عام

التعاطف، في لُبِّه، هو تقديرٌ جمالي للآخر

  • سوزان لانزوني
  • ترجمة: د. حصة بنت عبد الله السنان

إننا ننظر اليوم إلى التعاطف على أنه طريقة لتفهّم ما مرّ بشخص آخرٌ. ولكن الكلمة الإنجليزية ‘empathy‘ حين ظهرت، أول ما ظهرت، في عام 1908 ترجمةً للكلمة الألمانية Einfühlung، كانت تشير إلى قدرة جمالية على تقدير الأشياء والطبيعة. ما هي الصورة المُدهِشة والأقدم للتعاطف؟ وهل يمكننا اليوم أن نتصور التعاطفَ ممارسةً جماليةً؟

في نهاية القرن التاسع عشر، عرَّف علماء نفسٍ ألمان Einfühlung بأنها تَحويلٌ جمالي تتحول به تجاربنا الذاتية إلى أشياءٍ في العالم. أن نتعاطف كان يعني أن نُبرز ما نشعر به وحركاتنا في أشكال من الفن والطبيعة. ولذا، مثلاً، فإننا عبّرنا عن شعورنا بالتعالي، بالوصول المَهيب إلى قمة جبل، شعرَنا بامتدادنا في نظرنا إلى فروع شجرة، وأبرزنا ميلنا إلى التوسع في عمارة سقف كاتيدرائية. أحد المنظرين المركزيين للتعاطف، في تلك الحقبة ، ثيودور ليبس صرّح بأن التعاطف يمزج حركاتنا ومشاعرنا المتخيلة في أشكالٍ حولنا، ولذا كان مفتاحاً لِتقديرنا للجمال.

كان التعاطف الجمالي ممكناً لأنه استند إلى مقدرتنا على توليد صور حسية حركية[1]، أو صور ذهنية للحركة والشعور. في السبعينيات من القرن التاسع عشر 1870 وما بعدها ، طور علماء نفس الطريقة الجديدة لاستبطان (تأمل باطني)[2] مطّرد؛ وهي طريقة علمية منضبطة تحدّد عناصر التفكير والإدراك. perceiving عندما أجرى علماء نفس تأملاتهم الذاتية (لما يستبطنونه من مشاعر)‘ اكتشفوا الصورة الحسية الحركية ، وهي الصورة التي أضافوها إلى الصور الذهنية المرئية والسمعية الأكثر شيوعًا. أكد إدوارد تيتشنر ، وهو شخصية محورية في تأسيس التخصص الأكاديمي لعلم النفس التجريبي في الولايات المتحدة، ومدير مختبر (كورنيل)، -أكد على وجود الصور الحسية الحركية في تأمله الذاتي (لما يستبطنه من أفكار). في محاضرة ألقاها عام 1909 ، أوضح أنه عندما نطق بكلمة “فخم” ، على سبيل المثال ، رأى في ذهنه صورة لامرأة تحمل تنورة بلون رمادي مشرق، جمعت هذه الصورة الحركية بين العناصر المرئية، والشعور والحركة، وأصبحت الأساس للتعاطف.

كان التعاطف، باعتباره استجابةً حسيةً حركيةً، مركزياً أيضًا في للتقدير الجمالي في الرقص الحديث. ذلك أن الرقص الحديث قد استَبدل بالأداء المسرحي[3] المستند على سرد روائي، في رقص الباليه الكلاسيكي[4]، استبدل حركاتٍ جديدةً ومجردةً على المسرح، فاعتمد الرقص الحديث على أن يستجيب أفراد من الجمهور مباشرة للحركات التي كانوا يشهدونها. بحلول عام 1928، كان الرقص الحديث قد برز بوصفه فناً مستقلاً: أنشأت مارثا جراهام مدرستها الخاصة وشركتها في مدينة نيويورك، وأسست دوريس همفري شركة مع تشارلز ويدمان، وبدأت هيلين تاميريس العمل على أغاني الزنوج[5] الخاصة بها. ومع الاهتمام المتزايد بالرقص الجماعي، والتصميم الأكثر تعقيدًا للرقصات في الرقص الحديث، بدأ النقاد يحللون الشكل الفني الذي بدأ ينشأ عند جيل جديد من المشاهدين.

كتب جون مارتن، الناقد للرقص الحديث، لصحيفة نيويورك تايمز، يحاجج بأن جمهور الرقص الحديث، وهم على مقاعدهم، كانوا يشعرون كما لو أنهم، في مخيلتهم، يتمثلون أداء وحركات الراقص. هذه القفزة المتخيَّلة كانت شكلاً لتعاطف حسي حركي. التعاطف الحسي الحركي ينشّط مستقبِلات إحساس الحركة في عند المُشاهد، مما له صلة مؤثرة بالمشاعر والصور، مما يؤدي بالمرء إلى رغبة تدفعه إلى الحركة. علّم مارتن المشاهدين أن يضبطوا مشاركتهم الحركية، على نحو يعززون به استجابتهم الفردية للجمال.

في عام 1933، صرّح مارتن: ‘علينا أن نكفّ عن أن نكون مجرد متفرجين، وأن نشارك في الحركة التي تقدَّم لنا، مع أننا، في كل ما يَظهر منا (في مظهرنا الخارجي)، علينا أن نكون جالسين بهدوء في مقاعدنا، ومع هذا، نتحرك بكل ما فينا‘.

كانت المشاركة التعاطفية للمشاهدين ذات أهمية كبرى في إضافة قيمة الرقص الحديث، وفي احترام الخاصية الجمالية في هذا الشكل الفني الجديد. أحد فلاسفة تلك الحقبة أوضحَ بأن “أكثر صيغ التعاطف مباشرةً” ووضوحاً في التعبير عن التعاطف هي تلك الحركات التي نحاول بها أن نتحد مع الشيء الذي نفكر فيه.

وإذا كانت المشاركة الجمالية المجسدة قد شكّلت التعريف الأساسي للتعاطف في العقود الأولى من القرن العشرين، فإنه مع حلول الحرب العالمية الثانية قد تلاشى هذا المعنى. وتصدَّر المعنى الشخصي للتعاطف المتعلق بالتعامل بين الأشخاص، حتى صار التعاطف كأنما هو مقتصر على مسألة أن تتفهم تجربة شخص آخر. غير أنك من أجل أن تقوم بهذا على وجهه، فإن هذا يتطلب، اليوم، أن ينحي المرء مشاعره، ويحيّد من نفسه (قدر المستطاع)، بغية الوصول إلى فهم أوضح لتجربة شخص آخر، والتي قد تكون شديدة الاختلاف عن تجربتك. في الخمسينيات من هذا القرن، عرّفت سلسلة من التجارب النفسية قد التعاطف تعريفاً واضحاً على أنه القدرة على تنبؤ استجابة شخص آخر، وبهذا قد كان التعاطف هو النقيض المباشر للإسقاط، الذي هو حالة يعزو بها المرء أفكاره إلى شخص آخر[6].

تعود أصول النموذج الشخصي للتعاطف المتعلق بالتعامل بين الأشخاص إلى تقليدٍ في العلاج النفسي يجعل مشاعر العميل مقدَّمة على مشاعر المعالِج. طوِّر هذا المنهج لأول مرة في الثلاثينيات، طوَّره المحلل النفسي غير التقليدي أوتو رانك بالتعاون مع جيسي تافت، الفيلسوفة والرائدة في الخدمة الاجتماعية. في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، كيَّف عالم النفس الإكلينيكي كارل روجرز هذا المنهج ليركّز مباشرة على التعاطف في العلاج النفسي. انتشر هذا الأسلوب التعاطفي انتشاراً واسعاً في العقود اللاحقة في الإرشاد النفسي الوعظي، وفي علاجات نفسية متنوعة، حتى أنه انتشر في تقنيات التدريب المعاصرة coaching techniques

يفضّل التعاطف المستخدَم في العلاج النفسي التواصل مع العميل على السيطرة عليه. أوضح روجرز بأنه، بالتعاطف، يستمع المعالج للعميل مُصغياً، دون حكم، أو تقييم ولا تقديم نصيحة. ولكي يصغي المعالج إضغاءً فاعلاً، فإنه ينحِّي مشاعره الذاتية، ثم ينغمس في تجربة الآخر ‘كما لو أنها‘ كانت تجربته الشخصية. دعا روجرز إلى ‘أسلوب حياة قائم على التعاطف‘ يصلح لأن يمارس في عدة أنواع مختلفة من العلاقات.

إن أسلوب الحياة القائم على التعاطف هو في لبه نوع من التقدير الجمالي. أوضح روجرز، في محاضرة ألقاها عام 1964، لمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، بأن الاستجابة التعاطفية لا تحاول السيطرة على موقف الشخص الآخَر، أو تغيير موقفه، ولكننا نسمح للشخص الآخر بأن يكون على ما هو عليه تماماً، كما حين يعجبنا منظر لغروب الشمس، فإننا لا نحاول أن نغير هذا المنظر فنقول: ‘لو خُفف قليل من اللون البرتقالي في الزاوية اليمنى، وزيد من اللون البنفسجي في الخلفية، وأدخل شيئاً اللون الوردي في الغيوم.‘ ولكننا، كما عبَّر عنها روجرز،: ‘أنا لا أحاول أالسيطرة على الغروب، أنا أتأمله في رهبة وهو بتكشف.

إذا كانت مشاهدة منظر الشمس، في إعجاب، وهي تغيب في غروبها يمثل استجابة جمالية، فإن ذلك قد يعتبر، إلى حد كبير، فعل تعاطفي أيضاً. أن تتعاطف مع شخص آخر على هذا النحو يعني بأن لا تنتقده أو تحكم عليه، بل تتجاوب مع تجربته بكليّتها. إننا لا نحاول أن نغير تجربة مر بها شخص آخر، ولا أن نقترح طرقاً لتحسين التجربة أو تغييرها. صحيح أن تجربة مر بها شخص آخر قد لا تكون بجمال منظر غروب الشمس، ولكن تثمين موقف أو حالةمر بها شخص آخر، في أبعادها المتعددة – بما فيها من ألم وبهجة – يرقى إلى أن يكون شهوداً متجرداً. والشخص الذي يكون له من يقدّر تجربته بقلب صادق، يدعي روجرز، فإنه عادة ما يشعر باستشفاء كبير.

إن التعاطف الجمالي، بما هو حالة شهود، شبية بالتأمل المحايد، هو خاصية أساسية لما هو جمالي تعود إلى إيمانويل كانط. إنها لحظة تقدير مطلوبة لذاتها، وليس باعتبارها شيئاً يُتوصّل به إلى غاية أخرى. ولكن هذا النمط من التعاطف الجمالي مختلف عن التعاطف الجمالي الحسي الحركي، الذي عُرِف في قبل قرن، والذي فُهم على أنه إسقاط لمشاعر المرء الذاتية، وحركاته، على شيء. ومع ذلك، فكلا النمطين من التعاطف الجمالي يعتمدان على قوة مُكْنتنا التخيلية في إيجاد ما يسر في الآخرين وفي العالم من حولنا، وعلى الاستجابة باحترام لهم.

أن نقدّر تجربة مر بها شخص آخر، في صورة محايدة، ليس معناه أن لا نتخذ موقفاً تجاه المعاناة الإنسانية واليأس. ولكن، دون أن يستغرق انشغالنا بها فكرنا. إننا قد لا نجد سبلاً تتيح لنا ما يمكننا من إحداث تغيير في الموقف، ومن أجل ذلك، كان التعاطف يشكل حالة من التوقف أو لحظة من التركيز تساعدنا على أن نرى بوضوح، وأن نستوعب موقف أو حالة شخص آخر دونما حكم. ما يكسبنا إياه التعاطف من وضوح في رؤية الموقف يمكن، عندئذ، أن يُستخدم، مع ما نملكه من مهارات التفكير النقدي، لاتخاذ إجراءات تخدم الموقف.

إن التعاطف، بما هو ممارسة جمالية، يمثل تحدياً لنزوعنا إلى السيطرة والتغيير، ويدفعنا، بدلاً من ذلك، إلى أن نسمح بفضاء للتقدير، فضاء يمكن أن يتحقق به تحوّل جذري.


  • سوزان لانزوني مستشارة في التعاطف ومدربة، ومعلمة كتابة في كلية ماساتشوستس للصيدلة والعلوم الصحية، مؤلفة كتاب: (Empathy: A History) ]صدر في{ 2018، تعيش في كيمبردج، ماساتشوستس (co/users/susan-lanzoni)

[1] Kinaesthetic : ضبط الحاسة الحركية (منير الخازن: معجم مصطلحات علم النفس)، وتعني: ” ]صفة [متعلقة بقدرة المرء على معرفة أي الأجزاء من جسمه يتحرك، وكيف”. (Cambridge English Dictionary: )

[2] “Introspection – الاستبطان، التأمل الباطني : العملية التي بها تشاهد الذات ما يجري في الذهن من شعوريات ]أي: يتأمل بها المرء مشاعره[ بقصد وصفها لا تأويلها. […] وبعبارة أوضح هي طريقة من طرق دراسة النفس تقوم على ملاحظة المرء نفسه وتأمله ما يجري في عقله من أفكار ومشاعر.” (منير الخازن: معجم مصطلحات علم النفس)

[3] الباء تدخل على المتروك، وللتوضيح: بعبارة أخرى: “استغني الرقص الحديث عن الأداء المسرحي المستند على سرد روائي، في الباليه الكلاسيكي، وقدم بدلاً -عن ذلك- حركات جديدة ومجردة.”

[4] فكأن الراقص يؤدي برقصه وزيه دور شخصية في مسرحية.

[5]  Negro spirituals: نوع من الأغاني الشعبية الدينية التي كان لها ارتباط وثيق باستعباد الأفارقة في الجنوب الأمريكي. وتشكل هذه الأغاني (وتسمى: الروحانيات الأفريقية الأمريكية؛ أو روحانيات الزنوج) واحدة من أكبر وأهم أشكال الأغاني الشعبية الأمريكية.

(Library of Congress: loc.gov/item/ihas.200197495)

[6] Projection – إسقاط : “عزو ما نشعر به من خبرات نفسية إلى الآخرين” و/أو “ميل الشخص إلى أن يعزو إلى العالم الخارجي العمليات النفسية المكبوتة، جهلاً منه بأنها خاصة به، أو تهرباً من الاعتراف بها، أو تخفيفاً لما يشعر به من الإدانة الذاتية (مدرسة التحليل النفسي) والإسقاط في هذه الحالة من أساليب التبرير والدفاع عن الذات.وهي ظاهرة نفسية من شأنها أن يلقي الإنسان ما يكنّه في نفسه الباطنية من عيوب على البيئة الخارجية فيرى صورتها ]أي: صورة عيوبه الباطنية[ معكوسة على مرآة غيره” (منير الخازن: معجم مصطلحات علم النفس).

أعجبني المقال

المصدر
psyche

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى