا جديدًا في مجتمعنا: أكثر من وصف حالة أو ظاهرة تؤثر على الشخص في علاقته الحميمة؛ فتصبح (ربما) أداة للمطالبة الاجتماعية.

اقرأ ايضًا: ثمان خطوات للتغلب على ضغط العمل (دون تركه)

أعجبني المقال

المصدر
lepoint

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى