عام

فجر عرفة، لحظاتٌ فاخرة

  • عبد المجيد بن خالد المبارك

من لحظات الدنيا الفاخرة!

فجر يوم عرفة

وترقب الشمس وهي تعلو لتشرق على خير أيام الدنيا.. في خير بقاع الله..

وهدير السيارات المتأهبة يزاحم تلبيات الحجاج..

ونداء الناس.. إلى عرفات.. إلى عرفات..

لحظات من الخشوع والرقة في القلوب

ورحمات الله تتنزل على الحجاج

مع أنهم قد بلغوا ونالوا؛ إلا أن شوقهم لعرفات ليغلب شوق النائي البعيد!

ربما ظن بعضهم أن ركوبه أولاً سيجعله يصل أولاً..

تراه يتفقد الركاب يحثُّ المسير
أين فلان؟
أين فلان؟
ماذا تنتظرون.. هيا انطلقوا!

وهو يرقب من النافذة زحام المشاة
فيشد بيديه على ركبتيه؛ لاجماً حركتها.. وقاطعاً عليها فكرة النزول وسبق الجميع!

إلى عرفات
أرض الفطرة
أرض الميثاق!

إلى المكان الذي سيدنو فيه ربُّنا منَّا..

إلى المكان الذي سيباهي الله بمن فيه الملائكة..

إلى البقعة التي ستشملني مع قول ربنا:
(ما أراد هؤلاء)

نريد عفوك ربنا.. نريد القبول..
نريد الجنة.. ونعوذ بك من النار..

…..

في مسيرهم لعرفات.. يطرق بعض العباد حياء من ربهم..

ربهم الذي بلغهم ومنع غيرهم..
ربهم الذي أدناهم وأبعد غيرهم..

تمر على النفس صور شتى
لحظة عزمه على الحج بعد تردده
لحظة تيسير الله له ذلك

ولحظات الحسرات التي كان يراها في وجوه من حرموا موقفه!

ويمضي موكب النور..

وما إن تقع العين على أطراف مرتفعات عرفة.. حتى تتفجر في القلب مشاعر الحب والخوف والرجاء والحياء والتعظيم و….

هو يعلم أن الملايين الآن يرقبون حركات الحجاج وسيرهم لعرفات وعيونهم من حسرة الحرمان جفت! وأكبادهم من مدافعة الشوق يبست!

ربما همّ بعضهم ليكبر الله ويحمده فإذا بلسانه يجري بالتلبية دون شعور..

ربما مشى بعضهم في بيته يدور على نفسه كالمجنون والمصروع.. لا يجد شيئاً يكبح به جماح واضطراب مشاعره وتفلت جوارحه..

الملايين يقولون: يا ليتنا أنت!

هذا هو الطريق إلى عرفات..
(لحظة من لحظات العمر الفاخرة)

التي والله يتمنى الواحد لو كانت مسجلة له في جميع حججه ليشاهدها بين مدة وأخرى..

هذا هو الطريق فقط..
هذه مشاعره!

فكيف إذا نزل الحاج..

ومالت الشمس..

(ودنا الرب)

وسحت العين..

وتنزلت الرحمات..

كيف كيف؟!

فإذا حط الناس رحالهم واجتمعوا وقالوا وصلوا وطعموا راغ الحاجُّ روغة الكريم.. ليقدم بين يدي نجواه لله صدقة.. وكان قد أعدَّ لهذا اليوم عُدَّته من البذل!

فيسارق النظر بين الحجيج أيهم كان أحرى بها.. لعله يضعها بيد ولي من أولياء الله قد انقطعت به السبل..

ثم يقلب النظر طويلاً يبحث عن مكان يبث فيه نجواه..
يبحث عن بقعة ليكتب بها أجمل ذكرياته..
أي بقعة ستكون ذكراي طوال عامي هذا!

يفتش عن مكان لا يعرف أحد فيه اسمه ولا رسمه..
لينادي ربه (نداء خفياً)

ويعمل ذهنه في هذه اللحظات
يبحث عن كل وجوه البر والإحسان!
عن كل أمر يحسبه سيفتح له باب المسألة
عن كل شيء قد يحول بينه وبين خشوع القلب ورقة العين..

فيتذكر تقصيره مع والديه.. ويبادر ليلتمس غاية رضاهما.. فهذا باب مشرع لرضى الرب سبحانه..

ويتذكر أنه بهذه الساعة يرجو عفو الله ومغفرته.. وأنه سبحانه وعده بالعفو إن هو عفا.. فيجعلها ساعة عفو وسلامة قلب..

 

أما أصعب امتحان في عرفة!
فهو……. كيف يشرع العبد في الدعاء

ما إن تمتد يده.. حتى يذكر مشاهده السابقة في عرفات..

يتذكر أفضال الله ومننه عليه
يتذكر الدعوات التي نادى بها هنا واستجاب الله له فيما بعد

كان يسأل الرزق.. فرزقه الله..
كان يريد الستر فستره الله..
كان يسأل الزوجة والولد فوهبه الله..
كان ينشد العافية فعافاه الله..

كان وكان..

أتراه لما دار الزمان.. ووقف بنفس المكان.. ينسى فضل المنان!

كيف للسانه أن يتحرك بالدعاء وهو يتذكر حركته بالدعاء ذاك اليوم وأن الله قد سمع منه

عبد غارق في الأعطيات والهبات والفضل والتوفيق والرزق والإحسان و…

يمد يده الآن في نفس المكان ليسأل المزيد

أما إنه ما من مفتاح للسان ليفتتح الدعاء إلا مفتاح (الحمد والثناء)

هنا ينطلق اللسان ويمده من ورائه القلب!
ولو قضى ساعة عرفة كلها حمدا وثناء لما كان ذلك ملوما..

حتى إذا استفرغ وسعه في الثناء والحمد والاعتراف بفضل الله.. لاحت له ذنوبه..

فانعقد اللسان أخرى..
وانكسرت اليد المنتصبة
وأطرقت العين المصوبة

وفاضت محاجر العين كما لم تفض من قبل..

فما هو غير سؤال العفو والمغفرة

وبينا هو كذلك.. إذ يلهم الله قلبه تذكر رحمته..

يذكره ببواعث الرجاء..
ويمر على قلبه البلسم على إثر البلسم

فيقوى قلبه.. ويشتد يقينه

فتعود يداه للأعلى..
وبصره للسماء..
ويجري اللسان

وهكذا حتى الأذان

أما أذان المغرب.. فلا يشبه غير نداء القصاص..

آه ما أقساه..

يتذكر الواحد هنا قول بعض السلف
منذ كذا وكذا سنة ما أحزنني غير طلوع الفجر!

أسرع ما يكون الزمان في عرفات

والعبد الضارع يسارق النظر للشمس بعينه اليمنى.. والنظر للساعة بعينه اليسرى

وعبراته تسابق دعواته..

يعمل ذهنه يحاول أن يتذكر..

هذه لحظة العمر

فلو كان العام يوما.. لكانت عرفة (السحر)!

الشمس تكاد أن تغيب

يا ترى.. هل قبل الله مني.. هل تفتحت لي أبواب السماء..

ما زال لدي الوقت لأقول لله قولا يرفع دعواتي الماضية..

يا رب يا رب يا رب…

وبين الخوف والرجاء..
شيء من السؤال والدعاء..
وكثير من الحياء والثناء والبكاء..

فإذا أذن المغرب قرأ في نفسه قول الله
{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}

فيستغفر ويلبي.. ويعظم الرجاء في قلبه..
وينظر للناس حوله..

يا الله.. دخولها مثقلين.. ويخرجون منها وهم خفاف بيض الصحائف..

يا الله.. كم من شقي هنا كتبت له السعادة قبل قليل

كم من فقير فتحت له أبواب الرزق قبل قليل

كم من مريض كتب الله عافيته

كم من ضال هداه الله!!

كم من مستحق للنار أعتقه الله

كم وكم وكم..

خير ما تُختم به دعوات عرفات
أن تسأل الله بلوغها العام القادم

لا مفر للعبد من الطمع والوجل
ولكن حسن الظن بالله يتأكد ويقوى في مثل هذه المقامات.. فأبشر..
فالذي دعاك وأدناك.. حتماً.. (أعطاك)

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى