فكر وثقافة

الفلسفة الوجودية… الحرية التي دمرت الإنسان وجعلته مغتربا!

نشأت الفلسفة الوجوديَّة في ظل ظروفٍ خاصةٍ، مرت بها القارة الأوروبيَّة المحطمة، فكانت الفلسفة الوجوديَّة ردة فعلٍ أكثر من كونها فعلاً. وكان من أبرز العوامل التي أثرت في نشأة الوجوديَّة، أولاً: انتشار المذاهب الشموليَّة في أوروبا، كالشيوعيَّة، والأفكار المطلقة المجردة، كالهيجيليَّة، التي ركزت في الأولى على الجماعة، وأهدرت حق الفرد، وركزت الثانية على الماهيات والأفكار المجردة، وأهملت الواقع. ثانيًا: الحروب الكونيَّة العالميَّة الكبرى، التي اجتاحت أوروبا ودمرتها، ودمرت بنيتها التحتيَّة، وأهدرت روح الإنسان، ونشرت الموت والفزع والهلع في كل مكان، فَخَلَّفَت من القتلى ما يتجاوز المائة مليون بكثير، ومن الجرحى والمعاقين أضعاف ذلك، أما الخسائر الماديَّة فلا يُمكن أن تُحصى أو تُعد! ثالثًا: إهدار كرامة الإنسان الفرد وحقوقه، في إجباره على العمل في ظروفٍ قاسيةٍ وصعبة، خصوصًا الأطفال والنساء، الذين دُفِعُوا إلى العمل في المصانع الحربيَّة ومعامل السلاح، ومصانع الحديد ومناجم الفحم، ليحلوا محل الرجال الذين ماتوا في الحروب، أو لا يزالون يقاتلون في الجبهات، بأجرٍ زهيدٍ وبخسٍ.

هذه الظروف كانت السبب الرئيس في ظهور وتبلور المذهب الوجودي، الذي سينتشر وسيسطر فكريًّا وأخلاقيًا لعقود عدة على الساحة الأوروبيَّة. فقد كان من عادة أوروبا –قبل ظهور الوجوديَّة- أنَّ عواصمها: مثل باريس ولندن، تتحول إلى مكانٍ يلتقي فيه طليعة الفنانين والكُتَّاب والموسيقيين، وكانوا هم الذين يصغون بأعمالهم وفنونهم وأشكالهم ومظاهرهم ولباسهم بظهورهم العلني، شعورًا جديدًا بالزمن، وأسلوبًا مختلفًا للحياة، ويقودون عالم الموضة والتقليعات الحديثة، أما الفلاسفة فربما كان تدخلهم في هذا المشهد على جوانبه وليس في قلبه.

أما بعد ظهور الوجوديَّة، وخصوصًا بعد الحرب العالميَّة الثانية، فتغيَّر المشهد، فقد تسيدت أحياء المثقفين الباريسيين الفلسفة الوجوديَّة، والنقاشات الفلسفيَّة في مقاهي باريس، حتى أشكال النَّاس تغيرت وتلونت بما تطرحه الوجوديَّة من خلال فلاسفتها وأدبائها وفنانيها، فعلى سبيل المثال: اجتاحت الفتيات موضة لبس السواد، تقليدًا ومحاكاة لـ جولييت غريكو Juliette Gréco، المغنيَّة الفرنسيَّة الوجوديَّة، التي لبست السواد وتكحلت به، ووضعت السجارة مائلة على طرف شفتيها، لتصبح تقليعة ذلك العصر، ولينتشر ذلك بين الفتيات كالنار في الهشيم.

وقد وجدت الفلسفة الوجوديَّة بُغْيَتَها في فئة الشباب والفتيات، ودخلت إليهم عن طريق الأدب، والرواية، والشعر، والمسرحيات، والمسيقى، والحفلات، والنوادي الأدبيَّة، التي تحمل الطابع الفلسفي والفكري الوجودي، بأسلوبٍ محببٍ ومشوقٍ إلى نفوس الشباب، لتصبح الوجوديَّة تقليعة العصر، ويصبح رموزها قادة وقدوة الشباب، فكان قدوة ومثال الشباب هو جان بول سارتر Jean-Paul Sartre، وألبير كامو Albert Camus، أما الفتيات فقدوتهن كانت سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir، عشيقة سارتر التي أصبح رمز الحركة النِّسْوِيَّة. ومما زاد من قبول الأفكار الوجوديَّة بين الشباب والفتيات، استخدامها للكلمات والألفاظ والشعارات المعبرة والصادمة والمثيرة، التي جذبت إليها المتمردين والطائشين، ونفخت فيهم العبارات الوثوقيَّة في الاختيارات الشخصيَّة، وعدم المبالاة بآملات النتائج وموقف المجتمع.

وهكذا استطاعت الوجوديَّة أن تُثَبِّتَ أقدامها في أوروبا، وتسيطر على دور النشر والجامعات والكليات والمعاهد، انطلاقاً من باريس إلى بقيَّة العالم الغربي. وكانت أكثر شخصيَّة تحلت بالشهرة والتأثير، هي شخصيَّة جان بول سارتر، الذي أكثر من الظهور الإعلامي، وتدخل في القضايا السياسيَّة في الدول الأوروبيَّة وغيرها، ومنها العربيَّة. وكان كتاب سارتر الضخم (الوجود والعدم) بمثابة إنجيل الوجوديَّة وكتابها المقدس، الذي رَكَّزَ فيه سارتر مبادئ الوجوديَّة المتمثلة في: أنَّ الإنسان ضائعٌ في عالم عبثيٍ، وأنَّه حرٌ يفعل ما يشاء بدون أي رقابة من السماء، وهو يتحمل مسؤولية حريته وحده، وماهيته تسبق وجوده. تلك خلاصة ذلك الكتاب الضخم الذي كتبه وهو في أحد معتقلات النازيَّة في الحرب العالميَّة الثانية. أما الشخصيَّة التليه في الوجوديَّة تأثيرًا، فهي عشيقته سيمون دي بوفوار، مُلْهِمَة الحركات النسوية، ومؤلفة كتاب النسوية المقدس (الجنس الآخر).

والمذهب الوجودي –كما هو معلوم- ينقسم إلى تيارين: وجودية ملحدة تُنكر وجود الإله (وهو الأكثر تأثيرًا وانتشارًا)، ووجودية مسيحيَّة تُقر بوجوده، لكنهما يتفقان على فكرة أصل الوجوديَّة، وهي أنَّ الوجود يسبق الماهيَّة، وأنَّ الإنسان حُر؛ ولذا فهو يصنع حياته بنفسه كيفما شاء، إن أراد أن يسلك طريق التقوى فله ذلك، وإن أراد أن يسلك طريق الفجور والفسق فله ذلك، وهو وحده يتحمل المسؤوليَّة ونتيجة اختيارته.

وقد ترتب على المذهب الوجودي وفلسفة نتائج في غاية الخطورة، على المستوى النظري والواقعي، على مستوى التفكير العقلي وعلى مستوى الحياة المعيشة العمليَّة. وقد وُجِّهَت إلى الوجوديَّة، من قِبَل عدة مدارس وتوجهات فلسفيَّة ودينية مُتَعَدِّدَة، والعديد من الانتقادات، الفلسفيَّة والدينيَّة والأخلاقيَّة. لكن، فهذه المقالة سوف نتعرض -بشكلٍ مختصرٍ- لبعض الانتقادات المتعلقة بالحريَّة الوجوديَّة وأثرها في حياة الإنسان الوجودي، على مستوى الدين والأخلاق والنفس.

يرى الفيلسوف الوجودي الملحد جان بول سارتر أنَّ “الأمر الذي يشتركون فيه [أي الوجودية الملحدة والمؤمنة] هو أنَّهم يعتقدون أنَّ الوجود يسبق الماهيَّة، أو إن شئتَ قلتَ: إنَّ الذاتيَّة لا بد أن تكون نقطة البداية، فليس هناك طبيعة بشريَّة ما دام ليس هناك إله يتصورها، فليس الإنسان إلا ما يصنع نفسه”. فالإنسان لديه هو خالق ماهيته كما تكون، وخلافاً للمؤمنين وغيرهم ممن يرى أنَّ للإنسان مقومات محددة تُميزه عن غيره، فإن سارتر يقول إنَّ “الوجودية تؤكد على أنَّ الوجود يسبق الماهيَّة، عند الإنسان فقط والإنسان وحده، يعنى هذا ببساطة كلية: أنَّ الإنسان يكون أولاً، أي يتحقق وجوده، ثم يصبح بعد ذلك هذا أو ذاك”.

ومن هذه النقطة المحوريَّة في الوجوديَّة، أي: أنَّ وجود الإنسان يسبق ماهيته، تزعم الوجوديَّة أنَّ الإنسان له حريَّة تامة في أنَّ يختار ما يشاء، وأنَّه لا توجد قوة في السماء تحدد ماهيته ولا تضيق من حريته، وكانت الوجوديَّة الملحدة هي أكثر تأثيرًا وانتشارًا من غيرها، لأنَّ إلحادها يتماهى مع أهم أصول الوجوديَّة.

فالوجوديَّة الفعالة تُقَرِّرُ الإلحاد وإنكار الدين، وأبرز تيار في الوجوديَّة هو تيار الوجوديَّة الملحدة الذي يقوده جان بول سارتر، فهو يُقَرَّر عدم وجود الله، والنقد هنا في هذه النقطة لا يتوجه خاصة إلى الوجوديَّة، بل إلى كل مذاهب الإلحاد، فالرد على الإلحاد بشكلٍ عام هو ردٌ على المذهب الوجودي الإلحادي بشكلٍ خاص. وليس هذا مقام الكلام على أدلة وجود الله، فأدلة وجود الله كثيرة، منها: الدليل الضروري (الفطرة)، والدليل العقلي (افتقار الموجدات إلى خالق)، والدليل الديني (الشرائع والنبوات)، والدليل الحسي (المعجزات)، وقد بُسِطَ الكلام عن هذه الأدلة في غير هذا الموضع.

وإنما يهمنا هنا هو نقد جانب في الإلحاد الوجودي وعلاقته بحريَّة الإنسان، وهو جانب تعترف به الوجوديَّة نفسها، وهو ما يترب على إنكار وجود الله فيما يخص حياة ووجود الإنسان وحريته. فمثلاً: جان بول سارتر يُورد مقولة الأديب الروسي دوستويفسكي Dostoevsky، الذي يقول: “إذا لم يكن الله موجوداً؛ فإنَّ كل شيءٍ يصبح مُباحًا”، ومن هنا تنطلق الوجودية، فالإنسان مُهْمَلٌ متروكٌ بلا عناية من أحد، لأنَّه لا يجد لا في نفسه ولا خارجها شيئاً يتعلق به أو يتمسك بعروته، وعليه أن يُمارس حريته ومسؤوليته وحيدًا. يقول سارتر: “فإذا كان الله غير موجود؛ فإننا لا نجد أمامنا قيماً تسير تصرفاتنا وتجعلها شرعية، فكل موجودٍ يولد دون مبررٍ، ويعيش بسبب ضعفهِ وخوفهِ، ويموت بفعل المصادفة”. ويقول: “ليس في السماء شيء عن الإنسان، وإنما سوف يكون الإنسان ما يرسم لنفسه أن يكون، فالإنسان إذن مسؤول عما هو عليه، والمسؤولية الكاملة لوجوده ملقاة على كاهله”.

وهذا الاعتقاد الوجودي ترتب عليه الإحساس بالهجران، وأنَّ الفرد يشعر بأنَّه يعيش وحيدًا ولا عون له في هذا الوجود إلا نفسه، مما ولد لديه القلق واليأس والإحباط، وهذه نتيجة حَتميَّة للإلحاد وإنكار وجود الله، وعدم التسليم بالقضاء والقدر، ونبذ وهجر القيم والأخلاق التي أمر بها الله وكَرِّسها الدين. يقول جان بول سارتر: “عندما نتكلم عن الخذلان إنما نعني أنَّ الله غير موجود، وأنَّه يتحتم علينا أن نواجه كل ما يترتب على ذلك، إنَّه من المؤلم جدًا ألا يوجد الله، لأنَّ كل احتمال للعثور على قيم في سماء الأفكار يختفي باختفاء الله، فكل شيء جائز إذا لم يوجد الله، ويترتب على ذلك شعور الإنسان بالخذلان؛ لأنَّه لا يجد شيئاً بداخله أو بخارجه يتمسك به”. ويقول فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche: “لقد قتلناه [يقصد فكرة الإله] أنتم وأنا! نحن جميعًا قتلناه، إلى أين نسير الآن؟ ألسنا تائهين الآن وسط عدمٍ لا نهائي؟ ألا يتنفس الفضاء الخاوي في وجوهنا؟ ألم يصبح أكثر برودة؟ ألا يجيء الليل باستمرار أكثر ظلة وحلكة؟”. وهذا مارتن هيدجر Martin Heidegger، أهم فليسوف ومنظر وجودي، يقول: “حينما يستولي على أنفسنا الشعور بالقلق، فهناك لا بد من أن نُدْرِكَ أنَّه قد قُذِفَ بنا إلى هذا العالم على الرغم منا، وأنَّه قد خُلِّيَ بيننا وبين ذواتنا، وأننا مهجورون لا نجد خلفنا أية دعامة نستند إليها، ولا نلمح أمامنا أي هدف ننـزع إليه، ولا نرى فوقنا أي قوة عُليا تعيننا على التحكم في مصيرنا”.

هذا الوجود الذي تُصَوُّره الوجوديَّة هكذا خاليًا من الله ودينه، لتبرر حريَّة الإنسان التامة والكاملة وغير المنقصوصة. وهذه الحريَّة المزعومة لا وجود لها في الحقيقة والواقع، فلا وجود حقيقي لحرية مطلقة، فالإنسان له حدود مُعينة: نفسية، وعقلية، وبدنية، واجتماعية، ودينية، وسياسية، واقتصادية، وكلها تؤثر في حدود حريته، والبشر يتفاوتون في تلك الحدود، لكن كلهم محكومٌ بهذه الحدود. وعليه، فلا وجود لشيءٍ اسمه حرية مطلقة في هذا العالم، حتى وإن أُنكِرَ وجود الله، وإنما هي حرية محدودة بقدرة الإنسان نفسه، ومحيطه الاجتماعي، وسياقه الذي يعيش فيه. والسؤال المهم هنا: هل حريَّة الفرد هذه التي تُعلنها الوجوديَّة تقوم على حساب حريَّة الآخرين أم يجب أن لا تتعارض معها؟ فإن قالوا: نعم، هي تقوم على حساب حريَّات الآخرين، فقد أَبْطَلَ جوابهم هذا أصلهم الفلسفي، إذ صارت حريَّة الفرد الواحد مناقضة ومبطلة ومُحَدِّدَة لحرية الآخرين، فتصادمت الحريَّات حينئذٍ، وحَدَّت كل واحدة الأخرى، وضيقت عليه. وكذلك إن قالوا: لا، الحريَّة يجب أن لا تتعارض مع حريَّة الآخرين، صارت الحريَّات مُقيدة بحدود حريَّات الآخرين. كذلك، فإنَّ الحريَّة الحقيقيَّة لا تكون بإطلاق العنان للشهوات والملذات والأهواء، ليصبح الإنسان في سلوكه مشابهًا لأحط الحيوانات، أو تكون حريَّة على حساب حقوق الآخرين، فالحريَّة إذا لم تُضْبَط بالقيم والأخلاق والقوانين أصبحت حياة البشريَّة كلها فوضى، تدمر بعضها بعضًا، كحياة الغابة التي لا تُضبط بضابط دينٍ أو أخلاقٍ أو قيمٍ أو عقلٍ، ويكون من الطبيعي أن يُنتِج هذا النوع من الحريَّة شقاء الإنسان الفرد، وانهيار الأسرية الإنسانيَّة، وتفكك المجتمع ككل، ولن تكون هذه الحريَّة الفاسدة سببًا لتحقيق ماهيَّة الإنسان بل سببًا في تدميرها.

والسؤال الآخر الذي يُقال: ما الهدف من تلك الحريَّة؟ هل الهدف هو اختيار الأفضل والأسمى والأكثر خيريَّة؟ إذا كان هذا هو المقصود، ولا شك أنَّه ليس مقصود الوجوديَّة، فإنَّما يتحقق ذلك من خلال الحريَّة المنضبطة المحددة بالقيم والأخلاق والدين التي تصدر عن التعاليم الربانيَّة وتنبع من الفطرة، فهنا تكون الحريَّة ذات قيمة وإيجابيَّة، تحمل الإنسان على الجهاد في سبيل تحقيق الأفضل والأسمى في حياته. أما إذا كانت الحريَّة بلا هدفٍ أصلاً، كما تقرره الوجوديَّة، فحينئذٍ لا فائدة منها وتستوي فيها الأفعال والنتائج، وتفقد الحريَّة قيمتها وحقيقتها. يقول جان بول سارتر: “[في الحريَّة] يكتشفون في وقتٍ واحدٍ أنَّ كل الأفعال الإنسانيَّة سواء، وأنَّها -بحتميَّة مبدئيَّة- محكومٌ عليها جميعًا بالفشل، وهكذا يستوي آخر الآمر أن أثمل بالشراب في وحدتي أو أن أقود الشعوب”. وهكذا تستوي الأفعال الإنسانيَّة كلها في هدفها الواقعي، وليس ذلك في الحقيقة إلا الحكم بإهدار وتدمير قيمة الأفعال البشرية، وحريَّة الإنسان الحقيقيَّة، وأغراضه وأهدافه النبيلة.

ومما نتج عن مفهوم الوجوديَّة القاصر للحريَّة، إفساد الشعور بالمسؤولية، سواء تجاه الفرد نفسه أو تجاه مجتمعه، فالفرد لا هدف له ولا غاية، والمجتمع لا يعنى له شيئًا، وإنما الفرد يتمحور حول أنانيته وشهواته وأطماعه وملذاته، وهكذا كان ضحيَّة هذه الأفكار الشباب والفتيات، الذي انحلوا أخلاقيًّا، وفسدت طباعهم، واجتالتهم الأمراض والعلل النفسيَّة.

ولهذا كان من متلازمة الفلسفة الوجوديَّة إنكار الخير والحكمة في الوجود، ورؤية العالم كوسطٍ طافحٍ بالشرور والخبائث، تفوح منه رائحة النتن والعبث والقرف والخبث، فالوجوديَّة تُنكر مظاهر الخير الموجودة في الحياة، والإنسان لا يُصَوُّر في الأدب الوجودي غالبًا إلا بصورة الجبان، والفاجر، والخبيث الفاسق، والضعيف القلق، المنحل أخلاقيًّا، الذي تعرى عن القيم والمبادئ والدين. فالوجوديُّ يصور عبث الإنسان في هذه الحياة كالشخصيَّة الأسطوريَّة اليونانيَّة (سيزيف Sisyphus) الذي يدفع الصخرة إلى قمة الجبل، ثم تنحدر إلى أسفله، فيذهب ليدفعها مرة أخرى، وهكذا، دائرة مغلقة من العبث والضياع، يُفْقَدُ فيها الأمل إلى ما لا نهاية. ولهذا فإنَّ الإنسان الوجودي يتجاهل المعاني الخيَّرَة في الوجود والجمال والنور والأمل والتفاؤل، فيتجاهل ابتسامة الأطفال، وحنان الأم، وتضيحات الأب، ووفاء الإخوة والأصدقاء، ومحبة الأزواج، وجمال الطبيعة والكون، من بحارٍ زاخرة بالموجودات العجيبة، ومن أنهار جارية بأعذب المياه، وجبال شاهقة عالية، وزهور متفتقتة عن أجمل الروائح والألوان، وبساتين ذات بهجة وجمال.

والوجودي، فوق تجاهل لهذه الجواب الجميلة في الحياة، يتجاهل حقائق الحياة الواضحة، ففي مقابل الشر هناك الخير، ومقابل العسر هناك اليسر، ومقابل القبيح هناك الحسن، ومقابل الصعب هناك اليسير، وهكذا هي الحياة، قلقٌ واطمئنانٌ، خوفٌ وأمنٌ، كراهيةٌ وحبٌ، يسرٌ وعسرٌ، فقرٌ وغنىً، مرضٌ وصحةٌ، والإنسان يجاهد فيها في مسيرته المثيرة المفعمة بالعمل والنشاط والمقاومة، لينتقل من دائرة السوء إلى دائرة الخير، فيجد اللذة والسعادة والبهجة والفرح في حركته تلك وكفاحه ونضاله، وفوق كل ذلك، فهو يستند إلى ربه ومليكه وخالقه الذي يُمده بالقوة والعون والأمل. والمؤمن، بخلاف الوجودي، على ثقةٍ أنَّ حياته هذه ليست حياة كاملة تامة خالية من الأكدار، بل هو يعلم أنَّها هي حياة مشوبة بالخير والشر، والأمل بالله والإيمان به هو جسره القوي المتين الذي يَعْبُرُ من خلاله، من ضفة الشر إلى ضفة الخير، ومن بحر الأكدار المتلاطم إلى جزيرة السعادة والإيمان الهانئة، ثم هو أيضًا يُدرك أنَّ هذه الحياة دارٌ مؤقتةٌ، فيها الابتلاء والامتحان، وأنَّها ليست إلا قنطرة عبور إلى دار الخلود، وهدفه الحقيقي هو الدار الحقيقيَّة، فهي الهدف الأسمى للمؤمن، ولهذا يتحمل المصائب والشدائد بقلبٍ ثابتٍ، ونفسٍ مؤمنةٍ مطمئنةٍ، في حصول الخير يشكر ربه، وفي حصول الأذى والبلاء يصبر ويحتسب، لأنَّه يعلم يقينًا أن الطريق قصير، والهدف ثمين، والصبر هو الثمن.

قال الله تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وقال عزَّ وجل: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، وقال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، وقال سبحانه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [14] قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). وفي حديث سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: “الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ”. روى الترمذي (2398)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (143).

المذهب الوجودي بعدم اعترافه بالقيم ولا بالأخلاق يُدمر الإنسان والمجتمع في الحقيقة، وكان ذلك محصلة طبيعية لعدم اعترافه بالله ولا بالدين، وبوجود شيءٍ سابق لوجود الإنسان الفردي، ولهذا منح الفرد الحرية المطلقة بلا قيد في أنَّ يكون ما شاء أن يكون. يقول جان بول سارتر: “كل فردٍ هو عالمٌ قائمٌ بنفسه، يصنع لنفسه أخلاقه وآدابه وعقائده وآراءه، فيختار الإباحيَّة إن شاء، أو يختار النسك والزهادة، فهو المسؤول عما يصيبه جراء إباحيته أو جراء نسكه وزهده”. ويقول سارتر: “ليست هناك حتميَّة، فالإنسان حر والإنسان حريَّة، وإذا كان الله غير موجود، فلن نجد القيم أو الوصايا التي نلتفت إليها والتي تقنن سلوكنا، ومن ثم فلن يكون وراءنا في مجال القيم المضيء أي معذرة، ولن يكون أمامنا تبرير، فنحن وحدنا بغير معذرة”. ويقول سارتر: “إذا أنكر أحدٌ الله، فلا بد من وجود أحدٍ يخترع الأخلاق والقيم، والقول إننا نحن الذين نخترع القيم والأخلاق لا يعني إلا هذا الشيء: الحياة لا تحمل معنىٍ أوليًا، فقبل أن تكون حيَّا، الحياة ليست شيئًا، وإنما هي ما تمنحها أنتَ لها من معنى، والقيم والأخلاق ليست شيئًا إلا ما تختاره أنتَ”. ويقول سارتر أيضًا: “الحياة خلو من أي معنى، الله ميِّتٌ، لا يوجد أي قانون أخلاقي، الإنسان عاطفة لا فائدة منها، والعالم تشويشٌ قويٌّ مثيرٌ للغثيان، والبرجوازيون قذرون خنازير أو كلاب قذرة”.

هذه الحريَّة المنفلتة من أي حدود دينيَّة وأخلاقيَّة وقيميَّة ولَّدَت سمة بارزة ومعروفة في الإنسان الوجودي، وهي ملازمة السوداويَّة والقلق له في حياته، فهي نتيجة متوقعة للفلسفة الوجوديَّة التي تُكَرِّس في الإنسان، بطبيعة أفكارها الإلحاديَّة والشهوانيَّة، فاليأس والقلق والسوداوية ثمار للأفكار الوجوديَّة. تقول ثيلما لافين: “ما معنى الوجوديَّة؟ تدور موضوعاتها الأولى حول الإنسان الفرد كذاتٍ واعيةٍ، والإحساس بفقدان المعنى، وعبثيَّة الحياة، وعدميَّة الوجود الإنساني، والقلق والاكتئاب الذي يملأ الحياة الإنسانيَّة… فخلو الحياة من المعنى هو ما يملأ نفس الإنسان بالقلق واليأس، والإحساس بالعجز والاكتئاب الشديد”. ويقول جان فال: “الإنسان الوجودي في هذا العالم كائنٌ محدودٌ بالموتِ ويشيعِ فيه القلقُ، فهو يُدْرِكُ نفسه على أنَّه مهمومٌ منكفئٌ على وحدتِهِ”. ويقول مؤسس الوجوديَّة سورين كيركغور Søren Kierkegaard مُصورًا الحياة من زاوية الإنسان الوجودي القلق والمكتئب: “استمع إلى صراخ الأم ساعة الوضع، وانظر إلى صراع الإنسان مع الموت وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم أخبرني: هل من يبدأ هكذا وينتهى هكذا، يكون قد خلق للسعادة؟!”. ويقول الدكتور توفيق الطويل مبينًا مآل الأفكار الوجوديَّة: “تفضي بالإنسان إلى الضيق والقلق والحيرة؛ لأنَّ الإنسان متى تبين موقعه من العالم، وعرف أنَّ وجوده مُنْتَهٍ لا محالة إلى الموت، مع عدم الاعتقاد بشيءٍ وراءَ الموت يبعث الرجاء لكفرانه بالعبث والجزاء، أدركه القلق وتولاه اليأس، ومن هنا كان تفكيره المواصل فيه، ومنه انتهى إلى أنَّ حياته فراغٌ وعبثٌ وعدمٌ”.

ولهذا، تجد أكثر أدباء الوجوديَّة وفلاسفتها يتحلون بالعلل النفسيَّة، إما أنَّهم ابتداءً يعانون من عللٍ نفسيَّة أو ينتهون بعللٍ وعاهاتٍ نفسيَّة. فمثلاً: أبرز شخصيات الوجوديَّة وهو جان بول سارتر كان يصف نفسه بأنَّه إنسان نفور ومنفرد ومنزوي، مات والده وهو في الثانية مع عمره، نشأ خجولاً يتيمًا، ثم فقد إيمانه بالمسيحيَّة وهو في بداية المراهقة. يقول سارتر: “كرهتُ طفولتي وكل شيءٍ بقي منها”. وفي سيرته الذاتيَّة التي كتبها وهو في الخمسينيات من عمره، وصف حياته في المراهقة بالتعاسة، وهَجَمَ بشكلٍ عدواني وغير لائق على والديه وجَدَّيه. ويقول عنه بعض المؤرخين الغربيين لحياته، كروبرت زيمر Robert Zimmer، أنَّه كان يحس كطفلٍ يتيم أنه غريب ووحيد في أسرته نفسها، كما كان يرى نفسه منبوذًا أيضًا من محيطه ومجتمعه، ومحل نقد وتهديد منه، وأنَّ هذه التجربة القاسية التي مر بها سارتر في طفولته ومراهقته وشبابه سوف تسري في عقله وتحليله للعلاقات البشريَّة، وانعكست أيضًا في رواياته ومسرحياته التي تعكس أسماؤها، مثل: روايته (الغثيان)، ومسرحيته (الذباب)، محتواها، وأنَّها تُرَكِّزُ على القرف والغربة والقلق في الحياة، وأنه لا مغزى ولا معنى وراء وجود الإنسان، وتمثل أبطالها كمجرمين وقتلة وزناة وشاذين ومدمني مخدرات وخمور، وتدور القصص والمسرحيات حول الخيانة الزوجيَّة وتآمر الزوجة مع عشيقها لقتل زوجها! ويرى الأستاذ والأديب عباس محمود العقاد أنَّ هذه الإباحيَّة التي تنعكس بشكلٍ جليٍّ وواضحٍ في أدب الوجوديين، إنما هي سند فلسفي وهمي من أجل تسويغ الضعف والانحلال، وأنَّ غرضهم الأساس هو تغليف الفسق والفجور والانحلال بإطار فكريٍّ وفلسفيٍّ يُغري الآخرين، ويستر الباعث الحقيقي لهذا الضعف والانحلال.

وهذا سورين كيركغور يقول عن نفسه معترفًا: “لم يفهم الأطباء مرضي، لقد كان مرضي نفسيًّا وهم يريدون علاجه بالعقاقير”، ويقول: “أنا أغزُّ الوجود بأصبعي فلا تفوح منه سوى رائحة العدم، أنا فرد شقي بأعمق معنى للكلمة تسمر بقوة، فمنذ أيامه الأولى هو في هذا العذاب، حتى وصلت إلى حافة الجنون، أنا رجل عجوز يحمل على كاهله كأبة وسوداويَّة هائلة”. وهذا مارتن هيدجر يقول بنفسه: “إننا قد أُلقِي بنا إلى هذا العالم، ولستُ أعرف لماذا ولا كيف، والشيء الوحيد الذي أعرفه حق المعرفة، هو أنني سأموت يومًا من الأيام، فالإنسان مستقبله محدود ومُتَنَاهٍ، وأنا أعرف ذلك”. ويقول كارل ياسبرز Karl Jaspers عن حقيقة الوجود: “إنَّها الإحساس بمدى هَشَاشَة الوجود الإنسانيِّ”.

 

قال الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).

0

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى