تقارير ودراسات

هل توقيت تناول الطعام أمر مهم؟

  • نشر: معهد الصحة الأمريكية
  • ترجمة: فيصل الضويري
  • تحرير: فاطمة إنفيص

الطعام الذي نأكله من الأمور الفارقة في حياتنا، وهذا ما تؤكده الدراسات؛ فإن أنماط تناولنا لطعامنا تؤثر في صحتنا. لكن ماذا عن توقيت تناولنا للطعام؟ إن العلماء اليوم في بدايات فهم هذه القضية: بأن توقيت الأكل أيضا من الأهمية بمكان.

عبر التاريخ واجهت البشرية فترات من ندرة الطعام بل وانعدامه أحيانا؛ ووفقا لذلك يقول د. فالتير لونفو (الباحث الدائم في معهد الصحة الأمريكية وجامعة جنوب كالفيورنيا) أن الناس كانوا مجبرين على الصيام في فترة ما؛ لكن التكنولوجيا الحالية جعلت الطعام أكثر توافرا بفعل تقنيات التبريد والنقل والإضاءة الكهربائية، مما أحدث نقلة في أنماطنا الغذائية كما يقول الدكتور فيكي كاتيناشي -باحث التغذية في جامعة كولورادو- إن متوسط فترة الأكل عند الناس حاليًا تصل إلى أربع عشرة ساعة في اليوم.

تشير الدراسات أن الأكل بهذه الكميات الحالية قد يقود لمشاكل صحية، ولهذا بدأ الباحثون في النظر إلى الصيام وإمكانية أن يكون مفيدًا لبعض الناس في هذا الصدد.

يركز نظام الصيام أساسًا على التوقيت الذي علينا أن نأكل فيه، وهناك عدة أنظمة للصيام منها مثلاً ما يُسمى بالصيام المتقطع.

في الوقت المخصص للصيام، فإنك تمتنع عن الأكل، مع التقيد بساعات محددة تستطيع أن تأكل خلالها، وغير مسموح لك بالأكل خارج تلك الساعات، لذلك يسمح لك تناول الطعام خلال فترة مقيدة بست أو ثماني ساعات في اليوم. على سبيل المثال يمكنك تناول الفطور والغداء ثم تمتنع عن وجبة العشاء. وبالمقابل في نوع آخر من الصيام يجب أن تمتنع كليًا عن الطعام في يوم ثم تعقبه بيوم تأكل فيه سعرات قليلة جدا ثم تعود للصيام الكلي في اليوم التالي وهكذا دواليك. وهناك نمط آخر يعتمد على طعام قليل السعرات خلال الأسبوع، ماعدا يوم نهاية الأسبوع يكون مفتوحًا.

لا يعرف العلماء إلى الآن ما الذي يحدث بالضبط في أجسامنا خلال الصيام، معظم الأبحاث تجري على الخلايا والحيوانات في المختبر. وتلك الأبحاث أعطت مفاتح أولية عن كيفية تأثر الجسم خلال بقائه فترات معينة دون طعام.

بدا في بعض الحيوانات أن بعض أنواع أنظمة الحمية قد ساهم في الحماية من مرض السكر وأمراض القلب والتدهور الإدراكي، كما أن الصيام أسهم في تباطؤ عملية الشيخوخة والحماية من السرطان في بعض التجارب.

يقول الدكتور لونجو: “رأينا في فئران التجارب أن أحد تأثيرات الصيام هو قتل الخلايا التالفة وتولد الخلايا الجذعيةُ خلايا جديدة”. والخلايا التالفة تسرع الشيخوخة وتؤدي إلى السرطان إذا لم يُتخلص منها. وعندما تنشط الخلايا الجذعية فإن خلايا جديدة ستستبدل الخلايا التالفة.

الآن بدأت الدراسات تنظر في ماذا يحدث في جسم الإنسان  بفعل الصيام؛ النتائج الأولية تقول إن للصيام تأثيرًا إيجابيًا على مظاهر الصحة مثل ضبط السكر في الدم، وضغط الدم، والالتهابات. ولأن الصيام يمكن أن يؤدي لخسارة الوزن، فالباحثون يريدون أن يعرفوا فيما إذا كانت تلك الفوائد والتغييرات الصحية سببها هو التأثير الجانبي لفقدان الوزن، أم أنه الصوم بحد ذاته.

 

تغيرات جسدية

يرتبط الصيام عند كثير من الناس بهدف خسارة الوزن، وحالياً يحاول معظم الناس خسارة الوزن عن طريق تحديد عدد السعرات التي يتناولونها كل يوم. يقول د. كاتيناشي: “هذه الطريقة لا تعمل مع كل أحد، لأنها تتطلب الكثير من التركيز والحسابات وقوة الإرادة”. أظهرت إحدى دراسات كاتيناشي أنه خلال فترة شهرين تكون خسارة البالغين لوزنهم 15 (باوند) سواء أصاموا صيامًا متناوب الأيام أم اعتمدوا طريقة تحديد السعرات دون صيام. يقول كاتيناشي: “بعض الناس يرى أن طريقة تحديد السعرات هي الطريقة المثلى؛ والبعض يراها في الصيام المتقطع وعدم الدخول في قضية حساب السعرات كل يوم”، ويضيف كاتيناشي: “أن أفضل نظام حمية هو ذلك الذي يستطيع الشخص الالتزام به؛ وأنه لا يوجد نظام حمية واحد مفصل على مقاس الجميع”.

يجري الآن الفريق البحثي لكاتيناشي دراسة تقارن مقدار خسارة الوزن للمشاركين في التجربة بين اتباعهم الصيام أو اتباعهم نظام تحديد السعرات خلال فترة مدتها سنة كاملة، وسيتم اختبار ما إذا كانت إضافة وجبة صغيرة في يوم الصيام سيجعلهم أكثر التزامًا باستراتيجية طويلة الأمد لإنقاص الوزن.

لكن هل فوائد الصيام جميعها تعود لنقصان الوزن أم أن هنالك شيئًا آخر؟  “هناك جدل كثير حول الصيام المتقطع فيما إذا كانت فوائده ناتجة عن  قضية تمديد فترة الصيام نفسها”، هذا ما يقوله د. كورتني بيترسون باحث التغذية الممول من معهد الصحة الأمريكي في جامعة ألاباما.

ولنفهم الموضوع أفضل فإن بيترسون أجرى دراسة على رجال مصابين بداء السكر في مراحله الأولية، وصممت الدراسة بطريقة بحيث لا يخسر المتطوعون شيئًا من وزنهم؛ فبدايةً تم إخضاعهم لصيام باكر محدد التوقيت لمدة خمسة أسابيع بحيث يستطيعون الأكل في فترة من الثامنة صباحًا حتى الثانية بعد الظهر، وبذلك فهم يصومون في باقي الثماني عشرة ساعة، بعد ذلك سمح لهم بأكل نفس الكميات من الطعام، لكن فقط خلال اثنتي عشرة ساعة  لكل يوم  لمدة خمسة أسابيع، لم يخسر أي من الرجال شيئا من أوزانهم.  فترة الصيام الأطول وحدها أحدثت فرقًا، فالمجموعة ذات الصيام الباكر والأطول أبدت أجسامهم تحكمًا أكثر بسكر الدم وانخفاضًا في ضغط الدم مماثلاً للانخفاض الذي يحصل عادة بتناول أدوية خفض ضغط الدم، هذه النتائج تشير إلى أن التغيرات الصحية الإيجابية عند بعض الأشخاص تحصل نتيجة للصيام الممتد أو نتيجة لتوقيت تناولنا للطعام حتى في حال عدم وجود خسارة للوزن.

 

هل علينا الصيام إذن؟

قد يكون للصيام فوائد صحية؛ لكن تحذيرات لونجو تقرر أننا مازلنا بحاجة لمعرفة الكثير حول الموضوع، قد يسبب الصوم مشاكل عند البعض، فبعض الدراسات لاحظت إمكانية تشكل حصى في القناة الصفراوية عند الأشخاص المعتادين على صيام ست عشرة إلى ثماني عشرة ساعة  في اليوم  ويكونون عرضة لاستئصال المرارة جراحيًا.

يقترح لونجو أن الصيام لمدة اثنتي عشرة ساعة، والسماح بالأكل في الاثنتي عشرة ساعة الأخرى قد يكون مفيدًا لغالبية الناس ويقول إن هذا النوع من الصيام شائع جدًا بين الناس الذين حققوا أعمارًا قياسية. وهذا ينسجم كثيرا مع العلم ومع التقاليد أيضا على حد قوله.

لونجو وفريقه أيضًا يبحثون في أنظمة الحمية التي تحاكي نظام الصيام، وإمكانية أن تكون أكثر سلامة أو قابلية للالتزام عند بعض الناس من الصيام الكلي. فقاموا بتصميم نظام محاكٍ للصيام مدته خمسة أيام في الشهر يُسمح فيه ببعض الطعام لكن مع سعرات قليلة، ومؤخرًا اختبروا هذا النظام لمدة ثلاثة شهور في دراسة قريبة ووجدوا أن الأشخاص الذين اتبعوا هذه الحمية قد خسروا بعض الوزن وانخفضت لديهم بعض عوامل الخطورة للأمراض المتعلقة بالتقدم بالعمر. لكن لونجو وباقي الخبراء يحذرون من أن يجرب الناس أنواعًا من الحميات غير المثبتة بالأبحاث.

إذا كنت مهتمًا بالصيام فعليك استشارة طبيبك أولاً، كما أن الأشخاص ممن يعانون أمراضًا معينة أو يأخذون أدوية معينة عليهم ألا يصوموا مطلقًا، والفئات التي يجب عليها استشارة الطبيب قبل البدء بالصيام، هي:

  • من هم دون 25 عاما
  • الحوامل والمرضعات
  • مرضى السكر
  • من يتناولون أدوية تتطلب تناول الطعام قبلها أو بعدها
  • العمال بمناوبات ليلية، والعمال ممن يتعاملون مع الآلات الثقيلة المجهدة
  • من يعانون من نوبات صرع أوإغماءات.

 إذا كنت تصوم أحيانًا، فهذا لا يغنيك عن اختيار الطعام الصحي دائمًا كما يقول بيترسون “مهم جدًا متى تأكل، والأهم ماذا تأكل”.

أعجبني المقال

المصدر
newsinhealth

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى