الفلسفة

بواكير الفلسفة الحديثة

من توما الأكويني (1225م) إلى كانط (1804م)

  • أندريا بورغيني
  • ترجمة: عبدالله بن خليف
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: لمى محمد

كان مطلع الحقبة الحديثة مليئاً بالإبداعات فيما يتعلق بالفلسفة الغربية،حيث ظهرت نظريات جديدة في مجالي العقل والمادة واللاهوت[1]،والمجتمع المدني،بالإضافة إلى نظريات أخرى،ومع صعوبة تحديد فترة “الحقبة الحديثة” إلا أنه يسع القول بأنها بدأت من أعقاب القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر ،وألف أبطال تلك الحقبة، أمثال ديكارت، وجون لوك ،وديفيد هيوم ،وكانط،كتبًا شكّلت فهمنا المعاصر للفلسفة.

 

تحديد بداية ونهاية الحقبة الحديثة

يمكننا تعقب جذور الفلسفة الحديثة إلى القرن الثالث عشر ،وتعد أنضج لحظات  التيار المدرسي،حيث تجلت الثقة الكاملة في قدرات العقل الإنساني في مؤلفات فلاسفة ،مثل: توما الإكويني (1225-1274م)، وليام أوكام (1288-1348م)، جان بوريدان (1300-1358م)، “فإذا كان الله قد وهبنا قدرات عقلية؛ فيجب علينا الثقة بأننا نستطيع بواسطة هذه القدرات أن نحقق الإحاطة الكاملة بالأمور الدينية والإلهية”.

يمكن القول أن أكبر دافع فلسفي للتجديد جاء خلال القرن الخامس عشر مع ظهور الحركات الإنسانية وحركات عصر النهضة،وبفضل تكثيف العلاقات مع المجتمعات غير الأوروبية ومعرفتهم السابقة للفلسفة اليونانية وكرم النبلاء ورجال الطبقة العليا في تلك الحقبة الذين كانوا يدعمون أبحاثهم؛ أدى إلى إعادة الإنسانويون اكتشاف النصوص المركزية للحقبة اليونانية؛وتلا ذلك موجات جديدة من الأفلاطونية،والأرسطية،والرواقية،والشكوكية والإبيقورية،والتي أثرت تأثيرًا بالغًا على الشخصيات الرئيسة في بداية عصر الحداثة.

 

ديكارت والحداثة

كثيرًا ما ينظر إلى ديكارت على أنه أول فلاسفة الحداثة،فهو لم يكن محض عالم من الدرجة الأولى في طليعة من قدموا نظريات جديدة في مجال الرياضيات والمادة،بل كانت لديه أيضًا وجهات نظر جديدة جذرياً،حول العلاقة بين العقل والجسد،وكذلك ابتكر أفكارًا حول قدرة الله المطلقة،ومع ذلك فإن فلسفته لم تتطور بمعزل عن التاريخ، بل كانت ردة فعل لقرون من الفلسفة المدرسية[2]،فقد قدم المدرسيون ردودًا على أفكار معاصري ديكارت المعادين للمدرسية، من بينهم،على سبيل المثال: ميشيل دي مونتين (1533-1592م) وهو سياسي وأديب، والذي استحدث في كتابه “المقالات” أسلوباً أدبيًا جديداً في أوروبا الحديثة،كما روجت مقالاته لافتتان ديكارت بالشكوكية.

وفي مكان آخر من أوروبا،احتلت الفلسفة ما بعد الديكارتية مكانًا مركزيًا في الفلسفة الحديثة،بالإضافة إلى فرنسا،أصبحت هولندا وألمانيا مراكز للإنتاج الفلسفي، وتمتع فلاسفتهم المتميزون بشهرة كبيرة،من بينهم سبينوزا (1632-1677م) ولايبنيز (1646-1716م) اللذان لعبا أدواراً محورية،وكلاهما يعبران عن تيارات يمكن قراءتها بوصفها محاولات لإصلاح الأخطاء الجوهرية عند الديكارتية.

 

التجريبية البريطانية

كان للثورة العلمية –التي أشعلها ديكارت في فرنسا– تأثيرًا كبيرًا على الفلسفة البريطانية،ففي القرن السادس عشر تطور تقليد تجريبي جديد في بريطانيا. وضم هذا التقدم العديد من الشخصيات المهمة في بدايات الحقبة الحديثة بما في ذلك فرنسيس بيكون (1561-1626م) ،وجون لوك (1632-1704م) ،وآدم سميث (1723-1790م) ،وديفيد هيوم (1711-1776م).

يسعنا القول أن التجريبية البريطانية هي جذور ما يسمى بـ”الفلسفة التحليلية”،وهو تقليد فلسفي معاصر يركز على تحليل المشاكل الفلسفية بدلاً من معالجتها،وبما أنه لا يمكن تقديم تعريف فريد،وغير مثير للجدل،للفلسفة التحليلية إلا أنه يمكن تمييزها من خلال ما تضمنته أعمال كبار التجريبيين البريطانيين في تلك الحقبة.

 

كانط والتنوير

في القرن الثامن عشر سادت الفلسفة الأوروبية حركة فلسفية جديدة،حركة التنوير، تُعرف أيضًا باسم “عصر العقل” بسبب التفاؤل بقدرة البشر على تحسين ظروفهم الوجودية عن طريق العلم وحده،يمكن اعتبار التنوير تتويجا لأفكار معينة قدمها فلاسفة العصور الوسطى: “منح الله العقل للبشر بصفته إحدى أثمن أدواتنا للتعرف على العالم، وبما أن الإله خيّر، فإن العقل –الذي هو من إبداع الإله– في جوهره خيّر؛ فمن خلال العقل وحده يمكن للإنسان أن يحقق الخير”. يا له من استدلال!

لكن هذا التنوير أدى إلى يقظة كبيرة في المجتمعات الإنسانية، وظهر ذلك في الفن والابتكار والتقدم التكنولوجي وتوسيع الفلسفة، في الواقع كانت أعمال كانط (1724-1804م) في نهاية حقبة الفلسفة الحديثة هي التي أرست قواعد الفلسفة الحديثة نفسها.


[1] كلمة “Theories of Divine” قد تترجم  أحياناً بـ”علم الكلام” حيث إن موضوعهما واحد ،ولكن بما أن موضوع الإلهيات بزغ قبل ظهور هذه المصطلحات (أي “الكلام” أو “الأسماء والصفات”) وبأصول مختلفة؛ فإني أفضل توظيف مصطلح مختلف لكل حضارة تدرس هذا الموضوع لكيلا يحضر إلى الذهن أصول بعض الحضارات إلى غيرها ،ولذلك ترجمتها بـ”لاهوت” لاحتمال هذا المصطلح أسس الفلسفة الغربية في موضوع الإلهيات.(المترجم)

[2] الفلسفة المدرسية أو السكولائية:تطلق عادةً على مدرسة فلسفية سادت في أوروبا في العصور الوسطى، وكانت تستخدم منهجًا نقديًا في التحليل الفلسفي، بناءً على نموذج مسيحي لاهوتي ولاتيني؛ وهو المنهج الذي كان مسيطرًا على التدريس في جامعات أوروبا خلال العصور الوسطى منذ حوالي عام 1100م حتى عام 1700م. (المترجم)

المصدر
thoughtco

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق