عام

جريمة القتل المفضّلة لدى دوستويفسكي

مؤلّف «الجريمة والعقاب» بين شدٍّ وجذب مع هوس عصره تجاه عالم الجريمة.

  • جينفر ويلسون
  • ترجمة: محمد السعيد
  • تحرير: ريم الطيار

في منتصف ستينات القرن التاسع عشر، كانت روسيا في خضم جنون مستطير حول عالم الجريمة، ضمن الإصلاحات الشاملة للقيصر ألكسندر الثاني -وأبرزها تحرير الأقنان-، عُدّل نظام العدالة الجنائي، ووُهبت الصحافة حريّةً أكبر بفتح المحاكم للعامّة، وطرح نظام محلّفين، فتحوّلت المحاكمات الجنائيّة إلى نوعٍ جديد من المسرح، وحرصت الجرائد -التي اطّردت على نحوٍ مفاجئ- على التعليق على المشهد.

ابتاع الروسيّون المهتمّون بتصريف القضاء في هذا العصر الجديد صحفًا؛ مثل: گلاسناي ساد (الجلسة العلنية)، وقرؤوا تقاريرَ كتاتيب المحكمة كما لو كانت نصوصَ مسرحيّة، وشاع قسم «وقائع الجريمة» في الجرائد اليومية، إذ قدّم شخوصًا اجتماعية جديدة كمحامي الدفاع الآسر.

لقد بالغ ناشر ما في قوله: إنّ المحاكمات «تفوق الروايات»؛ لتبصّرها في طبيعة الإنسان، ولم يحر الجمهور القارئ في الاختيار؛ فقد خرج المِخيال البوليسي، ورواية الجريمة كلاهما من رحم تلك التقارير المروعة في ستينات القرن التاسع عشر.

 إن قلّبت صفحات مجلة دوريّة في روسيا يعني على الأرجح أنك ستصبغ يديك بالدم، فقد استهلك القليل من هذه القصصَ بنهمٍ أكبر من الروائي (والمدان السابق) فيودور دستويفسكي، في أيلول عام 1865، كان نازلًا حمّامًا وصالونَ قمار في مدينة فيسبادن الألمانيّة، حيثُ أضاع جل أمواله في عجلة الروليت، ولم يقدر على دفع فاتورة الفندق، وأُمر عاملو المطعم في الكفّ عن تقديم العشاء له؛ لسدّ جوع بطنه، فقرر دستويفسكي أن يحدّ جهده الجسدي.

يومًا ما، وهو قعيد حجرته، قرأ قصة رجل بطش بطبّاخٍ وغاسلة ملابس ضربًا بالفأس حتى الموت، أفصحت الجريدة بأنّه راسكولنيكوف، منشقّ معرضٌ عن الإصلاحات الغربية في الكنيسة الكاثوليكية الروسية، ولم يمضِ الكثير حتى بعث دستويفسكي إلى محرّره ميخائيل كاتكوڤ في سانت بطرسبرغ، مخبرًا إياه بفكرة قصّة:

شابٌّ من الطبقة البرجوازية الدنيا مطرودٌ من الجامعة، يعيش في فقرٍ مدقع، بعدما تبنّى أفكارًا «ضالّةً» تسبح في الهواء، قرّر في تهوّر ومزاجٍ متقلّب أن يتخلّص من وضعه المأساوي دفعةً واحدة، لقد خَلَصَ لقتل امرأة عجوز تقرض الأموال بالرّبا.

سيُدعى ذلك الشاب -طالب الجامعة الذي عقلن أنانيّته بتشرّبه «أفكارًا ضالّة»، (أفكارًا غربيّة لم تستهوِ دستويفسكي قوميّ النزعة) – باسم راسكولنكوڤ، وأمست القصّة ذات التسعين صفحة التي ألّفها دستويفسكي في البداية روايةً كاملةً أُطلق عنانها عند شجّ رأسَي مرابية وأختها.

قال دستويفسكي لمحرّره أنّ تفاصيل العقد ستُناقش لاحقًا، أما الآن، فيحتاج ثلاثمئة روبلٍ عاجلًا ليدفعها إلى الفندق.

لم يكن قاتل الفأس المتديّن الذي قرأ عنه دستويفسكي المحورَ الرئيس في كتاب The Sinner and the Saint لكيڤن بيرمنگام، بل الشاعرَ والقاتلَ المتسلسل بيير فغانسوا لاسونيغ الذي غطّت الصحافة الفرنسية محاكمته في عام 1835، فأسَرَت أمثال بالزاك وستاندال.

اتّسم لاسينير بالوسامة (اكتظّت شرفة الجمهور في المحكمة بحشود غفيرة من النساء)، وبالذكاء (قرأ لروسو منتظرًا ضحاياه)، وبالصّفاقة، فلم يبدِ ندمًا وحسب، بل صرّح بمقت الأخلاق عينها.

الصادم أنّه لم يهتم بسفالة نفسه، فقال فلوبير فيه: «أحب رؤية رجالٍ هكذا مثل نيرو والماركيز دي ساد».

يحكي بيرمنجام قصّة تعرّض دستويفسكي الأوّل بالرذيل لاسونيغ، حيث يكشف عن ثقافة المؤلف الطافحة بحكايات الجريمة المثيرة والانتهاك الأخلاقي —دستويفسكي جمع بعضها في فترة سجنه في سيبيريا، ووقع على الكثير منهم حين قراءته النهمة لما ندعوه اليوم [آداب] الجريمة الحقيقية، وبالمثل يُقرأ معظم كتاب بيرمنجام كسيرة دستويفسكي، من صباه حتى ألّف روايته، إذ يتتبّع آراءَه حول الجريمة، التي تكوّنت بين فترة سجنه بسبب تمرّده، وإطلاق سراحه إلى مشهد أدبي جديد وكان —برأيه— يُجمّل مختلف ألوان المجرمين الذين عاشرهم، ورآهم في نفسه تجميلًا خطيرًا.

الجريمة مدرارة للمال [الوقائع التي تتضمن] جثة، وسلوكيات جنسية غير لائقة —أو من الأمثل كلاهما— تستثيران الصحافة؛ جزء مما دعى محرّر دستويفسكي أن يقدّم الجريمة والعقاب بقوّة اقتراح مبهم كهذا لم يكن إلا تلبية طلب القرّاء المسعورين لكلّ شيءٍ يُصنّف كجريمة.

يكتب بيرمنگام: «كانت الموجة الأولى من كتابة الجريمة الروسية في أَوجِها، والعامة تتوق إلى حكايات الجرائم الفظيعة».

وطمأن دستويفسكي كاتاكوڤ أن الحبكة «ليست غرائبية بالمرّة»، مشيرًا إلى القضايا السابقة بنَفَسٍ مشابه. يشير بيرمنگام «لقد أخبرَ كاتاكوڤ أنه سمع عن طالب طُرد من جامعة موسكو، وعزم على قتل ساعي بريد»، ثمّ ذكر جرائمَ أخرى قرأ عنها في الصحف؛ مثل: «طالب اللاهوت الذي أردى فتاةً في عريش… وهلمّ جرًّا».

في الحقيقة، قبل نشر الفصول الأولى من الجريمة والعقاب، أخذت الجرائد تتناقل تفاصيل جريمة قتل مشابهة على نحوٍ صادم، في موسكو يذكر بيرمنگام «طالب قانون اسمه دانيلوڤ قتل مرتهِن في شقّته… وهو يسطو على المكان، وصلت خادمة المرتهِن فُجأةً، فقتلها أيضًا».

ويصوّر دستويفسكي في الرواية راسكولنكوڤ قارئًا وكاتبًا للمشهد الإعلامي المعاصر يسائله المحقق المشرف على القضية حول مقالة معنونة «حول الجريمة» نشرها في مجلة طلابية قبل أشهر من حادثة القتل. يناقش راسكولنكوڤ فيها وجود رجالٍ -عظماء- يتجاوزون الأخلاق يجب إصدار حقٍّ يشرعن القتل لهم في جزء ما من الرواية، يجعل دستويفسكي راسكولنكوڤ مسرعًا داخل حانة، باحثًا عن أحدث عدد للجريدة، متحمّسًا لقراءة أعماله الفنيّة في قسم الجريمة.

مع استطارة الحكايات الدموية، تفرّدَ مشهد لاسونيغ دستويفسكي فقد سمع اسم لاسونيغ للمرّة الأولى في عام 1861 وهو ينبش عن قصص جريمة لإدراجها في المجلة الأدبية التي نشرها الزمان.

فقد كان يتصفّح جملةً من ملفّات المجرمين الفرنسيين، ورأى رسمة لجريمة قتل ثنائية لأم وابنها جناها لاسونيغ. فيها، يظهر لاسونيغ بملابسه الفاخرة رافعًا مخزاز الثلج على العجوز، ويصفها بيرمنگام «منكفأةً في لباس النوم، ناظرةً إلى الأعلى، بعينَين فاغرتَين»، في السنة التالية، تعرّض دستويفسكي إلى لاسونيغ مجددًا، هذه المرّة في صفحات رواية البؤساء لهوجو — حيث ذكرت لاسونيغ بالاسم (وشَعَر الكثير أن شخصية مونباغناس استُلهمت بلا شك من القاتل الأنيق) وبدأ دستويفسكي في التخطيط لكتابة مقال «حول النزوات ولاسونيغ» لكنه لم ينتهِ منها.

كان لاسونيغ بنزعاته الجمهورية البدائية الغامضة —والتي بدت كتبرير لاحق لجناياته— صنفًا آمن دستويفسكي أنه آخذٌ في الظهور في شباب روسيا: الطالب الإرهابي.

خدم دستويفسكي مع القتلة جنبًا إلى جنب في السجن، ولم ينصاع إلى نظرة مبسّطة تجاه الجريمة.

يُقال أنّ أصول الإرهاب الحديث -خلايا صغيرة منعزلة متمرّدة تروّج العنف- نشأت في روسيا ستينات القرن التاسع عشر، في نهايات ذلك القرن أشار الناس من أنحاء العالم إلى الإرهاب -ومنهم كارل ماركس- على أنّه ببساطة «نهج روسي».

كانت الجامعات مركزًا لاستقطاب الجماعات الثوريّة؛ هناك في ظلّ الشباب الساخط أولئك الذين اعتقدوا أنّ إصلاحات ألكسندر الثاني لم تجتهد في اجتثاث الفقر والظلم الاجتماعي المتفاقم، وينبغي هزّ الدولة إلى حدّ التغيير.

ما كان مطلوبًا في اعتقادهم، «ثورة دامية طاحنة، ثورة تفرض تغيير كلِّ شيء بدءًا من الجذور» كما جاء في بيانٍ طرق باب دستويفسكي، حيث تأثّر الكثيرون بالكاتب، والمحرر نيكولاي تشيرنيشيڤسكي، الذي عُدّت روايته ? What is to Be Done إنجيلًا ثوريًّا، زيّنت الرواية حياةَ الثوريين الفدائيين بحماسهم لقبول الفداء كأبطالٍ شاعريين.

نهج كهذا أسهم فيه ديميتري كاراكوزوڤ أيضًا؛ وهو طالب جامعة من عائلة فلّاحية فقيرة أطلق النار على ألكسندر الثاني بينما كان يتنزّه في حديقة الصيف في سانت بطرسبرغ عام 1866.

فشلت محاولة اغتيال القيصر، وقد كانت الأولى من نوعها في روسيا، ولكن —الأهم— أنّها بلغت الجرائد. أراد كاراكوزوڤ، كما يبيّن بيرمنگام، «محوَ الجهاز السياسي الروسي كاملًا بضربةٍ عنيفةٍ واحدة، بخبرٍ تضخّمه وسائل الإعلام الجماهيرية».

لم تكن القوّة الإعلامية، التي تجعل المجرمين مشاهير، خسارةً في دستويفسكي، ومن المؤكد أنها تستبصر نفسانيّة راسكولنكوڤ بعد جنايته. صارَ المجرمون السياسيّون الذين بالإمكان أن تكون اعتداءاتهم لَبنةً لإعادة تأسيس المجتمع، موضوعًا رئيسًا في مِخيال دستويفسكي اللاحق، وبالتحديد في روايته الشياطين (1872)، فحاول فيها مثلما حاول في الجريمة والعقاب تسليطَ الضوء على الدوافع الأنانية، والضالّة التي تدعم هذا التطرّف الجديد.

هل كان دستويفسكي مدفوعًا بالتجربة؟ أُلقي القبض عليه في عام 1849 إثر مشاركته في منتدى سرّي يقرأ أعضاؤه كتبًا ممنوعة، ويناقشون الاشتراكيّة الطوباويّة الفرنسية.

 لقد قضى أربع سنين في السجن، ومرّ في تحول سياسي، تاركًا تطرّف سنيّ شبابه؛ ليصبح محافظًا في الكثير من القضايا. لكن سخط دستويفسكي الأكبر آتٍ من تشيرنيشيڤسكي لإيمانه الأعمى بالتفسيرات العلميّة لسلوكيّات البشر.

وطبّقت نظرية تشيرنيشيڤسكي الآفاق، والتي دعاها الأنانية العقلانية متأثّرًا بجيرمي بينثام والنفعيّة الإنگليزية، إذ زعم أن سلوكيات البشر عقلانية في انقيادها وراء المنفعة الشخصية، فقد ادّعى إن اندثر الفقر، لن تقوم للجريمة قائمة.

خدم دستويفسكي بجانب القتلة في السجن، فيقول بيرمنگام «شاركهم الطاولات والمراحيض، وحمل الطوب، وارتشاف الماء من نفس المغارف»، ولم ينصاع إلى النظرة المبسطة تجاه الجريمة —وطبيعةِ الإنسان. البشر عشوائيون، غير عقلانيين، وفي معظم الأوقات يفعلون ما لا يوافق اهتماماتهم -هذا بغيض، ولكنه جميل أيضًا؛ فهذا هو جوهر الحرية.

هذا سبب اعتبار الجريمة والعقاب رواية جريمة يُكشف فيها الجاني مباشرةً، تاركًا باقي الحبكة تتناول دواعيها، أو على نحوٍ أدق في حالة دستويفسكي- الفوضى العارمة للدواعي الإنسانية بالدرجة الأولى.

كانت قضية لاسونيغ التجسيدَ المثالي لنظرية تشيرنيشيڤسكي؛ لأن جرائمه لم تخضع لأي تفسير منطقي. لقد حار الشاهدون في فهم ما دعى شابًّا شديد الذكاء، وذا تربية حسنة لطعن وجه عجوز، بينما شجّ رفيقُه رأسَ ابنها بفأس.

المال هو التفسير البدهي بالطبع، ويقول بيرمنگام: «ولكن هذا لم يفسّر برودَه الوحشيّ، ولا سبب قتله للناس حينما كانت سرقتهم كافية».

أدلى لاسونيغ يعدة مسوّغات، والتي زادت الموضوع حيص بيص، وزعم أنه اعترته «فكرة ثابتة لا تُقاوم»، لكنه كتب في مذكراته (التي نشرت قبل إعدامه): «أتيتُ لأبشّر الأثرياء بدين الخوف، إذ لا يملك دين المحبّة على أفئدتهم سلطانًا».

استغلّت الصحافة الفرنسية الجلبة السياسيّة التي أحدثتها تصريحات لاسونيغ؛ فاستعمل مقته للسلطة والطبقات الحاكمة؛ لإثارة الخوف من الكيانات الثورية في المجتمع الفرنسي «إن استطاع المرء قتلَ ملكٍ فداءً لوطنه، فلمَ لا يقتل مصرفيًّا؟» كما يلخص بيرمنگام: «لقد كانت فورة لاسونيغ الإجرامية آسرة؛ لأنها بَدَتْ الخطوة العقلانية التالية للثورة».

 كانت هي الغاية في ارتباط جرائم لاسونيغ بالسياسة، فرضت الصحافة سردًا مبسّطًا لما عرّفه دستويفسكي بفوضى الأنانية، وغموض التصرّفات البشرية.

في الجريمة والعقاب، ألبس دستويفسكي الذائقة العامة لقصص الجريمة لباسَ حصان طروادة، كهجومٍ عنيف تحت رداءٍ عفيف، حرم دستويفسكي راسكولنكوڤ جاذبيّة الفدائي، وبدل هذا، قدّمه كشاب غاضبٍ حيران أهانه الفقر، وشجّعه الخزي على صنيعه أو على الأقل، هذا ما ظنّ أنه فاعله.

والعجيب، بعد نجاح الرواية، أخذ محامو الدفاع مقارنةَ موكّليهم براسكولنكوڤ في محاولة لاستجداء شفقة المحلّفين، واستمرّت جرائم راسكولنكوڤ بالنزيف إلى الحياة الواقعية.

خلال رحلة دراسية في سانت بطرسبرغ، شجعتني أستاذتي لأخذ جولة الجريمة والعقاب، ووضّحتْ أن إحدى أماكن الجذب هي العمارة التي قتل راسكولنكوڤ فيها المرابية، فهي مكان سياحي شهير، لكني كنت في حيرة إذ فكّرتُ «لم يحدث أي من هذا حقًّا»، وبدلًا منه، ذهبتُ لتناول الغداء.

لا أميل إلى الكتب تحت غواية كشف «القصص الحقيقية» التي ألهمت كبريَات الأعمال التخييلية، وإن كان هذا لا بدّ، فإني مفتونة باللحظات التي يبدأ فيها الخيال بالتأثير في الواقع، حينما تأخذ الشخصيات التي نقرأها على الصفحة بتجسيد ما نتوقّعه منها.

أظن أن بيرمنگام سيوافقني الرأي، لم ينل لاسونيغ الحصّة الكبرى من حكايته كما يُتوقع بدلًا من هذا، إنه يُرينا دستويفسكي في ثوبَيْ «المذنب» و«القديس» في آن، مجرم سياسي تائب ابتغى ألّا تبثّ شخصياته الاحتفاءَ، بل التوجّسَ  — من أعتى نزواتنا سوءًا.

أعجبني المقال

المصدر
newrepublic.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى