الدين

التشكيك في المعلوم من الدين بالضرورة “القرآن الكريم أُنموذجًا”

  • د.عبدالله بن علي الشهري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد ..

قبل البدء بعرض طريقة المشككين في المعلوم من الدين بالضرورة، يحسن بنا أن نعرّف بمصطلح “المعلومِ من الدِّين بالضرورة” حيث يذكر أهلِ العلمِ في حدِّه، أنّ المعنى الاصطلاحيَّ لـ(المعلومِ من الدِّين بالضرورة) هو ما لا يَسَعُ المسلمَ أنْ يجهلَه، من محكَماتِ الدِّينِ وأُصولِه ويَقينيَّاتِه. وتفصيلُه كالتالي:

1– المُجمَعُ عليه إجماعًا قطعيًّا.

2– المعلومُ من الدِّينِ تواترًا حتَّى استوى في عِلْمِه العامةُ والخاصةُ.

3– الذي حصَلَ إدراكُه ووُصولُه إلى النَّفسِ، حتَّى تعجِزَ عن دَفعِه، ولا يُشترَطُ كونه على موازينِ المَناطقةِ في العِلمِ وتقسيمِه الاصطلاحيِّ.

4– كلُّ ما أفادَ عِلمًا ضروريًّا في الشرعيَّاتِ، فهو من المعلومِ من الدِّينِ بالضرورةِ[1].

ومما يرتبطُ بمُصطلَح المعلوم من الدِّينِ بالضرورةِ، بعضُ المصطلَحاتِ من المُرادفاتِ أو ممَّا يتقاطَعُ مع مُصطلَحِ المعلومِ من الدِّين بالضرورة في غالِبِ حقيقتِه، ومن ذلك: “اليقينيَّاتُ، والمُحكَماتُ”. وهما بمعنًى واحدٍ: فالمُحكَمات هي اليقينيَّاتُ.

التشكيك في القرآن:

نَسْتطيع أنّ نقول إن المشكِّكين لم يترُكِوا شيئًا من مُحكَماتِ الدِّينِ ويَقينيَّاتِه، إلا مارسوا معه التشكيك والإنكار، والتلاعُبَ بالألفاظِ، وتحويرَ المعاني. وقد كان للقرآن الكريم النصيبُ الأعظَمُ من جُهودِهم التشكيكيَّةِ.

وممَّا هو معلوم بالضرورةِ، واتفقَّتْ عليه الأمَّةُ سلَفًا وخَلَفًا: أنَّ القرآن الكريم كلامُ اللهِ تكلَّمَ به سبحانه، وأوحى به إلى رسولِه ، وهو من اليقينيَّاتِ التي لا يَقبَلُ المؤمنُ أنْ تتعرَّضَ للمَساسِ أو التشكيكِ، ومع هذا لم يَسلَمْ هذا الأصلُ اليقينُ الثابتُ المُحكَمُ من التشكيكِ، ومن محاولاتِهم وعَبَثِهم، وهم من خِلالِ التشكيك بالقرآن يَصِلون للتشكيك ببقيةِ يَقينيَّاتِ الدِّينِ ومُسلَّماتِه.

ونحن نَجِدُ عددًا من المشكِّكين وجَّهوا سِهامَهم نحوَ الوحيِ، بصوَرٍ مختلفةٍ؛ رغبةً في بلوغِ غايتِهم. فمِمَّا قالوه في القرآنِ: “إنَّ القرآنَ كلامُ بشَرٍ”، مردِّدين كلامَ سَلَفِهم من المُشكِّكين الكِبارِ، الذين حكى الله مَقولاتِهم الفاسدةَ، حين اتَّهموا النبيَّ بأنه شاعرٌ وساحرٌ وكذَّابٌ، فجاءتِ الآياتُ البينَّةُ في الردِّ عليهم، فعندما شكَّكَ الوليدُ بنُ المُغيرةِ فيما جاءَ به النبيُّ ووصَفَه بأنه ساحرٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿18﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿19﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿20﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿21﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿22﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿23﴾ فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿24﴾ إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿25﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿26﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: 18 – 27].

وحين قالوا إنه شاعرٌ أو كاهنٌ، كذَّبَهم اللهُ بقولِه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿41﴾ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿42﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: 41 – 43] واتهموا النبيَّ بأنه ينقُلُ عن خُرافاتِ وأساطيرِ الأوَّلين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: 5].

وبلَغَ بهم التكذيبُ والاستخفافُ بالوحيِ، أنْ زعَموا أنهم يَقدِرون على الإتيانِ بمِثلِه: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: 31].

كما اتَّهموا النبيَّ بالتقوُّلِ على اللهِ؛ حيثُ إنَّه يُخالِفُ ما يُؤمَرُ به، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل: 101].

ومما حكى عن المُشكِّكين، زَعمُهم بأنَّ النبيَّ يفتري هذا الكلامَ ويأتي به من عِندِ نَفسِه: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ﴾ [الأنبياء: 5].

وقد ردَّ اللهُ عليهم كلَّ هذا الكذِبَ والافتراءَ، بإثباتِ أنَّ القرآنَ هو كلامُه، وأنَّه ما كان للنبيِّ أنْ يأتيَ بشيءٍ مِن عِندِه، وأنَّه لو فعَلَ –حاشاه- لكان جديرًا بالعقوبةِ، قال سبحانه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿43﴾ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴿44﴾ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿45﴾ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴿46﴾ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44- 47].

وقال عن نبيِّه ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].

هذه الافتراءاتُ التشكيكيَّةُ تلقَّفَها أقوامٌ معاصرون سواءٌ من الجماعاتِ والفِرَقِ كالرافضةِ والباطنيَّةِ، أو من المفكرين والأكاديميِّينَ وغيرِهم، وكان تشكيكهم بلغةٍ عصرية تتلبَّس بلباسِ الفكرِ والأدب والثقافة والرمزيَّةِ، ومُحصَّلة أقوالهم هي ما قاله أسلافُهم نفسها، من أنَّ الوحي لا يُوثَق به، وأنه لا يَبعُد عن كلام البشر.

ويُلاحَظ أنَّ هؤلاء المشككين لا يَجمَعُهم اتجاهٌ فِكري واحد، بل هم مدارسُ شتَّى، لكن الذي يجمَعُهم: تَنكُّبُ الحقِّ واتّباعُ الباطلِ والوقوعُ في الزَّيْغِ! وكان من أكثَرِ ما تحدَّثوا عنه وافترَوْه زَعمُهم أنَّ ما بين أيدينا –وهو ما في المُصحَفِ- ليس كلامَ اللهِ، مُتأثِّرين بتلك الرُّوحِ الإلحاديَّةِ التي أصابَتِ المُجتمَعات الغربيةَ، والتي لم تَقبل مَصادِرَهم المُقدَّسةَ كالتوراةِ والإنجيلِ وبقيَّة الأسفار، وزعمَتْ أنها ليست بحاجة إليها في مثل هذا العصرِ.

يقولُ جون لوك: (لم تبقَ حاجة أو نفعٌ للوحيِ، طالما الله أعطانا وسائلَ طبيعيةً أكثَرَ يقينًا لنتوصَّل بها إلى المعرفةِ)[2]. ويرى باروخ اسبينوزا أنَّ الكتبَ المُقدَّسة ليست مصادرَ للحقيقةِ عنده، وليست الأديان إلَّا أدَواتٍ للتنظيم الاجتماعيِّ والأخلاقيِّ، ويرى أنَّنا لسنا مُلزَمين بالإيمانِ بالأنبياءِ إلَّا فيما يتعلَّقُ بغايةِ الوحيِ وجَوهره، والغايةُ التي يَقصِدها: محبَّة اللهِ ومحبَّةُ الناسِ وفِعلُ الخير[3].

وإذا كان من المُتفهَّمِ أنْ يُشكِّكَ الغربُ اليهودي والنَّصرانيُّ في مصادرِهم المُقدَّسة؛ لِمَا اعتَراها من التحريفِ والتلاعب عبر العصور، خصوصًا وأنَّ حِفْظَ الوحيِ قد أوكل إليهم فلم يَحفَظوه: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [المائدة: 44]، لكن أنْ تَنتقِلَ هذه الفكرةُ المُلحِدةُ إلى المسلمين، وبين أيديهم وَحيٌ قد تكفَّل اللهُ بحِفظِه بنفسِه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]، فهذا مما لا يقبله باحث منصف، فَضلًا عن مؤمنٍ باللهِ وبما أُنزِلَ من كُتُبِه على رُسُلِه عليهم السلام.

وقد تَعدَّدتْ طرُق الشك والنقدِ للقرآن الكريم، وحاصِلُه عدَم الإيمانِ بأنه وحي محفوظ، والنزوعُ إلى القول بالأنسَنةِ، والتي تعني عند مَن يقولُ بها: إنَّ النصَّ القرآني قد “تأَنْسَنَ” منذُ تلفَّظَ به النبيُّ ، وتحوَّلَ من تلك اللحظةِ من كتابِ تنزيلٍ إلى كتابِ تأويلٍ، وأنَّ المصدرَ الإلهيَّ للنصوصِ لا يُخرِجُها عن كونِها نُصوصًا بشَريةً؛ لأنها تأنسَنَتْ، والنصُّ الخامُ المقدَّس لا وجودَ له[4].

ومِن أبرزِ مَن شكَّك في قُدُسيَّة النصِّ الإلهي مجموعةٌ من الكُتَّاب، كأدونيس وحسن حنفي ومحمد أركون وغيرِهم. فأدونيس يُبطِل مفهومَ النبوَّةِ أوَّلًا لِيَصِل به إلى إبطالِ النصّ الإلهيِّ، حيث يقول: (النبوَّة تقومُ على الوحي الذي ينزِّله الله، ولمَّا كان اللهُ واحدًا، فإنَّ مصدرَ النبوَّةِ واحدٌ، ولهذا يجب أنْ يكونَ الوحيُ واحدًا، وبما أنَّ اللهَ لا يُمكِن أنْ يتناقضَ، فإنَّ الأنبياءَ هم الذين يتناقضون، ومن هنا بُطلانُ النبوة؛ لأنَّ تناقُضَهم دليلٌ على أنهم غيرُ صادقين)[5]، ومن ثَمّ فلا يمكِن أنْ نجدَ كتابًا إلهيًّا معصومًا!.

ويُعَدُّ محمد أركون من أكثَرِ مَن أطال النَّفَسَ في منهجيَّة التشكيكِ في الثوابتِ الإلهيَّةِ كالوحيِ وغيرِه، وفي هذه النقطةِ تحديدًا يقول: (إنَّ الوحيَ ليس كَلامًا معياريًّا نازلًا من السماءِ لإجبارِ البشرِ على تَكرارِ طُقوس الطاعةِ والعَملِ نفسِها إلى ما لا نهايةَ، وإنما يَخلَع المعنى على الوجودِ. وهذا المعنى قابلٌ للتعديلِ)[6].

أما محمد شحرور فيُقسِّم القرآنَ إلى أربعةِ أقسامٍ:

1- ما له حقيقةٌ موضوعيةٌ خارجَ الوعيِ الإنسانيِّ، وهو كَلِمات اللهِ، ودليلُ إثباتٍ لنبوَّةِ محمدٍ .

2- السَّبْعُ المثاني: وهي الحروفُ المُقطَّعة في أوائلِ السُّوَر، وهذه هي أَحسَنُ الحديثِ، وكلٌّ من القرآن والسبْعِ المثاني مشمولٌ بكونِه آياتٍ متشابهاتٍ تخضعُ لثَبات النصِّ وحركة المحتوى!

3- أُمُّ الكتاب: وهو القرآنُ المشتمِل على رسالةِ النبي ، وفيه الأحكامُ والشرائعُ والوصايا والحدودُ والعِباداتُ، وهذه الآياتُ ليست معجزةً، ولم تَنزِلْ من اللَّوحِ المحفوظِ.

4- تفصيلُ الكتابِ، وهو المشتمِل على آياتٍ غَيرِ مُحكَماتٍ وغيرِ متشابِهاتٍ[7].

ويرى بعضُ المُشكِّكين أنَّ بعض ألفاظ القرآن لم تَعُد مناسبةً لمثلِ هذا العصرِ، وهي مُستقاةٌ من بيئةٍ صحراويَّةٍ بدَويةٍ بدائيَّة، وأنها تُسبِّب حَرَجًا لنا كمسلمين، ولا بُدَّ من التخلُّص منها، فيقولون: (أليس من الواجبِ أنْ نتخلَّصَ من السُّخْرِيةِ التي تتحدَّث عن جَنَّةٍ مملوءةٍ بالحور العينِ، وأنهار الخمر والعسَل المرتبطةِ بالخَيالِ الشِّعريِّ لدى البدوِ)[8].

ويقول تركي الربيعو: (لقد أصبح المسلِمُ يتعرَّض للإحراجِ من كَثرةِ حديث القرآنِ عن اللذَّات في الجَنَّة)[9].

ومن التشكيكِ في عِصمةِ وقدسيَّةِ النصِّ الوحيِ، يصِلُ هؤلاء إلى التصريحِ بأنَّ القرآنَ كلامٌ بَشريٌّ. يقول أركون: (إنَّ الخطابَ القرآني قد صيغَ لُغويًّا بصِفته جُهدًا ذاتيًّا مبذولًا لرفعِ نَفسِه إلى مستوى كلمةِ اللهِ الموحى بها)[10]، وقريبًا من هذا المعنى يُعبِّرُ نصر أبو زيد بقولِه: (من الواقع تكوَّنَ النصُّ، ومن لُغتِه وثَقافتِه صيغَت مفاهيمُه، ومن خلال حركتِه بفاعليَّةِ البشَرِ تتجدَّد دَلالاتُه، فالواقعُ أوَّلًا، والواقعُ ثانيًا، والواقعُ أخيرًا)[11].

ويَميلُ بعض المُشكِّكين إلى أنَّه يُمكِن القولُ بأنَّ القرآنَ ليس واحدًا، بل هو قرآنانِ، وأنَّ الوحيَ الأولَ لا يُمكِنُ الوصولُ إليه، وأنَّ هناك فصلًا بين الطابعِ الشَّفَهيِّ والمكتوبِ للقرآنِ. يؤكِّدُ ذلك أركون، فيرى أنَّ الوحيَ الأولَ قد ضاع بفِعلِ العاملِ التاريخيِّ أو غيرِه، وأنَّ القرآنَ قد (ضاع إلى الأبَدِ، ولا يُمكِنُ للمُؤرِّخِ الحديثِ أنْ يصِلَ إليه أو يتعرَّفَ إليه مهما فعَل أو مهما أجرى من بُحوثٍ، ومن ثَمَّ فإنَّه من الصعْبِ تحييدُ مضمونِ القرآنِ أو محتواه)[12]، ويَربِطُ هذا الفَقدَ والضَّياعَ بانتهاءِ عصرِ الصحابةِ، وأنه بعد مَوتِهم لا سبيلَ إلى العُثورِ على الوحيِ الأوَّلِ، يقول أركون: (… والخطابُ القرآنيُّ باعتبارِه مجموعةً من السُّوَرِ التي لُفِظَت وقيلَت في ظُروفٍ أوَّليَّةٍ خاصَّةٍ، فقد فُقِدَت إلى الأبدِ، ولا يمكِن الوصولُ إليها، وأنَّ فُقدانَ الرابطةِ كان قد ابتدَأَ بموتِ جيلِ الصحابةِ الأوَّلِ الذين شهِدوا انبثاقَ الظاهرةِ القرآنيَّةِ)[13].

ويصِلُ إلى دَرَجةٍ من السخفِ والهزالِ والتسطيحِ الفِكريِّ في العبَثِ والتشكيكِ في أبرزِ الأمورِ المعلومةِ من الدِّين بالضرورةِ، حين يقول: (هذا الظرْف العامُّ لا يمكن الوصولُ إليه إطلاقًا؛ لأننا لا نَملِكُ شريط تسجيل أو فيلمًا مصورًا يُبيِّنُ لنا الرسولَ وهو يتحدَّثُ إلى أصحابِه أو يتلو عليهم لأولِ مرَّةٍ. هذا شيءٌ مضى وانقضى ولا حيلةَ لنا به. ففي ذلك الوقت لم تكن هناك آلاتُ تسجيل ولا كاميرات تصوير)[14]!.

ويَذكُر أركون أنَّ الانتقال من التلفُّظِ الشَّفَوي إلى مرحلةِ التثبيتِ الكِتابيِّ، لم يَتِمَّ إلَّا بعد عمليةٍ طويلةٍ من الحَذف والانتخابِ والتلاعُب اللُّغويِّ، وأنَّ الصراعَ السياسيَّ مما هيَّأَ الجوَّ لهذه الأعمال!)[15].

وفكرةَ التمييزِ بين القرآنِ الشَّفَويِّ والقرآنِ المكتوبِ، وأنَّ الكتابة هي سبب تجميدِ القرآنِ الشَّفَوي، ليست من بناتِ أفكاره، بل قد استعارها من الفيلسوف الفرنسيّ دريدا[16].

ويذهَبُ بعضُ المُفكِّرين والباحثين إلى نُقطةٍ أبعَدَ من التشكيكِ في القرآنِ والقولِ ببَشريَّتِه أو أنه قرآنانِ، حيثُ يرى هؤلاء أنَّ القرآنَ فقط “أسطورةٌ”؛ أي: قصةٌ تُروى وهي في حقيقتِها نوعٌ من الأباطيلِ والخُرافاتِ والحكاياتِ التي يتسلَّى الناس بتناقُلها والاستماعِ إليها فقط.

وهي المقولة السابقة التي كان يُردِّدُها أسلافُهم من المُشكِّكين، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]، وقوله: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿12﴾ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: 12، 13]، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الكريمةِ.

ويَبرُز اسمُ طه حسين في هذا الشأنِ، حيث إنه مِن أشهَرِ مَن شكَّكَ في موثوقيَّةِ القرآن الكريم، في كتابِه المشهورِ (في الشِّعرِ الجاهليِّ)[17].

ويُعَدّ محمد أحمد خلف الله من أبرز مَن صرَّح بأنَّ القرآنَ الكريمَ فيه أساطيرُ، مع أنَّ القرآنَ يَنفي أنَّه يتضمَّنُ الأساطيرَ، حيثُ يقولُ هذا الكاتبُ: (وإذا كان القرآنُ لا يَنفي ورودَ الأساطيرِ فيه، فإنَّا لا نتحرَّجُ من القولِ بأنَّ في القرآنِ أساطيرَ)[18]. وكعادةِ أركون لا يُفوِّتُ الفرصةَ في اتهامِ القرآنِ بكلِّ نقيصةٍ، فيقولُ: (إنَّ الخطاباتِ التوراتيةَ والخطابَ القرآنيَّ هما نموذجانِ رائعانِ من نماذجِ التعبيرِ الميثيِّ أو الأسطوريِّ)[19].

ولم يكُن حسن حنفي بعيدًا عن هذا المنهَج، حيث يقول: (إنَّ النصَّ -أي: القرآن- يتراوَحُ بين قُطبَينِ: الأسطورةِ من ناحيةٍ، والتاريخِ من ناحيةٍ، فإمَّا أنْ يذهب النصُّ إلى الأسطورةِ، وفي هذا تذهب التاريخيَّة، وإمَّا أنْ يذهب التاريخُ، ومن ثَمَّ نبتعِد عن الأسطورة)[20].

ونتيجةً لهذا الموقِف المُشكِّك والرافض أحيانًا للنصِّ القرآني، ظهرَتْ في عِبارات هؤلاء ما يُفيد التسويةَ بين الوحي وكَلام البشَر –عِياذًا باللهِ من كلامهم الباطل– وهذه التسويةُ تشمَل منهجَ النقدِ المُتوجِّه لثُبوتِ النصِّ، وما يتعلق بفَهم الكلام وقِراءته.

والكلام في هذا الشأنِ يَطول ولا يَقِف فقط عند التشكيكِ في القرآنِ كنَصٍّ معصومٍ، بل بالدوائرِ التي تُحيط بهذا النصِّ المعصوم، كطُرُقِ تلقِّيه، وطُرُق تَفسيرِه، وفَهمِه وتَطبيقه.

ويَصِلُ التأثيرُ أيضًا إلى تلك الأركانِ العظيمةِ في الإسلامِ والتي جاءَ تشريعُها في القرآنِ، وهي عند المؤمنين من المعلومِ من الدِّينِ بالضرورةِ، ومن مُحكَماتِ الدِّينِ ومسلَّماتِه. فالشهادتانِ عند بَعضِهم ليس لهما مَدلولٌ إيمانيٌّ؛ “لأنه في حقيقةِ الأمرِ وطِبقًا لمُقتَضيات العصرِ لا تعني الشهادةُ التلفُّظَ بهما أو كتابِتَهما، إنما تعني الشهادةَ على العَصرِ… ليست الشهادتانِ إذن إعلانًا لفظيًّا عن الألوهيةِ والنبوُّةِ، بل الشهادة النظريةُ والشهادةُ العمَليَّةُ على قضايا العصر وحوادث التاريخ”[21]. أما الجزءُ الثاني من الشهادة فليس من الإسلامِ؛ لأنه أُضيف إلى الأذانِ فيما بعدُ؛ إذ كان الإسلام في البدايةِ دعوةً إلى لِقاءٍ لكلِّ الأديان[22].

والصلاةُ مسألةٌ شَخصيةٌ كما يرى أركون[23]، وليست واجبةً[24]، وفُرِضتْ أصلًا لتليينِ عَريكةِ العربيِّ، وتعويدِه على الطاعةِ للقائدِ[25]، وتُغني عنها رياضة “اليوغا”، وهو ما غَفَل عنه الفُقهاء[26]. والزكاةُ أيضًا ليست واجبةً، وإنما اختياريَّة[27]. والصومُ كذلك ليس فَرضًا، وإنما هو للتخيير، أما الحَجُّ كذلك فهو من الطقوسِ الوَثنيَّة الميثيةِ العربية القديمةِ التي أقَرَّها الإسلام مُراعاةً لحال العربِ[28].. ويرون أنَّ الإسلامَ احتفَظ ببعضِ الشعائرِ والطقوسِ من الجاهليةِ وأديانِ الشرقِ الأوسطِ القديمِ جِدًّا مثل الحَجِّ، والاعتقادِ بالجِنِّ، وتقديسِ الحجَرِ الأسودِ، والخِتانِ، وعَذابِ القبرِ، وبعضِ التصوُّراتِ الأسطوريةِ الأخرى، واستخدَمَها من أجلِ إعادةِ توظيفِ نُتَف متبعثرةٍ من خطابٍ اجتماعيٍّ قديمٍ، بُغيةَ بناء قصرٍ إيديولوجيٍّ جديدٍ[29].

وهكذا يَهدِمون أركانَ الإسلامِ ومبانِيَه العِظامَ بالتحريف والتشكيك والتلاعُب[30].


[1] انظر: مقال: “المعلوم من الدينِ بالضرورةِ” في موقع الألوكة.

[2] انظر: تكوين العقل الحديث لراندل ص 440.

[3] انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة ص195.

[4] انظر: العلمانيون والقرآن للطعان ص 770.

[5] الثابت والمتحول أدونيس (2/82).

[6] أين هو الفكر الإسلامي ص 265، وصل به الأمر إلى إنكار الحقائق والأصول عموما، فهو يرى أنه «لا توجد أصول دائمة وأبدية، وإنما هناك أصول متغيِّرة بتغير العصور لكي تتناسب مع المستجدات، وبالتالي فالتأسيس النهائي للحقيقة أو للعقل شيء مستحيل؛ لأن الحقيقة أصبحت نسبية، ولم تعد مطلقة وأبدية كما يتوهم الأصوليون من كل الأنواع والأجناس». انظر له: معارك من أجل الأنسنة ص 37.

[7] انظر: موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين للدميجي ص265- 267.

[8] القراءة الجديدة ص 65، نقلًا عن (العلمانيون والقرآن) للطعان ص346.

[9] العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية ص129، نقلا عن موقف الليبرالية للدميجي ص273.

[10] القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ص21.

[11] نقد الخطاب الديني ص130.

[12] القرآن من التفسير الموروث إلى نقد الخطاب الديني ص384 .

[13] تاريخ الفكر العربي ص 221.

[14] قضايا في نقد العقل الديني ص186.

[15] قضايا في نقد العقل الديني ص188.

[16] موقف الليبرالية من محكمات الدين لصالح الدميجي ص 288.

[17] وقد أثار كتاب (في الشعر الجاهلي) ضجةً كبيرةً، ووجهت إليه ردود كثيرة ومعارضات، وقد قاد هذه المعارضة علماءُ الأزهر، واتهم طه حسين في إيمانه، وسُحِبَ الكتاب من الأسواق لتعديل بعض أجزائه. وقامت وزارة إسماعيل صدقي باشا عام 1932م بفصله من الجامعة كرئيس لكلية الآداب. فاحتج على ذلك رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد، وقدم استقالته. ولم يعد طه حسين إلى منصبه إلا عندما تقلد الوفد الحكم عام 1936م. ومن أبرز المعارضين لما ورد في الكتاب:

مصطفى صادق الرافعي، في كتابه تحت راية القرآن، محمد لطفي جمعة، في كتابه الشهاب الراصد،شيخ الأزهر محمد الخضر حسين، في كتاب نقض كتاب في الشعر الجاهلي، محمد فريد وجدي، في كتابه المسمى أيضا نقض كتاب في الشعر الجاهلي محمد أحمد الغمراوي، في كتابه النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي . انظر: ويكيبيديا.

[18] الفن القصصي ص179، وانظر: تحليلًا ناقدًا لرؤية محمد أحمد خلف في (القصة القرآنية) في منهج المدرسة العقلية الحديث في التفسير للدكتور فهد الرومي(2/ 740-743).

[19] تاريخية الفكر العربي الإسلامي ص210.

[20] الإسلام والحداثة (ندوة).

[21] انظر: من العقيدة إلى الثورة د.حسن حنفي ” (1 /17).

[22] انظر: صوت الناس، محنة ثقافة مزورة، الصادق النيهوم ص 25. 

[23] نقله هوماس في” القراءة الجديدة ص 129، 169.

[24] انظر: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، د. عبد المجيد الشرفي ص 63.

[25] انظر: مآلات الإسلام في القراءات العلمانية لأحمد الطعان بحث منشور في ملتقى أهل التفسير.

[26] انظر الإسلام في الأسر، للصادق النيهوم ص 127، 134. 

[27] انظر: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، د.عبد المجيد الشرفي ص 63.

[28] انظر: المرجع السابق ص 63، 64.

[29] انظر: حول هذه الآراء: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني لأركون ص 108، و نافذة على الإسلام له أيضًا ص 114 231، وانظر: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، عبد المجيد الشرفي ص 26.

[30] وللاستزادة حول الموضوع، والوقوف على الكتب التي ناقشت شبهات المشككين ونقضتها، أُشير إلى هذه القائمة المتميزة من الكتب:

موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين، د. صالح الدميجي

الحداثيون العرب والعدوان على السنة النبوية “عبدالمجيد الشرفي نموذجا”، د. سامي عامري

المحكمات صِمام أمانِ الأمَّة وأساسُ الثَّبات، د. حاتم العوني

الحداثيون العرب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرآن الكريم دراسة نقدية، د. الجيلاني مفتاح

تنزيه القرآن الكريم عن دعاوي المبطلين، د. منقذ بن محمد السقار

العلمانيون والقرآن الكريم “تاريخية النص”، د. أحمد الطعان

موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي، د. سعد بن بجاد العتيبي. 

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى