مراجعات كتب

المسيري وقضية المرأة

مريم رجب

كتاب المسيري: قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى: التفكير، والبحث عن الحلول، والبدائل..

لطالما شغلت المسيري هذه القضية، مرورًا في كتاباته أو وقوفًا بالتفصيل، فقد تناولها في الموسوعة بشكل مقارن بين الصهيونية والنسوية، وفي رسالة الدكتوراه (الفردوس الأرضي)، وفي المحاورات، وفي الكتاب الصغير المركز: (قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى).

يتحدث المسيري في الكتاب عن أربعة عناصر مرَّ بها المجتمع الغربي، والممارسات الحداثية، ومن ثم حركات المرأة، ودار بينها، وهي:

  1. الواحدية الإنسانية: (تنطلق من الهيومانية وتميز الإنسان عن الطبيعة)، فتبدأ العلمنة بأن يواجه الإنسان الطبيعة وحده، دون وسائط، فهو مركز الكون، وهو مرجعية ذاته، ومن ثَمَّ يحاول أن يستقلّ عن الطبيعة، ويفرض ذاته الإنسانية عليها باسم الإنسانية المشتركة.
  2. الواحدية الإمبريالية: الإنسان يؤكد جوهره باسم كل البشر، في غياب أيّ مرجعية متجاوزة لذاته الفردية، فيصبح إنساناً لايفكر إلا في مصلحته، أي تصبح الذات الفردية موضع الحلول، لا الإنسانية جمعاء، ومن ثَمَّ فهو إنسان إمبريالي يستعبد الآخرين ويوظفهم.
  3. ثنائية الإنسان والطبيعة الصلبة: هي نتاج للمراحل السابقة، فالإنسان بعد أن تمركز حول الذات بطريقة هيمومانية، أو إمبريالية، يكتشف أن الطبيعة هي الأخرى موضع الحلول، وأنها مرجعية ذاتها، فتظهر ازدواجية الإنسان المتمركز حول ذاته، والطبيعة المكتفية بذاتها التي تشغل مركز الكون.
  4. الواحدية الصلبة: سرعان ماتنحل هذه الازدواجية الصلبة، فتصبح الطبيعة، هي موضع الحلول، وتحل المادة محل الواحدية الإنسانية، ويستمدالإنسان معياريته لا من ذاته وإنما من الطبيعة، إلى أن يذوب فيها تمامًا، إنسان جوهره طبيعي مادي، وليس إنساني، يتبع قوانين الطبيعة، فانتفلنا من عالم يتّسم بالثنائية والصراع، إلى عالم الطبيعة والمادة فقط.
  5. الواحدية السائلة: هي حالة النسبية تمامًا، فتتعدد المراكز في عالم لامركز له، ويصبح الجميع على نفس السطح متساويًا، لامرجعية ولا أسس، فالنسبي هوالمطلق الوحيد، وهي بهذا تتشابه مع الصلبة في تغييب الإنسان وتفكيكه وتذويبه في عالم الطبيعة، أو في عالم لامركز له، حالة سيولة تامة ليس لها أي مرجع أو مركز.

تاريخيًّا في الكتابات الغربية، كانت حركات المرأة تظهر في حركة تحرير المرأة women liberation movements، البعض يعتبر أنها بدايات النسوية، لكن يرى المسيري أنه ليس كذلك فهي حركة للمرأة، ولكنها ليست بمقصد النسوية، فهي ترى أن المرأة جزء من مجتمع و لها حقوق في إطار مجتمع مثل الرجل ولاتلغيه( أي الرجل).

أما حركة (الفيمنزم)، فهي التمركز حول الأنثى، والتي يفضل المسيري أن تترجم وتعرف بأنها التمركز حول الأنثى وليس النسوية، وتترجم لمرحلتين: فالتمركز حول الأنثى يتمثل في نمط من التفكير المادي، يتمثل في الانطلاق من التمركز حول الذات الإنسانية إلى التمركز حول الطبيعة والمادة، ومن عالم يحوي بداخله مركز لعالم بلامركز، أي تترجم لمرحلتين:

  1. مرحلة واحدية إمبريالية وثنائية وواحدية صلبة ينقسم فيها العالم لذكور متمركزين حول أنفسهم ويحاولون أن يصرعوا النساء ويهيمنوا عليهم، وأناث متمركزات حول أنفسهن وأنوثتهن ويحاولن أن يصرعن الرجال.
  2. سرعان ماتنحل هذه الواحدية الإمبريالية، لتصبح سائلة، ولاتفرق بين ذكر أو أنثى ولايتصارع أحد، وإنما يتفككون في عالم ليس له معالم ولامقسمات.

فحركات المرأة الجديدة، تؤكد الصراع بشكل متطرف، فكل شيء تعبير عن الصراع المستمر، وكل شيء متساوٍ بغيره، حيوان وإنسان وجماد، ومن ثم حالة سيولة دائمة، فكل شيء سيخضع للتجريب، ومن جديد، بدون أي تجربة وكأن الإنسان صفحة بيضاء، لايحمل أي تاريخ، فالحديث الدائم عن الحقوق الفردية، وعن حقوق الإنسان الفردية، ولا يُتحدّث عن حق الإنسان الاجتماعي في البقاء داخل منظومتها القيمية، ولكن لم يتم التحدث مثلًا التقليل من تلوث البيئة التي تدمر الأفراد، لكن يتم تناول الحقوق المطلقة للفرد، متجاوزًا أي قيم وحقوق مجتمع.

 النسوية والتاريخ:

تفسر النسوية التاريخ، المرأة المتمركزة حول ذاتها، تود اكتشافها خارج أي إطار اجتماعي، في حالة صراع أزلي مع الرجل، فهي شعب الله المختار – على حد تعبير المسيري- في مواجهة الأغيار، والمرأة في المعارك كانت تسيطر عليها الإناث، وكانت الآلهة إناثًا، ثم سيطر الذكور مجتمعيًا على الصراع والسلاح والغزو، وكل التاريخ هو متمركز حول مركز واحد هو الرجل- الأبوية البطريركية PATRIARCHY، فيتحدثون أن عالم مابعد الحداثة، متمركز حول عضو التذكير المطلق، وحتى في سرد أحداث التاريخ، ومن ثم فهو يبتعد الإناث تمامًا، فجاءت النسوية لتضع حدًا لهذا، وتطرح برنامجًا ثوريًا يدعو لإعادة صياغة كل شيء: التاريخ واللغة وحتى الرموز، وينادون بإعادة طرح التاريخ من وجهة نظر أنثويةحتى التاريخ ككلمة سيتغير من History to Herstory، فلا ماضي ولا ذاكرة ولاتاريخ ولا مرجعية إنسانية مشتركة، متجاوزة كل المنظومات القيمية، لتتلخص في -If Feminism is the theory, lesbianism is the practice   – فالأمر ليس في الدفاع عن قضية الشذوذ الجنسي بل في تطبيعه، ومن ثَمّ اعتبار الهجوم عليه ورفضه هو هجوم على طبيعة الإنسان، وإلغاء ثنائية أساسية هي: الذكر والأنثى.

أما حاليًا، فلا تتبع النسوية معنى الإنسانية المشتركة فهي ترفضه، فحملة تحرير المرأة لايمكن أن ينضم لها الرجل، لأنه مثقل بعبء التاريخ الذي لم يفعله، ويحمل وزره، نحن حاليًا في مرحلة الواحدية السائلة والذوبان حول الأنثى، هي كامنة في الواحدية الصلبة، فهو من إنسان لكائن طبيعي يرد لعناصر مادية ويرد في إطارها، فالمرأة لاتشار لذاتها، وإنما للمادة وتتم تسويتها للرجل في جميع الوجوه، ولاتختلف في شيء في عالم طبيعي مادي لايكترث بالاختلاف، فهو عالم سائل متعدد المراكز ولامركز له، فهو عالم بلا أي معيارية ولاثوابت ومن ثم كل شيء نسبي، وتسود فيه الفوضوية المعرفية والأخلاقية، لافرق بين ذكر ولا أنثى ولا الأشياء ولا الإنسان ولا الطبيعة، فهم يتساوون في جميع الأشياء ومع جميع الأشياء، وحتى الإله يشار إليه (he- she- it).

النسوية والصهيونية، وجهان لعملة واحدة:

شغلت الحركةُ الصهيونيةٌ كتاباتِ المسيري، فألف الموسوعة وتناول فيها حركة المرأة والصهيونية  في شكل مقارنة ملفتة، صوّر التشابه بين النسوية والصهيونية باستخدام نفس المفردات والمنهجية في التعامل مع الغير.

يقسم اليهودُ الصهاينةُ البشرَ إلى: اليهود وأغيار، و الإيمان بأن الأغيار يحملون وزر تاريخ الاضطهاد الدائم لليهود وعزلة الأغيار عن اليهود كاملة، فاليهود شعب الله المختار، له حقوقه المطلقة، ورسالته وعذابه، وهو شعب لن يهدأ حتى يعود لفلسطين موطنه، ولذا لن تبذل أي مجهود في الدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية لأعضاء اليهود في مجتمعاتهم.

وجه التشابه هنا أن النسوية تتبع ذات المنهجية، فالصهيونية ثمة تأكيد على العداء لليهود وعداء الأغيار لهم، النسوية تعمل على الحرب على الرجال، وعدم قبول بالرجال، وبأي طرح لهم، ومن جهة أخرى في المرحلة التالية: اليهود يقومون بمحاولات دمج اليهود في الأغيار والذوبان فيهم – مع أنهم الأعداء- ولكن لأخذ الشرعية ولإثبات الوجود- وهذا يشبه حالة uni-sex عند النسوية، فبعد أن كان رجل ومرأة وهناك اختلافات بينهم، لم تعد توجد أي فواصل، في عالم يتساوى فيه الجميع، حتى الأشياء والحيوان مع الإنسان، يتساوى فيه الذكر مع الأنثى، بغض النظر عن أي اختلافات جوهرية.

النسوية والأسرة:

إذن فالنسوية في الحالة السائلة -السوبر وومان- هي عدوة الرجل، تبذل قصارى جهدها أن تكون كاملة – من وجهة نظرها- أي متطابقة تمامًا مع الرجل، ومن ثمّ فهي ليست المرأة أو الزوجة أو الأخت أو الحبيبة، التي لها دورها داخل إطار الجماعة الشاملة، والتي تضم الذكور والإناث، وإنما هي شيءٌ جديدٌ تمامًا، ومع هذا فسيطلق عليه اصطلاح امرأة – يتساءل المسيري.

مع سقوط المرأة –التي لها طبيعتها- عن الرجل، تسقط الأسرة ويصبح كل البشر طبيعيون لمصلحتهم الخاصة وقصتهم الصغرى الخاصة، كل إنسان مثل الذرة، ويتم تسوية كل شيء، لاتعرف فيه الفرق بين الرجل والمرأة أو بين الإنسان والأشياء.

أما عن المرأة والأسرة عند المسيري:

  • فيذكر المسيري أنه بدلاً من الحديث عن المرأة الفرد، والإنسان الفرد، الأجدر هو الحديث عن الأسرة وحقوق الأسرة كنقطة بدء يتفرع عنها بعد ذلك حقوق الأفراد: أي الاجتماعي ثم الفردية.
  • بدلًا من الحديث عن تحرير المرأة، نطالب بتقييد الرجل، فينسلخ عن عالم السوق والاستهلاك بما يتناسب مع إنسانيتنا المشتركة، فيعاد تعليم الرجل، فيتعلم الأبوة، ويعرف عن جهد المرأة عن قرب.
  • بدلاً من الحديث عن حق المرأة في العمل، أي العمل والأجر المادي، يصبح العمل الإنساني هو المقدم على المادي والإنتاجي، وبهذا تصبح الأمومة هي أهم الأعمال، ويقلل إحساس المرأة غير العاملة بالغربة، وعدم الجدوى، ويزاد احترام الرجل لها.
  • Family Economy

فهوسيحل مشاكل كثيرة، مثل مشاكل الأطفال في المدارس، والتي تكلف بلايين الدولارات، المرتبطة باختفاء الأم، والطلاق الذي يكلف بلايين الدولارات، والابتعاد عن ظاهرة تأنيث الفقر، والتي ستكلف الأم الكثير: هي عبارة عن أن الرجل مع المرأة في علاقة زواج تنتهي بمجرد أن يكون هناك طفل ومسؤولية، فينسحب الرجل خوفًا من أي مسؤولية، وتُترك المرأة وحدها في مواجهة هذا.

  • أما عن ظاهرة استغلال المرأة اقتصاديًا في إطار النظام الرأسمالي: فمن المفترض مواجهة ظاهرة الإمبريالية النفسية: فالمرأة عبارة عن سلعة بجسدها تباع المشتريات، وبها تنشط مراكز التجميل، وبها تنشط برامج تغذية معينة، كل هذا بالتسويق لصورة امرأة هي الأفضل في الإعلانات، هي صور لممثلات وعارضات أزياء، يجب أن يصبح الجميع مثلها، وتظل هذه الحلقة المفرغة مستمرة في البحث عن الصورة المثلى، فتزداد الأمراض النفسية، مهما كانت جميلة، تشعر أنها ليست هي التي ترغب فيها، فيتم حوسلة جسد المرأة- على حد تعبير المسيري-:أي يصبح وسيلة واعتبارها أمرًا ماديًا محضًا، لتفكيك الأسرة ومنظومة القيم الأسرية المعهودة.

التوضيح الذي قدمه المسيري في رؤيته لقضية المرأة:

يصحح المسيري، ألا يساء فهمه، فهو يقول لايجب أن يفهم أنه لا وجود لقضية المرأة في مجتمعاتنا، بل ذكر أنه يطالب أن تكون قضية المرأة من خلال قضية الأسرة في إطار إنسانيتنا المشتركة، وأن تكون الأسرة هي الوحدة التحليلية ونقطة الانطلاق، ويطالب بالحفاظ على الاختلاف بين الجنسين، وألا يتحول لأساس للظلم والتفاوت، فالمرأة يوجد تمييز ضدها بل وقمع حاد وعميق، لكنها تتناول من خلال قضية الأسرة في إطار إنسانيتنا المشتركة.

اقرأ ايضاً: رحلتي الفكرية: قراءة في سيرة عبد الوهاب المسيري

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى