عام

سكرة الشهرة

  • ياسر العوفي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

من إكرام الله للإنسان أن حباه عقله الذي يميّز به حقائق الأمور، ويرجّح به في المقارنات، ويسترشد به في المشكلات، ويهتدي به في لحظات الحيرة والشك. وركّب الله فيه خصائص الشهوة، التي تؤزه إلى إشباع رغباته دون وازع من دين أو ضابط من عقل، وتسعى إلى جذبه تدرّجاً واستغفالاً حتى تكبّله أو يرخي لها العنان مستسلماً في صورة المختار أو مختاراً في صورة المستسلم.

ويظلّ الإنسان على حاله هذه: عقلٌ يدعوه إلى فعل الشيء الحسن وسلوك المسلك الصحيح، وشهوةٌ تدعوه إلى فعل الشيء القبيح وسلوك المسلك الخاطئ. ولا يزال به الداعي من كل طرف يَعِده ويُمنّيه ما دام في الإنسان عِرق ينبض. ومن مدارات البلاء على الإنسان دوران هذه الحرب في نفسه، وبقاء نارها مسجورةً في فؤاده، ليختبره الله مع أي أطرافها وقف، وفي صف أي الجندين اصطف، وحول أي رايةٍ التف.

وغالبية الناس مستبصرون بهذه الحقائق ومدركون للمعارك الداخلية التي تدور في أنفسهم، ويتحسسون في بعض الأحيان آثاراً لتلك المعارك، إما بنبالٍ من الضمير يوخزهم بها، أو بأحمال من الشهوة على صدورهم تثقلهم بها.

ويبقى للشهوة الإصرار والإلحاح، وللعقل والدين التوجيه وكبح الجماح، حتّى إذا ما غلب إلحاح الشهوة نداء العقل والدين، لفّت بالأغلال أكفّ صاحبها وقادته إلى مسالك الرّدى، وأبقته في حالات يظنّ أنه هنيٌّ فيها سعيدٌ بتمكّنه منها، وهي ما مكّنته وما أسعدته ولكنّها أسكرته وغطّت على عقله بعذوبة لحنها، وبهاء صورتها، حتّى تضمن بقاءه معها تحت وطأتها وحكمها.

وقد قطع الشارع الحكيم كل طريق يوصل بالإنسان إلى هذه المرحلة، التي يغيب فيها داعي عقله ودينه، ويخبو ضياؤهما عنه، لئلا يجعله أسيراً لتلك الشهوات فتردي به إلى سكرته، التي يواجه فيها ضغط الشهوة وفورانها، وضمور العقل وغياب داعي الإيمان وقلّة النصير من الضمير والمبدأ. وعبّر الله سبحانه وتعالى عن هذه اللحظة بالسّكرة، كما قال تعالى: ” لَعَمْرُكَ إنهم لفي سَكْرَتِهِم يعمهون”[1] ، قال ابن عاشور – رحمه الله -: “والسكرة: ذهاب العقل، مشتقة من السّكر بفتح السين وهو السد والغلق، وأطلقت هنا على الضلال تشبيهاً لغلبة دواعي الهوى على دواعي الرشاد بذهاب العقل وغشيته [2]

وما أكثر الأمور التي توصل الإنسان إلى هذه السّكرة، منها مثلاً: الكِبْر، الذي يجعل الإنسان يردّ كل صوابٍ وحقٍ بمجرّد أن نفسه تملي عليه خلافه، وهي السّكرة الأولى التي أردت إبليس: “فسجد الملائكة كلّهم أجمعون، إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين”[3]

ومنها أيضاً التعالي بالمنصب والجاه، الذي قد يجعل الإنسان يحتقر الخلق ويستهزئ بالخالق وهي سكرة فرعون عندما قال ” يا أيها الملأ ما علمت لكم من إلهٍ غيري”[4]

ومنها أيضاً الغرور بكثرة المال، الذي قد يجعل الإنسان يلتفت إلى نفسه ويكفر بنعمة الله عليه، وهي سكرة قارون عندما قال: “إنما أوتيته على علمٍ عندي”[5]

والكثير من هذا مبثوثٌ ومعلوم، ولكنّي أردت اللفتَ إلى ظاهرةٍ جديدةٍ من السُّكر، تعمي الإنسان عن الحقائق وتجعله تحت ضغوطٍ من الهوى والشهوة يصعب عليه الفكاك منها، وهي الشهرة.

ويستطيع المُلاحظ أن يتنبّه إلى أن الشهرة سكرةٌ من نوعٍ اجتماعي وإعلامي، تُخضع الإنسان إلى تحقيق رغبات الناس على حساب أخلاقه، وأهوائهم على حساب قيمه، والمنافع المادية على حساب المبادئ الأخلاقية. وهذه هي غالباً خصائص الشهرة المذمومة، وصفتها الأوضح أن الإنسان يقدّم فيها هوى نفسه من أجل الناس على حساب أخلاقه ودينه من أجل الله. وأمّا إن سعى إلى إرضاء ربّه والتمسّك بمبدئه وأتته الشهرة بذلك فما لذمّه سبيل وإن أطبقت شهرته الآفاق والله عليمٌ بما في الصّدور.

وعند شروعي في كتابة هذه السطور عنّى لي أن أبحث عن التعليل النفسي الذي يقوله المختصّون النفسيون حول ظاهرة الشهرة باعتبارها سكرة اجتماعية تبعث صاحبها على الاستجابة لضغوط الجماهير دون وعيٍ منه. فوجدتُ – من خلال بحث سريع – العديد من المقالات والمنشورات الصحفية التي تؤيد هذه الفكرة. وكان أبرز ما اطلعت عليه دراسة لمارك تشالر، أستاذ في علم النفس في جامعة بريتش كولومبيا (British Colombia University)  ومتخصص في الأنظمة المحفّزة للسلوك الإنساني، ودراسته تقوم على تحليل لمفهوم الحساسية الذاتية (التعريب الأقرب الذي وجدته لمصطلح self-consciousness وهو يعني الاهتمام المفرط بالذات وبمشاعر الآخرين تجاهها)، قام في دراسته تلك بتقصي ثلاث حالات لشخصيات مشهورة ليختبر الفرضية التالية: نيل الشهرة يقود إلى حساسية ذاتية مزمنة. وقام بتحليل الحساسية الذاتية لهذه الشخصيات قبل وبعد الشهرة، ووجد النتيجة واحدة مع جميع الشخصيات: حساسية ذاتية مزمنة بعد الشهرة. أي أن جميع الشخصيات أصبحت مصابة بحساسية تجاه ذواتها ومشاعر الآخرين تجاه هذه الذوات بشكل مفرط. وفي الدراسة تفاصيل وجزئيات إضافية أدعو إلى الاطلاع عليها.[6]

والواقع المشاهد الذي نلسمه في أنفسنا وغيرنا – وهو شيء طبيعي – أننا نهتم بالناس بقدر ما يهتمون بنا. ولكن الإشكال في الشهرة التي تسكر صاحبها أن قيمته عند نفسه تظهر له من خلال نظرة الناس له، وأن مصالحه النفسية والمادّية تقتضي منه أن يبقى دائماً وفق متطلّبات هذه النظرة، فإذا تغيّرت الجماهير ونظراتهم وجبت عليه الاستجابة السريعة للنظرات الجديدة، وإلا فإن قيمته ومصالحه ستخبو. وقد يجد القارئ أن القول بأن الشخص يشعر بقيمة نفسه من خلال نظرة الآخرين له أمرٌ مبالغٌ فيه، ولكنّه واقع ليس محصوراً فقط في الشهرة، بل في تطبيقات اجتماعية كثيرة، فالموظف المجتهد في عمله ينظر أحياناً إلى قيمته العملية من خلال نظرة مديره إليه ورأيه فيه إذا كان مجتهداً أو لا، والطالب ينظر إلى قيمته العلمية أحياناً من خلال نظرة أستاذه إليه ورأيه فيه إذا كان متفوقاً أو لا، وهكذا.

إلا أن الفوارق في موضوع الشهرة أوسع وأشنع، فسعة الشريحة الجماهيرية للمشهور تطلب منه إرضاء جميع الأهواء التي تتابعه وتهتم به. والعيون التي ترمقه تحاسبه على لون حذائه ونبرة صوته وطول أنفه! فإذا نظر إلى شهرته على أنها (رأس مال) و (مصدر للفخر) وأنه (بدونها لا شيء)، فلا يمكنه إلا أن يراعي تلك النظرات ويستجيب لتلك الطلبات ليحافظ على رأس ماله ومصدر فخره وحتى يحافظ على نفسه كشيء، ولو كان ذلك فيما يتعلّق بلون الحذاء ونبرة الصوت وطول الأنف.

ومن الفوارق أيضاً في مسألة الشهرة والمتعلّقة بنظرة الناس، أن المشهور كثيراً ما يشتهر بشخصيته المجرّدة، لا بتخصصه أو علمه أو اهتماماته أو بمجال معيّن، بل لو سُئِلَ عن عمله لقال: مشهور، فهو يشارك الناس حياته اليومية من ساعة استيقاظه إلى إيوائه إلى فراشه آخر الليل، بما في ذلك إفطاره مع عائلته، ومداعبته لأطفاله، وأثاث منزله، ونوع سيارته، وأصدقائه، وأماكن زياراته، وأحياناً علاقته مع زوجته. فإبقاء الناس على اطّلاع وإحاطة بهذه الأمور يجعل منافذ الضغوط التي يمارسها الناس عليه أعمق وتأثيرها أكبر، فهو تحت السلطة الجماهيرية وفي سكرة الشهرة حتى في تفاصيله الصغيرة في حياته مما يضطره إلى التمادي على كثيرٍ من رغباته الشخصية واختياراته الخاصة التي فقدها بسبب أنها ستظهر للناس.

وهذا من أكثر مظاهر سكرة الشهرة ألماً، أن يجرّ الإنسان استسلامه للشهرة وغرقه في سكرتها إلى حصونه الأخيرة: بيته، أهله، أبنائه، والديه، أصدقائه الحميمين، مبادئه الراسخة، رسالته الأصيلة في الحياة. فيُقحم رغبات جمهوره في تلك الحصون ويفتح لها الأبواب من كل جانب ويمهّد لها طريق الولوج دون مقاومة، ويرضخ لها بكل استسلام دون أن يشعر، فقد يسمح لنفسه أن يستهزئ بوالده مثلاً لأن ذلك فيه إضحاك للجماهير، ويسمح لابنه أن يظهر بمظهر غير لائق بمجرّد أن ذلك فيه استجابة لتطلّعات المتابعين، ويختلق الأكاذيب عن حياته العائلية ليستمر في بناء القاعدة الجماهيرية، ويؤذي أصدقاءه أشد الأذى ليصنع المزيد من المحتوى.

ولو راقب الأمر بصورة أكثر دقة وأبعد قليلاً عن السياق الذي غرق فيه لوجد حقيقة الأمر كالتالي: أنه يستيقظ في صباحه ليتوجه إلى قاعة مسرحية كبيرة، يحاول خلال طريقه إليها أن يقيس رغبات الجماهير لهذا اليوم، ويسعى مع فريقه لترتيب الطريقة المثلى للاستفادة المادية من الحدث دون اكتراث كبير للخسائر التي قد تحدث في جوانب أخرى، حتّى إذا وُزّعت الأدوار بدأوا بالأداء التجريبي بعيداً عن الناس للتأكد من إتقان كل شخص لدوره الموكول به، مع تقييم لياقة الرداء الذي يرتديه ليوافق ذوق الحضور، مما يستلزم خلع الكثير من الملابس القديمة خلف الباب لأنها لم تعد توافق الأذواق الجديدة، فإذا بدأ الاتصال مع الجمهور وسُلّطت الإضاءة وأصغى الناس واعتلى هو ومن معه منصة المسرح: بدأ التمثيل واستمر العرض كما يطلبه المشاهدون، ليحصل في النهاية على الأمر الذي أغرقه في سكرته وسلك به هذا الطريق منذ الخطوة الأولى: تصفيق الجماهير على أدائه الاستعراضي. ونسي تماماً أنه سيأتي اليوم الذي تُسدل فيه الستائر ويخرج الحاضرون وتُغلق الإضاءة وتغيب أصوات التصفيق.

أليس الأمر سكرةً بالفعل؟ أليس لو غابت تلك الفلاشات وتلك الكاميرات وفرغت بطارية هاتفه سيشعر كأن شخصيةً أخرى عليه أن يتقمّصها وأن واقعاً آخراً مفروضٌ عليه؟ وأن إدمانه على البقاء متصلاً مع الجماهير يجعله يستثقل انقطاع الاتصال، ويبحث عن أولئك البعيدين أمام الشاشات ولا يطيق القريبين الذين يعرفونه بدون شاشات أو هواتف، أليس يجد صعوبةً – بل استحالةً – على ممارسة جميع ما يقوم به أمام الكاميرا في المجالس التي يغيب عنها التصوير؟

ولولا الأسى مما سمعته وشاهدته وعايشته، ما تقرقعت في نفسي هذه الخاطرة ولا استرسلت في كتابتها، ولكنّ المواقف المتواترة والمصائب البعيدة عن أعين الجماهير تجعل البوح بهذه الحروف لازماً، بالأخص أن الإنسان لا يفيق إلا إذا تحرّر من السياق الذي غرق فيه، وسمع ممن يراقب المشهد من بعيد. إذا سمع من أولئك الذين كانوا يرقبون التغييرات من اللحظة الأولى ويلمحون التذبذبات على خط الزمن، حتى إذا لاحت لهم فرصة لزفرةٍ يعبّرون فيها عما في أنفسهم قالوا: فلان من يوم ما صار مشهور وهو متغيّر.

والله أعلم

اقرأ ايضًا: أحمد بن حنبل والشهرة وشبكات التواصل الاجتماعي!


[1] سورة الحجر – آية 72

[2] تفسير التحرير والتنوير

[3] سورة ص – آية 73 و 74

[4] سورة القصص – آية 38

[5] سورة القصص – آية  78

[6]  The Psychological Consequences of Fame: Three Tests of the Self-Consciousness Hypothesis Mark Schaller

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى