عام

الإيمان والفراغ الروحي

  • سلمان الفهد

[1]

الإنسان كائن مركب من مادة وروح، هكذا خلقه ربه، وهكذا فطره، فإذا همّش أحدَ جزئيه تكدّرت حياته وأصبحت حياةً كئيبة لا تعرف السعادة ولا تتذوق حلاوتها، وربما التعبير بكلمة “أصبحت” هنا تعبير فيه نوع مبالغة؛ لأن الحياة حينها ستنقلب إلى ظلام محاط بالظلام.

إن العجب العجاب أن يولد الإنسان مفطورا على الإيمان، يعرف الخير والشر، ويستشعر في داخله أن هناك خالقا للكون، له قدرة مطلقة وقوة ومطلقة، ويتحسس في نفسه حاجةً ملحّةً تدفعه إلى أن يتوجه إلى ذلك الخالق القدير= ثم مع كل هذه النداءات الفطرية لا يستجيب! بل يهرب منها هروبا، ويفرُّ من خالقه إلى هواه، حتى اتخذه إلهًا من دون الله (إن الإنسان لكفور) يجوع جسمه فيطعمه ثم يشبعه، ولكن أنى لروحه المسكينة أن تشبع وهو يهرب إن وجد طعاما، أو لاقى شرابا يروي به ظمأه! يحاول الهروب من أصوات لا تفارقه، تهاجم قلبه كل لحظة، تقول له: ((هل من خالق غير الله؟)) ((مَن إلهٌ غير الله؟)) لا يعرف من أين يأتيه الهُتَاف ولا يستطيع أن يكتمه، ما إن يتلذذ بشيء من مُتَع الأجساد حتى تعود إليه تلك الأصوات فتُقِضُّ مَضجَعَه وتهزّ مَسمَعَه، ودّ لو أصمتها، ولكن هيهات، هكذا تركبت أجزاؤه؛ جسدٌ وروح، إن لم يعدل بينها ثار عليه الآخر.

[2]

الإنسان كائن ديني لا يستطيع العيش بلا دين، وكأن الدين شيء قد تم تسليكه بالإنسان وامتزج بلحمه ودمه، ولذلك كما أن له نزعة تدفعه إلى الشهوات، فكذلك له نزعة تدفعه إلى التديّن، فالدين مكوّن صميمي في الإنسان، وهذا ما أكدته الدراسات الحديثة في شتى المجالات، وهي حقيقة معروفة عند الأواخر والأوائل، فقد ذكر المؤرخ اليوناني “بلوتارخ” (ت125م) أنه: «من الممكن أن نجد مدنًا بلا أسوار أو ملوك أو ثروة أو آداب أو مسارح، ولكن لم يرَ الإنسان قطّ مدينةً بلا معبد»، فحينما يمارس الإنسان إيمانه وتديّنه هو إنما يمارس بشريّته، وصدق شيخ الإسلام -رحمه الله- إذ قال: “ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهرُ للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما!”، ولو تنكّر لهذه الحقيقة وخلع جلباب الإيمان لأصبحت حياته في ضنك مزعج، كلما تلمس فيها سعةً لينعم بها داهمته مخالب الضنك؛ كما قال الله تعالى: ((ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكا))، وكما قال: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)).

[3]

حينما يكون الإنسان في مشكلة كبيرة ثم يستبعد حلها الوحيد فلا تعجب من طول بقائه فيها، وضياعه في متاهاتها، لأنه حرم نفسه من المخرج الوحيد لها -والطريف أن المخرج الوحيد هو أيسر الحلول لأن الفطرة تؤيده- وحاله كمن يروم علاجا لمرضه العضال بمسكّنات يبتلعها بين فينة وأخرى، وكيف للمسكّن أن يكون علاجا؟! ولو قيل لأحدنا: إن شخصا يعالج مرض السرطان في جسده بحبوب “البندول” لاتُّهِم عقله، بل لاتُّفِق على فساد عقله.

وهذه الأمثلة ليست ببعيدة عن حال أعداء الفطرة والإيمان، فإن الناظر لحال عامة الملاحدة في الغرب يجد تلهّفهم لنظريات الطاقة الروحيّة، وشدّة دعوتهم للموسيقى والحفلات الغنائية، ونحوها من أنصاف الحلول التي تستهدف المنطقة الخفيّة منطقة الروح، ولا يكاد يمرّ يوم لأحدهم إلا وهو يملأه باستماع الموسيقى والأغاني، خصوصا عند هجوم الفراغ عليه، وحقًّا إنه لهجوم؛ فهو من أشدّ الأوقات عليهم، ولكَسْر شِدّته يلجؤون إلى الموسيقى وأخواتها ليهربوا من جحيمه، وهذا الفراغ القاتل قد عالجته الشريعة بحلول كثيرة، من أهمها: ملؤه بالعبادة؛ كما قال تعالى: ((فإذا فرغت فانصب)) أي: إلى العبادة، ولكنْ أين من يفتّش عن الحلول في مكانها الصحيح؟ وأيّ علاج أنجع من علاجات القرآن؟! والشريعة إنما حرّمت الموسيقى لأنها تستهدف هذه المنطقة الخفيّة التي يجب ملؤها بالقرآن وذكر الله تعالى، والقرآن العظيم والغناء ضدان لا يجتمعان؛ كما قال تعالى: ((وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه))، فإذا امتلأ القلب بالغناء لم يبق فيه مكان لذكر الله تعالى، ولم يتعلقّ قلبُه إلا بما ملَأَه به.

[4]

السعادة هي القِبلة التي تجمع كل البشر، ولكن السؤال المهم: كيف نولي وجوهنا شطرها؟ هذا السؤال يمثّل معضلة كبيرة عند كثير من أصحاب الفراغ الروحي، وقد عرف جوابه أهل الإيمان حتى توجهت تلك القبلة إلى نفوسهم، وصار الإيمان في قلوبهم هو القبلة التي يممت السعادة نحوها، فأتتهم طواعية من دون جهد ولا كدّ، والسعادة على درجات كثيرة، لم يصل إلى فردوسها إلا أهل الإيمان والتقى، حتى قال إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: “لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السرور والنعيم إذن لجالدونا عليه بالسيوف”، وليس ذلك إلا للمؤمن العارف بالله، فإن ضعيف الإيمان لا يجد هذه الحياة الهنيّة، ولو فُصد دمه لخرج حزنًا وشقاءً، ضُربت عليه الحسرة والوحشة؛ كما قال ابن القيم -رحمه الله-: “ففي القلب شَعَث لا يلمّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبَه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدًا”.

أسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بالإيمان، وأن يزيدنا يقينا به وبموعوده، آمين.

اقرأ ايضًا: الحاجة إلى الهداية

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى