عام

الإنجليزيّة ليست سوية!

  • جون مكوورتر *
  • ترجمة: محمد صديق أمون
  • مراجعة: عبدالله الشهري
  • تحرير: عائشة السلمي

 

يعي متحدثو الإنجليزيّة أن لغتَهم غريبةٌ، شأنهم شأن المنهكين في دراستها من أبناء اللغات الأخرى. تكمنُ تلك الغرابة التي نلحظها جميعاً بكل سهولةٍ في نظام هجائها الكابوسيّ. في البلدان التي لا تتحدث الإنجليزيّة، لا يوجد شيءٌ من قبيل “مسابقات التهجئة “، حيث أنّه في اللغات العاديّة هناك على الأقل شبه تناظرٍ بين تهجّي الكلمات وبين الطريقة التي ينطقها بها النّاس، أما الإنجليزية فليستْ سوية.

التهجّي بالطبع متعلّق بالكتابة، في حين أن اللغة مرتبطة أساساً بالكلام. سبق الكلامُ الكتابة بوقت طويل، ونحن نتكلمُ أكثر مما نكتب ، وكل لغات العالم، سوى بضع مئاتٍ من بين آلاف اللغات، لم تُكتَب أبداً إلا نادراً. ولكن حتّى في صيغتها المحكيّة، تبقى الإنجليزيّة شاذةً، ومواطنُ شذوذها يسهل أن يُغفل عنها، خاصّةً أنّ الأنجلوفونيين في الولايات المتحدة وبريطانيا ليسوا شديدي الحماس لتعلم لغات أخرى. ومن ثمَّ، يجعلنا توجُّهنا أحاديّ اللغة هذا كتلك السمكة التي تجهل أنّها في البلل. وهكذا تبدو لغتنا سوية، إلى أن ندرك المقصود بالسوي فعلاً.

على سبيل المثال ليس هناك لغةٌ شديدة القُرب من الإنجليزيّة، بحيث يمكننا أن نفهمَ نصف كلام أهلها بلا تدريب، والباقي بجهدٍ يسير، كما هي حال الألمانيّة والهولنديّة، أو الإسبانيّة والبرتغاليّة، أو التايلندية واللاويّة. وأنسب لغةٍ يمكن أن ينسجمَ معها الأنجلوفونيّ هي لغةٌ شمالي-أوروبيّة مغمورةٌ تدعى “الفريزيّة”. وإذا علمتَ أنَّ (tsiis) هي (cheese)، وأنَّ (Frysk) هي (Frisian)، فلن يصعبَ عليك فهمُ الجملة التاليّة:[Brea, bûter, en griene tsiis is goed Ingelsk en goed Frysk]

لكن هذه جملة محسنة، وبشكل عام، يراودنا إحساسٌ ما أن الفريزيّة هذه أشبه بالألمانيّة، وهي حقاً كذلك.

نشعر بالضيق مما نجده في كثيرٍ من اللغات الأوروبيّة من تذكير وتأنيث الأسماء من غير ما حاجةٍ، كما هي حال الفرنسيّة بأقمارها المؤنّثة، وقواربها المذكرة. لكن في الواقع نحن الغريبين، من بين جميع اللغات الأوروبيّة، والتي تنتمي كلُّها تقريباً إلى عائلة اللغات الاندو-أوروبية، وحدها الإنجليزيّة هي التي لا تذكر ولا تؤنّث.

مزيدٌ من الغرابة ؟ حسناً، هناك لغةٌ واحدةٌ فقط في العالم كله، هأنذا أكتب بها، التي توجب إضافة نهاية خاصة للفعل الحاضر في صيغة الغائب المفرد. نقول:[للمتكلم] (I talk)، و [ للمخاطب ] (you talk)، ولكن [ للغائب ] (he/she talk-s)، لماذا ؟ في أفعال الزمن الحاضر في أي لغةٍ عاديّة، إمّا ألّا تكون هناك أيُّ إضافةٍ، وإما مجموعة مختلفة من الإضافات ( في الإسبانيّة:hablo, hablas, habla). ثم حاول أن تذكرَ لغةً أخرى توجبُ دسَّ  do [ يفعل ] في الجُمَل للسؤال عن شيءٍ ما أو نفيه. أتجد ذاك عسيرا ؟ ربما، إلا إن اتفق أن تكونَ من ويلز، إيرلندا، أو شمال فرنسا.

ولكن لم لغتُنا على هذا القدر من الغرابة والشذوذ ؟ وما هو بالذات هذا الذي نتكلّمه، وما الذي جعله على هذه الحال ؟

كانت الإنجليزيّة، في بدايتها، ضَرباً من ضروب الألمانيّة. تختلفُ الإنجليزيّة القديمة جداً عن النسخة المعاصرة بحيث يبدو من المبالغة عدُّهما اللغة ذاتها. هل (Hwæt, we gardena in geardagum þeodcyninga þrym gefrunon) تشبه حقاً (So, we Spear-Danes have heard of the tribe-kings’ glory in days of yore) [ ها قد أُنبئنا بصولات ملوك الدنماركيين الأبطالِ، وبأمجادهم في الأيام الخوالي]. في حين أن الآيسلنديين ما زالوا قادرين على قراءة حكايات مثل هذه مكتوبةٍ باللغات النورديّة القديمة منذ ألف عام خلتْ، قد تبدو الـ(بيوولف) لمن لا خبرة له كأنّها مكتوبةٌ باللغة التركيّة.

كان أولَ أسباب هذه النقلة الكبيرة مقدمُ الآنجلز، والساكسونيين، والجوتس ( والفريزيين أيضاً ) حاملين معهم لغاتِهم إلى إنجلترا حيث كان يعيشُ أقوامٌ مختلفو الألسن أصلاً. كانت لغاتُهم كلتيّة، وهي تعرَف اليوم بالويلزيّة، والإيرلنديّة، والبريتانيّة على طول القناة في فرنسا. انهزمتْ القبائل الكلتيّة، لكنّها نجت، وبما أنَّ عددَ الغزاة الجرمانيين كان حوالي 250,000 نسمة لا غير، ما يساوي تقريباً عدد سكان مدينة متواضعة مثل جيرسي سيتي، سرعان ما كان جُلُّ متحدثي الإنجليزيّة القديمة من الكلت.

تجدر هنا الإشارة إلى أن لغاتهم تلك كانت مختلفة جداً عن الإنجليزيّة، وذاك لسبب بسيط، وهو أنَّ الفعل يأتي فيها أولاً. ولكن أيضاً، بسبب استعمالهم الغريب للفعل do [يفعل] حيث درجوا على إلحاقه بالجُمَل إما بغرض السؤال، أو النّفي، وإما لمجرد التفنن مثل: (Do you walk? I do not walk. I do walk) [هل ’تقوم‘ بالمشي ؟ إني لا ’أقوم‘ بالمشي. أقوم بالمشي ]. لا يُعَدُّ هذا مستنكراً هذه الأيّام وما ذاك إلّا لأن الكلت استهلّوا فعله في أثناء ممارستهم للإنجليزيّة، لكن فيما سبق ذلك كانت جُمَلٌ مثل هذه تبدو غريبةً للغاية لأي ناطقٍ بالإنجليزيّة، تماماً كما تبدو اليوم لمتحدثِ أيّ لغة سوى لغتنا، وما تبقى من اللغات الكلتيّة. انظر كيف أنَّ مجرد إطالة التفكّر في هذا الاستعمال الشاذ لـ do، يدفعُ المرءَ إلى ملاحظة شيء ما غريبٍ في نفسه، كما لو أُخبِرتُ على الدوام مثلاً أنّ في فمك لسان.

حاليّاً، ليس هناك أيُّ لغة موثّقةٍ في العالم، سوى الكلتيّة والإنجليزيّة، تستخدم do بهذه الطريقة. فغرابة الإنجليزيّة إذن بدأت مع ما طرأ عليها من تبدلٍ إثرَ جريانها على ألسن أناسٍ عاشوا في محيطٍ مختلط اللغات، لكن بين طريقة كلامنا وكلامهم تقاطعاتٌ قد لا تخطر على بالٍ. خذ عندك مثلاً ( ايني eeny، ميني meeny، مايني miny، مو moe) هل أحسست لبرهة عند ترديدك لها أنّك تَعُدُّ بطريقة ما ؟ في الواقع هذا بالضبط ما تفعله، ولكن بالأرقام الكلتيّة. وهي وإن غيّرها مرُّ الزمان، لكن قربها ممّا اعتاد القرويون البريطانيون استعماله في عدّ الحيوانات، وممارسة الألعاب غيرُ منكَر. و ترى أيُّ شيءٍ تعنيه هذه الكلمات (Hickory, dickory, dock)؟ حسناً، ثمّة معلومة مفيدةٌ هنا، وهي أن (hovera, dovera, dick) تعني ثمانية، تسعة، عشرة في نفس نظام العد الكلتيّ ذاك.

 تلا ذلك مجيءُ المزيد من متحدثي الجرمانيّة عبر البحر بغرض التجارة. حيث بدأ توافد هؤلاء في القرن التاسع، وهذه المرة كان الغزاةُ يتحدثون فرعاً آخرَ من فروع الجرمانيّة، أعني النورديّة القديمة. لكنّهم لم يفرضوا لغتهم ، بل تزوّجوا من نساء محليّات وتحولوا إلى الإنجليزيّة. و على كل حال، قد كانوا بالغين، والبالغون كما جرت العادةُ لا ينسجمون مع اللغات الجديدة بسهولة، خصوصاً في المجتمعات الشفهيّة كالتي كانوا فيها، حيث لا مدارس، ولا وسائل إعلام. يومئذٍ سبيلُ تعلّمِ أيّ لغة مجردُ الإنصات بعنايةٍ، والمحاولة بجد. ولنا أن نتخيّل مستوى كلام معظمنا بالألمانية إن كان علينا أن نتعلمها دون أن نراها أبداً مكتوبةً أمامنا، إلى جانب انشغالنا بأمور أخرى ( كتقتيل الحيوانات، والبشر، وما إلى ذلك ..) سوى تحسين طريقة نطقنا.

طالما كان الغزاةُ قادرين على توضيح مقاصدهم فقد حصل المطلوب وكفى، ولكن بالإمكان فعلُ ذلك بممارسة اللغة على نحو تقريبيّ للغاية، وما مقروئية الجملة الفريزيّة المذكورة آنفاً إلّا دليلاً على ذلك. وإذن فعل الإسكندنافيون كثيراً مما قد نتوقع منهم، قد تحدثوا الإنجليزيّة القديمة بطريقة بائسة. ثم نشأ أولادُهم وهزّ سمعُهم كثيرٌ منها ومن الإنجليزيّة القديمة الأصليّة. ومرّت الأيام، وسرعان ما غدت لغتُهم البائسةُ تلك الإنجليزيّةَ القديمة الحقيقيّة. وها نحن ذا اليوم، قد جعل الإسكندنافيّون الإنجليزيّة أكثرَ سهولةً.

وهنا عليّ أن أوضّح أنّه في اللسانيّات يُعَدُّ تهوراً وسمُ لغةٍ ما بأنّها أسهل من أخرى، لأنّه ليس هناك أيُّ معيارٍ يخوّلنا التصنيف بموضوعيّة. لكن وإن كان لا يوجدُ خطٌ سافرٌ بين النّهار والليل، فلن ندّعي ألبتة ألّا فرق بين الدنيا عند العاشرة صباحاً و عند العاشرة مساءً. وبالمثل تعجُّ بعضُ اللغات بفائض تعقيدٍ لا يوجد في الأخريات. وإن خُيّر أحدُهم بين الرّوسيّة والعبريّة على أن يُعطى سنةً كاملة لتعلم أقصى قدر ممكن من إحدى اللغتين، ثم يُسأل لمدة ثلاث دقائق، على شرط أن يُنزع منه ظفرٌ كلما أخطأ، فلن يختار الرّوسيّة إلا من كان مازوخيّاً، أو اتفق أنّه يتقنُ لغةً قريبة منها. وبهذا المعنى وحده تكون الإنجليزّية أسهلُ من باقي اللغات الجرمانيّة، وما ذاك إلا بسبب أولئك الفايكنج.

كان في الإنجليزيّة القديمة جنونُ التذكير والتأنيث كالذي قد نجده في أيّ لغة أوروبيّة، لكنّ الإسكندنافيين لم يلتفتوا لمثل هذا، ولذلك لا نفعلُ نحن اليوم. هذه واحدةٌ من غرائب الإنجليزيّة، قيّدها عندك. ليس هذا فحسب، بل لم يُخضع الفايكنج سوى جزءٍ يتيم من نظام تصاريف الأفعال اللذيذ يومئذ، وهكذا ظلّت الـ s في نهاية صيغة الغائب المفرد، وحيدةً، معلقةً كحشرة ميّتة على واجهة زجاجيّة. بهذه الطريقة وبغيرها، مهّدوا كل حَزن.

وراح هؤلاء، مقتفين أثر الكلت، يمارسون اللغة كيفما شاءت لهم طبيعتُهم. فنجد في الوثائق العديدة التي وصلتنا أنّهم قد أدخلوا على الإنجليزيّة آلاف الكلمات الجديدة، بما فيها تلك التي تبدو وثيقة الصلة بنا نحن. لك أن تُمِرَ الأغنيةَ القديمة (Get Happy) على بالك مترنّماً، فكلمتي العنوان هاتين من أصل نورديّ. أحياناً بدوا كأنهم حريصين على دقّ ظهر اللغة بلافتات تقول ” نحن هنا أيضاً “، قارنين بين كلماتنا المحليّة و ما يماثُلها عندَهم، فكانت المزدوجات من قُبيل dike (عندهم) و ditch (عندنا)، scatter (عندهم) و shatter (عندنا)، و ship (عندنا) مقابل skipper، (المقابل النوردي لـ ship كان skip، وبالتالي skipper  يقابلها “shipper”).

لكن الكلمات كانت مجرّدَ بدايةٍ، لأنّهم تركوا بصمتهم على قواعد اللغة الإنجليزيّة أيضاً. من النِّعم أن صار نادراً أن يُنبَّه أحدٌ إلى خطأ قول القائلين: ?Which town do you come from [ أيّ بلدةٍ أنت منها ؟] خاتمين الجملة بحرف الجر عِوضاً عن إنزاله منزله قبل لاحقة السؤال (الـ -Wh) لتصبح الجملةُ From which town do you come ؟ [ من أيّ مدينة أنت ؟]. في اللغة الإنجليزيّة إذن تبدو الجمل بحروف جر متدليّةٍ من آخرها طبيعيّةً للغاية، وواضحةً، ولا ضرر فيها. غير أنّه هنا تماماً تلوح لنا تلك السمكةُ المبللةُ من جديدٍ، لأن اللغات العاديّة لا تدلّي حروف الجرِ بمثل هذه الطريقة. ومن يتحدث الإسبانيّة يعرف أنّ قول القائل (El hombre quien yo llegué con) [ الرجل الذي جئتُ معه ] يبدو طبيعيّاً بالضبط كما يبدو لبس البنطال ظهراً لبطن. لكن من حين لآخر، يظهر أنّ اللغة قد تتسامح بجمل مثل هذه على لسان أحد أبناء المكسيك مرّةً، أو آخر في ليبريا مرّة أخرى . لكن لا مزيدَ على هذا، ففوق كل شيء، هذه غرابةٌ. وبعدُ، لن تصدق ما كان، لقد اتفق أنّ النورديّة القديمة كانت تجيز فعل ذلك أيضاً ( كما لا تزال الدانماركيّة ).

فإذن يمكن لنا أن نوجزَ كلَّ هذه التأثيرات النورديّة العجيبة بجملة واحدةٍ لا غير: That’s the man you walk in with [ ذاك الرجل الذي دخلتَ معه ]. فهذه الجملة غريبةٌ لأنّ:

1)  ليس لـ the صيغةٌ مذكّرة تناسب كلمة man [ الرجل ].

2) لا تنتهي الجملة عند (walk)،

3) لا يمكنك أن تقول: ” في مع الذي أنت تمشي “. كل هذه الغرابة بسبب ما فعله الإسكندنافيّون الفايكنج بالإنجليزيّة القديمة الطيّبة في سالف الزمان.

أخيراً، وكأنّ ما فات لم يكن كافياً، أُمطرت الإنجليزيّةُ بوابلٍ من الكلمات الجديدة من لغات أخرى. فبعد النّورديين، جاء الفرنسيون . غزا النورمانديّون – اتفق أّنهم منحدرين من نفس الفايكنج –  إنجلترا وحكموا البلاد قروناً عدة. سرعان ما دخلت اللغةَ 10,000 كلمةٍ جديدة. و مضى زمانٌ، ثم انطلاقاً من القرن السادس عشر، بدأ متعلمو الأنجلوفونيين العمل على إظهار الإنجليزيّة بصفتها أداة للكتابة الراقية، فشاع انتخاب الكلمات من اللاتينيّة من أجل إسباغ مزيد بهاء وإشراق على محيا اللغة.

بفضل تدفق الكلمات هذا من الفرنسيّة واللاتينيّة ( يعسر أحياناً الجزم بالمصدر الأصلي لبعض الكلمات ) اكتسبت الإنجليزية كلماتٍ من قبيل: crucified [ مصلوب ]، fundamental [ أساسيّ ]، definition [ تعريف ]، و conclusion [ استنتاج ]. تبدو لنا هذه الكلمات اليومَ إنجليزيّة بما فيه الكفاية ، لكنّها لم تستقبل بنفس الطريقة مع بداية دخولها بوابة اللغة . حيث اعتبرها كثيرٌ من أهل العلم والمعرفة في ذاك الوقت ( سِنِيّ 1500 وما تلاها ) ” شديدة التطفل والادعاء بشكل مزعج “، تماماً مثلما قد كانوا سيجدون عبارة ” شديدة التطفل والادعاء بشكل مزعج “، ( تأمّل كيف يأنف متحذلقو الفرنسيين اليوم من  تيار الكلمات الإنجليزيّة المنصب في لغتهم ). بل ظهرت عدة كتابات تنادي باستبدال هذه الكلمات المتغطرسة ذات الأصل اللاتينيّ بما يقابلها من الإنجليزيّة الأصيلة . ويصعب ألّا يحنَّ المرءُ لبعض ما اقترح يومئذٍ مثل : (,crossed, groundwrought, saywhat و endsay) بدلاً من: (,crucified, fundamental, definition و conclusion).

لكن سبق السيفُ العذلَ ، فاللغة لا تميل لفعل ما نريده منها، وكان ما كان من مزاحمة آلاف الكلمات الجديدة لمقابلاتها من الكلماتِ الإنجليزيّة الأصليّة. نتيجةً لهذا الأمر ظهرت الثلاثيّات، مخولةً إيّانا التعبيرَ عن أفكارنا حسب درجات متفاوتةٍ من الرّسميّة. فـ Help [مساعدة] إنجليزيّة، و aid فرنسيّة، و assist لاتينيّة. كذلك: Kingly [ ملكيّ ] إنجليزيّة، و royal فرنسيّة، وregal لاتينيّة. بإمكان المرء أن يلمس شيئاً مختلفاً مع كل مستوى، فكلمةـkingly  تبدو تهكميّة بعض الشيء، و regal منتصبةً كظهر العرش، أمّا royal فتقف بين هذا وذاك، كملكٍ قيّم لكن عرضة للخطأ.

ثم هناك المزدوجات أيضاً، وهي أقل إثارةً من سابقتها لكن لا تخلو من طرافة، مثل الأزواج الإنجليزيّة/الفرنسية : begin[ يبدأ ] و commence، أو want[ يريد ] ، و desire. ومما يحلو ذكرُه هنا، أمرٌ متعلّق بالتحوّلات المطبخيّة. نحن نذبح cow[ بقرةً ]، أو pig[ خنزيراً ] ( إنجليزيّة )، لصنع beef [ لحم البقر ]، أو pork[ لحم الخنزير ] ( فرنسيّة )! لم هذه الاختلافات ؟ حسناً، هاك النبأ، في إنجلترا زمن النورمانديين كان العمّال من متحدثي الإنجليزيّة هم في الغالب من يقطع اللحم ويقدمه لمتحدثي الفرنسيّة الأثرياء وراء الطاولات. فإذن طريقةُ إحالة المرء على اللحم كانت تبعاً لموقعه من اللعبة، وراء الطاولة أم أمامها. وتلك الفروقات الطبقيّة حُملت إلينا اليوم بشكل متميّز.

لكن فليكن قارئ هذا الكلام على حذر، لأنّ الكتابات التقليديّةَ حول تاريخ الإنجليزيّة غالباً ما تغلو في حق مستويات التعبير المختلفة هذه التي طرأت على مفردات لغتنا. فقد قيل ذات مرّة أنّها وحدها التي تجعل مفردات اللغة الإنجليزيّة غنيةً بشكل فريد. وقد زعم كُلٌ من روبرت مكروم ، وويليام كران، و روبرت ماكنيل في كتابهم المعروف ” قصة الإنجليزيّة ” (1986) أنّ الدفعةَ الأولى من الكلمات اللاتينيّة الدخيلة على الإنجليزيّة القديمة هي في الواقع من أعطت متحدثيها قابلية التعبير عن التفكير المجرد. لكن لم يحدث أبداً أن قاس أحدُهم الغنى أو التجريد بمثل هذه الطريقة، ( ومن أولئك الناس يا تُرى الذين ينقصهم التفكير المجرد ، أو حتى القدرة على تبيينه ؟). بل ليس هناك أيُّ لغةٍ موثّقة تملكُ مفردةً واحدةً لا غير لكل مفهوم. فاللغات مثل الوعي البشريّ ، أكثر دقةً وتنوّعاً، و حتى فوضويةً من أن تكونَ بهذه البدائيّة المدعاة. وحتى اللغاتُ غير المكتوبة لها سجلُ استخداماتٍ رسميّة. أيضاً، تنطوي التعبيرات البديلةُ على نفس قصة الرّسميات المتفاوتة هذه، فالإنجليزيّة تستخدم life[ حياة ] بصفتها مفردةً معتادةً، و existence لإضفاء مسحةٍ من فخامة. لكن في لغة الزوني، وهي لغة محليّة أمريكيّة، التعبيّر الرائق للإشارة إلى الحياة هو ” نفخة في “.

إلّا أنّه حتى في الإنجليزيّة تنطوي الجذور الأصليّة على معانٍ أكثر مما ندركه، وسيظل ما نعلمُه عن ثراء مفردات الإنجليزيّة القديمة قاصراً لأن ما تبقى لنا مما كتب فيها قليلٌ للغاية . من السهل القول أن comprehend الفرنسيّة قد منحتنا طريقة رسميّة جديدة للتعبير عن understand، لكن وقتئذٍ، في الإنجليزية القديمة نفسها، وُجدت كلماتٌ إذا ما حوّلت إلى الإنجليزية الحديثة تماثل (’forstand’, ‘underget‘, و ’undergrasp‘) حيث يظهر أنّها جميعاً تعني understand [ يفهم ]، لكن بالتأكيد كان ثمة اختلاف في مضامينها، ومن المحتمل أنّ تلك الفروقات حوت درجات متفاوتة من الرّسمية.

غير أنّ هذا الغزو اللغوي اللاتيني قد ترك بالفعل خصائص أصيلة في لغتنا. فعلى سبيل المثال، من هاهنا بدأت الفكرة القائلة بأن ” الكلمات الكبيرة ” أكثر أناقة. في معظم لغات العالم، ثمّة اعتبار أقل لكون الكلمات الأطول ” أرفع “، أو أكثر تعييناً. ففي السواحليّة، Tumtazame mbwa atakavyofanya تعني ببساطة: ” فلننظر ماذا سيفعل الكلب “، وإذا كانت المفاهيم الاصطلاحية تتطلب كلمات أطول بعدُ، فتحدث السواحلية إذن يحتاج إلى قدرات خارقة على ضبط النَّفَس. إنَّ هذا التصوّر الإنجليزي عن أنّ الكلمات الكبيرة أكثر فخامة يرجع إلى حقيقة أنّ الكلمات الفرنسيّة، وبشكل أخصَّ اللاتينيّة كانت في العادة أطولَ من مثيلاتها الإنجليزيّة، مثل end في مقابل conclusion [ نهاية ]، وwalk في مقابل ambulate [ يمشي ].

هذه التيارات المتعددة من المفردات الأجنبية المنصبّة تفسّر كذلك شيئاً من الحقيقة الصّادمة عن إمكانية إرجاع الكلمات الإنجليزية إلى العديد من الأصول المختلفة، وأحياناً إلى بضع أصول في نفس الجملة الواحدة. ومن ثمَّ يبدو لنا تصوّر الإيتيمولوجيا ( علم أصول الكلمات ) على أنّها بوفيه متنوّع اللغات، بحيث تغدو كل كلمة فيه قصةٌ آسرة من الهجرة والتبادل، أمراً عاديّاً. لكن جذور العديد من اللغات العظيمة تبدو أقل إثارةً. فالكلمة النّمطية تأتي  من نسخة سابقة للكلمة نفسها، وانتهى الأمر. إنّ الدرس الإيتيمولوجيّ يحمل، لنقل لمتحدثي العربية، أهمية قليلة.

إلّا أنّه للإنصاف، ليست المفردات الهجينة مما يندر وجودُه حول العالم. لكن تبقى هجنة الإنجليزية مرتفعة في الكمّ مقارنة بمعظم اللغات الأوروبيّة. فالجملة السابقة مثلاً هي خليط هائج من الكلمات الإنجليزيّة القديمة، والنّورديّة القديمة، والفرنسيّة، واللاتينيّة. أمّا اليونانية فهي عنصر آخر: في عالم بديل قد نطلق على photographs [ الصّور الفوتوغرافيّة ] ” كتابة الضوء ” {lightwriting}. وكيفما كانت الموضة التي بلغت أوجها في القرن التاسع عشر، وجب بالتبع أن تُعطى الأشياء العلميّة أسماء إغريقيّة. ومن ثم كانت طلاسمُ أسماء المواد الكيماويّة، و لماذا لا يمكننا أن نطلق على Monosodium glutamate [ غلوتامات أحادية الصوديوم ] مسمى: “one-salt gluten acid” [حمض الغلوتين أحادي الملح ] ؟ لقد فات أوان السؤال الآن. لكن هذه المفردات البلهاء هي أحد الأمور التي تضع تلك المسافة بين الإنجليزيّة وأقرب جيرانها اللغويين.

في آخر المطاف، كان علينا معشر متحدثي الإنجليزيّة، بسبب ذاك الوابل، أن نناضلَ ضد طريقتين مختلفتين لنَبر الكلمات. ألحق إضافة بكلمة wonder [ عجب ]،  وستحصل على [ عجيب ]wonderful. لكن إذا ما ألحقت نهايةً بكلمة modern[ حديث ]، فإنّ النهاية ستجر معها النّبر للأمام، فهي MO-dern، و mo-DERN-ity [ حداثة ]، و ليس MO-dern-ity. إلّا أن هذا لا يحدث مع WON-der و WON-der-ful، أو  CHEER-y[ مرح ] و CHEER-i-ly [ بمرح ]، لكنه يقع مع PER-sonal [ شخصيّ ]، و person-AL-ity[ شخصيّة ].

ما الفرق ؟ كلّ ما في الأمر أنّ -ful، وly- هي نهايات جرمانيّة، أما ity- فقد جاءت مع الفرنسيّة. تسحب النّهاياتُ الفرنسيّة واللاتينيّة النّبر معها، TEM-pest [ عاصفة ] و tem-PEST-uou [ عاصف ]، بينما تدع النّهايات في الجرمانية النّبرَ وشأنَه. هذا أمر لا يُلاحظه أحدٌ أبداً، لكنّه أحد الأمور التي تبيّن أنّ هذه اللغة ” البسيطة ” ليست كذلك حقاً.

وهكذا تسفر قصة الإنجليزيّة، من حين نزولها بالموانئ البريطانيّة قبل 1600 عام حتّى اليوم، عن لغة تمعن في الغرابة على نحو جذاب. إنّ الذي طرأ عليها خلال تلك الفترة يفوق ما حدث لأيٍ من قريباتها، أو لما حدث لمعظم لغات الأرض. فها هي اللغة النّوردية القديمة من سني 900 للميلاد، وها هي الأبيات الأولى من حكاية The Lay of Thrym [ أنشودة ثريمو] ضمن أشعار الإيدا Poetic Edda. تقول هذه الأبيات: ” غاضباً كان فينغ-ثور/قد استيقظَ “، و هي بمثابة أن يقال: كان كالمجنون حينما قام. والبيتان في النّوردية القديمة على النّحو الآتي:

 Vreiðr vas Ving-Þórr / es vaknaði

وهكذا يقالان في الآيسلنديّة الحديثة اليوم :

Reiður var þá Vingþórr / er hann vaknaði

إن الأمر لا يحتاج إلى معرفة بالآيسلندية لملاحظة أنّ اللغة لم تتغيّر كثيراً، فلقد كانت ” غاضباً ”  vreiðr ذات حين، أما reiður اليوم فهي نفس الكلمة ما عدا أن ’v‘ التي في المقدمة قد تلاشت، وأنّ نهاية الكلمة باتت تُنطق بطريقة مختلفة بعض الشيء. وفي النّوردية كان يُقال vas لـ was [ كان ]، أما اليوم فيُقال var، أمرٌ يسير جداً.

لكن في الإنجليزيّة القديمة، ” غاضباً كان فينغ-ثور/ قد استيقظَ “، كانت ستبدو بهذه الهيئة:Wraþmod wæs Ving-Þórr/he  áwæcnede. لربما استوعبنا بعد لَأْي[1] أن هذه “إنجليزية “، لكن الواضح هو أن بعدنا عن البيوولف Beowulf أكثر من بُعد الريكيافيكيين اليوم عن فينغ-ثور.

وعليه فإنّ الإنجليزيّة لغةٌ غريبةٌ حقاً، وإنّ طريقة نطقها هي البداية لا غير. في الكتاب الذائع Globish (2010)، يحتفي مكروم بالإنجليزية بصفتها “متينة ” بشكل فريد ، و” متماسكة جداً لدرجة يتعذر معها أن تُطمس ” بفعل الغزو النورمانديّ. كذلك يتعامل معها على أنّها ” مرنة “، و ” قابلة للتأقلم ” بشكل جدير بالتقدير، مفتوناً بمفرداتها الهجينة. لا يزيد مكروم هنا عن تعقب خطى تراثٍ عريضٍ من التباهي المشرق، المفتول العضلات، والذي يمثّل التصوّر الرّوسي عن لغتهم أنها ” عظيمة، وجبّارة “، كمّا سمّاها في القرن التاسع عشر الروائيّ إيفان تورغينيف، أو التصوّر الفرنسيّ عن لغتهم أنها ” واضحة ” بشكل مميز. (Ce qui n’est pas clair n’est pas français) [ ما ليس واضحاً ، ليس فرنسيّاً ].

لكن على كل حال، قد ينتابنا نفورٌ من مجرد تحديد أي اللغات غير ” عظيمة “، خصوصاً أن اللغات المغمورة التي يتحدث بها عدد قليل من النّاس، هي في المجمل معقدة بشكل مهيب. ثم إنّ الفكرة المنتشرة القائلة بأنّ الإنجليزيّة مسيطرةٌ على العالم لأنّها ” مرنة “، تُلمح إلى أنّه كان هناك لغات فشلت في الانتشار خارج مضارب القبيلة، لأنّها كانت جامدةً بطريقة غامضة. عن نفسي، لا أعلم لغات من هذا النوع. إنّ الذي تمتلكه الإنجليزيّة زيادةً عن باقي الألسن هو ” جانبها البنيوي ” الممعن في الغرابة. وقد غدت متميّزة بفعل نوائب – وأيضًا نزوات – تاريخ غاشم.

اقرأ ايضاً: مهارات دراسية للمبتدئين في اللغة الإنجليزية


* جون مكوورتر هو أستاذ اللغويات والدراسات الأمريكية بجامعة كولومبيا

أي بعد جهد أو مشقة.   [1]

المصدر
aeon

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق