عام

هل يقع مفتاح الوعي داخل أدمغتنا؟

بحث حديث يدعم الرأي القائل إنّ للعلم القدرة على وصف الوعي

  • شاين دوق
  • ترجمة: منال النفيعي
  • تحرير: لطيفة القعود

إن الفهمَ الأعمقَ للوعي يحملُ في طياته إمكانية تحقيق فوائد واسعة، ولكنّه يحملُ أيضًا المخاطر!

في الجزء الأول في سلسلة مكونة من جزأين تستعرض (شاين دوق) علم وفلسفة الوعي بدءاً بـ”الباطنيين” أولئك الذين يعتقدون أن الأجوبة موجودة داخل الدماغ.

الوعي: العملية الغامضة المعجزة التي بها يفكر المرء ويدرك نفسه. فهل ينشأ الوعي داخل الدماغ؟ أو من شيء غامض خارجه؟ أقنعت دراسات مسح الدماغ عامة الباحثين بأن الجواب يكمن داخل رؤوسنا.

لقد جذب موضوع الوعي المفكرين العظماء منذ العصور القديمة،كما الآتي:

  • في القرن الخامس قبل الميلاد طرح ( سقراط) فكرة أن العقل والجسد يتكونان من مواد مختلفة.
  • ثم في عصر التنوير حدَّث الفيلسوف الفرنسي (رينيه ديكارت) فكرة سقراط بطرح فكرة “الثنائية“: التي تنص على وجود عقل مستقل عن الجسد.

هذه الفكرة الميتافيزيقية (الماورائيات أو ما وراء الطبيعة) -أن العقل كيان غامض منفصل عنَّا بطريقةٍ ما- لا تزال مؤثرةً حتى يومنا هذا. إنَّ دراسة الوعي بقيت راسخة في حقل الفلسفة حتى وقت قريب؛ لأن العلم لم يتوصل بعد لطريقة قياسه، ولكن تغير هذا في مطلع الألفيات- من القرن الحادي والعشرين- مع اختراع آلات تصوير الأدمغة, مثل: التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (FMRI).

هذه الماسحات الضوئية مكّنت العلماء ولأول مرة! من التوغُّل داخل أدمغتنا والبحث عن علامات الوعي. الإنسان استثنائي ومتفوق على بقية الحيوانات؛ لأنَّنا نعي أنفسنا وندركها، وهذا اعتقادٌ شائع.

مع ذلك تشيرُ مجموعةٌ متزايدة من الأدلة بأنَّ مملكةَ الحيوان تتقاسم الوعي معنا على مستوياتٍ مختلفة, ولكن من المؤكَّدِ أنَّ البشر يتميزون بقدرةٍ فريدة على التفكير بوعي في خبراتهم ومشاركتها مع بني جنسهم, من خلال اللغة المشتركة.

لكن العلماء لا يزالون غير متأكدين من سبب تطور الوعي أولًا! أو ما ميزة البقاء التي قدمها لنا وللحيوانات  الأخرى؟ وكيف ساعدنا على البقاء؟[1] هناك فكرة أنَّ الوعي أعطانا قدرة الاستجابة لبيئتنا، مثل: الترحُّل إلى مراعي أكثر خضرة عند الحاجة.

استغرق الوعي العالي ملايين السنين ليتطور[2], لذلك يعتقدُ العلماءُ أنه أعطى أسلافنا البشريين ميزةً عظيمةً في البقاء، ولدراسة الوعي يجب أولًا تعريفه، وقد يكون هذا الأمر صعبًا؛ لوجودِ جوانبَ عديدة للتجربة الواعية.

  • هناك أفكار واعية تراودنا عند استيقاظنا في الصباح تدعونا لرسم خططٍ لليوم ولأيامنا المقبلة.
  • ثمّة استجابتنا العاطفية أيضًا عند رؤيةِ قطعة فنية أو قراءة كتابٍ أو قصيدةٍ تلامس شيئًا من الروح والوجدان بعمق.

إذن تجاربنا الواعية ذاتية وفريدة وخاصة بطبيعتها، وفي الوقت ذاته هي صعبة الفهم والقياس والدراسة، فثمّة علاماتٌ عصبية كيميائية في الدماغ تنشأ من بعض جوانب الوعي، مثل: قدرتنا على الانتباه.

يعرف علماء الأعصاب أنَّنا ننتبه للأشياء الموجودة في بيئة تثير اهتمامنا، ويمكن قياس ذلك. جانب آخر مهم في الوعي هو الذاكرة، حين نقضي الوقت تفكيرًا في الماضي وكيفية ارتباطه بالحاضر، بالإضافة إلى إمكانية قياس نشاط الدماغ الناتج عن الذكريات.

 

– تهميش العلم:

على الرغم ممَّا ذكر، لا يزال بعض الفلاسفة منهم: (ديفيد شالمرز)، أستاذ الفلسفة والعلوم العصبية في جامعة نيويورك، يعتقدون: أنَّ العلم غير مناسب لدراسة الوعي، وحجتهم أنَّ العلم لا يعرف ماهية الوعي, فهو لا يعرف ما يبحث عنه فلا يمكنه الوصول إليه، ناهيك عن قياسه.

هناك آخرون مثل: (دانييل دينيت) بروفيسور في الفلسفة في جامعة تافتس، يرفضون العلم؛ نظرًا لأنَّ الوعي العلمي: هو نتيجة ثانوية لعقل فاعل، فيرى أنَّه في متناول العلم والعلماء فمِن السهل دراسته ووصفه وفهمه.

درس (دينيت) علم الوعي في أواخر الستينات ويُعتبر واحدًا من المراجع الرائدةِ في المجال، يقول:

” هناك الكثير من النَّاس الذين لا يريدون للوعي أن يُفسّر، يريدونه أن يبقى غامضًا”, “الوعي ليس شيئًا واحدًا فحسب، إنه مجموعة كاملة من الميزات المختلفة، والتي ظهرت تدريجيًا”.

يضيف (دينيت):

“إن وعي الحلزون ضئيل جدًا مقارنةً بوعي القرد أو الطائر، ووعي الأخيرين ضئيل [مقارنةً] بوعينا“.[3]

فكرة أن الوعي تطوّر ببطء من الكائنات وحيدة الخلية هي فكرة تروق لـ(كيفن ميتشل)، الأستاذ المشارك في علم الوراثة وعلم الأعصاب في كلية ترينيتي دبلن، ومؤلف كتاب: كيف تشكّل الوصلات العصبية في الدماغ هويتنا؟.

يقول (ميتشل):

” لنفترض أن لدينا كائن وحيد الخلية مثل البكتيريا أو الأميبا وتطورت إلى كائنات متعددة الخلايا”, “إذًا ما الذي كان يفتقر إليه الكائن وحيد الخلية قبل أن تحدث تلك الانقسامات، ويتطوّر إلى متعدد خلايا على سبيل المثال؟”, “ثم لدينا بعد ذلك اختراع الجهاز العصبي: ما فائدة هذا الجهاز للكائن الحي من حيث إعطاءه القدرة على معرفة العالم الخارجي وجعله يفسّر الأشياء؟”.

جوابه هو: أن مستويات الوعي المتزايدة من الدماغ تزوّد الأنواع التي تعي بمزايا واضحة للبقاء على قيد الحياة.

 يقول (ميتشل):

الوعي ليس غامضًا ولا ميتافيزيقيًا، ولكنّه شيء ينبثق انبثاقًا طبيعيًا من بنيةِ الدماغ”.[4]

 

– رؤية الأحمر:

كان هناك الكثير من الأبحاث على مدى العقود القليلة الماضية تدعم وجهة النظر القائلة: أنَّ العلم يمكن أنْ يصف الوعي. على سبيل المثال: يعرف علماء الأعصاب أنَّ النظر إلى ألوان معينة مثل الأحمر، يؤثر على نشاط الدماغ، والذي يمكن قراءته في الماسح الضوئي.

أُجْرِي بحث على المدخلات الأكثر تعقيدًا في الدماغ، خاصةً مدخل اللغة. فالعلماء لم يدرسوا فقط ما يحدث داخل الدماغ عند سماع النَّاس اللغة، ولكن كيف يختلف نشاط الدماغ عندما تُجْمَع الكلمات جمعًا عشوائيًا؟ على عكس التسلسل المرتبط المعتاد الذي ينتج جملة ذات معنى.

(لورينا ناسي), الأستاذ المساعد في معهد كلية ترينيتي دبلن (TCD) لعلم الأعصاب، درست مستويات الوعي لدى المرضى الذين هم في حالة عدم استجابة أو حالة إنباتيَّة[5]؛ بسبب إصابة في الدماغ. تقول:

“إنَّنا نقيس الإشارات العصبية الكيميائية لنشاط الدماغ المتعلق بالتجارب الواعية“, “لدينا إدراك يمكّننا من سماع الأصوات, ومن رؤية الصور التي تُعالج في جزءٍ حسّي محدد في قشرة أدمغتنا. ما يحدث في الدماغ يشبه ملايين من أنواع المجموعات المختلفة من الرسائل التحفيزية ومن الحسابات وأجزاء من الفكر”.

إذًا عند (ناسي) الفهم الأعمق للوعي أمر مهم؛ لأنه يمكن أن يحسن حياة الأشخاص الذين يعانون من إصابات الدماغ. ثم من المنطقي في هذا السياق محاولة فك شفرة نشاط الدماغ في كل مريض بكلمتي: “نعم” أو “لا”.

يُرَاقب نشاط الدماغ لدى المرضى باستخدام أجهزة المسح حيث تُطرح أسئلة تحتمل فقط الإجابة بـ: “نعم” أو “لا”. مثل: هل أنت متزوج؟ هل لديك أطفال؟ مما يعني أنه يمكن تثبيت نشاط الدماغ المرتبط بأجوبة “نعم” أو “لا” للمريض؛ واستخدامه لتسهيل التواصل.

هذا البحث ذو فائدة محتملة لمجموعة كبيرة من المرضى، في الولايات المتحدة فقط ينتهي الأمر بـ 50,000 إلى 100,000 شخصٍ سنويًا في حالة إنباتية! ولا يبدو أنهم واعون فعلًا بالمرض. مع ذلك ربما يمتلك واحد من كل خمسة أشخاص في حالة إنباتية مستوى متطور من الإدراك الواعي.

تَحْرِصُ أُسر المرضى على معرفة ما إذا كان بإمكان مرضاهم سماع أي شيء, أو فهم اللغة, أو كانت لديهم ذاكرة فعّالة. ويمكن أن تكون النتائج رائعة! بعد أن عُثرَ على شخص واحد كان في حالة إنباتية, تقول (ناسي): لمدة 12 عامًا كان بوعيه التام. إنه من دواعي راحة الأُسر أن تعلم أن أحبائهم واعون, ذلك الذي يغيّر طريقة تفاعل الطاقم الطبي معهم. فيمكنهم سماع اللغة وفهمها ويزداد انتباههم مع مرور الوقت بالإضافة إلى أنهم يستجيبون عاطفيًا، وتلاحظ (ناسي) أنهم يشعرون بالتشويق ويتابعون حبكة الأفلام الدرامية بنفس الطريقة التي يتابع بها بقيتنا.

 

– المحتوى العاطفي:

تطور (ناسي) تقنيةً محمولةً يمكن إحضارها إلى سرير المريض لاختبار مستويات وعيه، وتعمل الوحدة بقياس تقلبات إفراز العرق في السبابة والأصابع الوسطى للمريض، مما يشير إلى استجابةٍ عند عرض محتوى عاطفي مثل: فيلم مشوق.

إذا كان المريض يستطيع متابعة قصة الفيلم، فيمكنه ضمنيًا متابعة ما تقوله ممرضة أو طبيب عن عائلاتهم. يُعتبر العمل البحثي (لناسي) مهمًا أيضا لأولئك الأشخاص “غير المستجيبين”؛ بسبب الخرف المتقدم أو متلازمة المنحبس.[6]

تعمل (ناسي) مع (كولن دوهرتي) استشاري طب الأعصاب؛ للحصول على الموافقة الأخلاقية لأبحاث الوعي في مستشفى سانت جيمس. أحد الأمور المهمة التي يرغبون بالتشعب فيها: هي ماهيّة التشخيص للأفراد في الحالة الإنباتية، فهناك القليل من المعرفة حول العلامات التي يجب مراقبتها عند الأشخاص الذين هم في غيبوبة, وما قد تعني العلامات لمستقبلهم.

إنَّ الدراسات في أيامها الأولى، لكن علماء الأعصاب مثل (ناسي) يمكنهم بالفعل تفسير قدر كبير جدًا من النشاط الواعي الذي يحدث في أدمغة النَّاس. إنها تعتقد أن الوعي هو نتاج عمل دماغ ماديّ، لكن بعض جوانبه تظل غامضة.

– تقول(ناسي): إنه من غير المحتمل أن يكون علم الأعصاب قادرًا على فهم كلِّ فارقٍ بسيطٍ من الوعي الذي يحدثُ في دماغ الشخص. ومع ذلك ليس هذا هدف العلماء في المجال كما تقول, بل هو التركيز على فهم جوانب الوعي تلك؛ لتحسين نوعية حياة النَّاس في الحالات غير المستجيبة.

مثل كثير من العلوم يحملُ الفهم الأعمق للوعي في طياته إمكانيةَ تحقيق فوائدَ واسعةٍ، ولكنّه يحملُ أيضًا المخاطر!. تتشكك (ناسي) بشأن أنظمة الذكاء الاصطناعي الواعية, والوعي الذاتي إذا كانت ممكنةً في المستقبل، لكنها تحثُّ على توخي الحذر.

– تقول (ناسي): ” لقد وصلنا بالفعل إلى النقطة التي نحتاج فيها إلى اتخاذ الاحتياطات, ولدينا آراء حول الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي وما ننشِّئه بالفعل”, و”بينما نُنشِّئ أنظمة أكثر تعقيدًا قد لا تملك وعيًا، لكن سيكون لديها قوة كبيرة للتأثير على حياة الإنسان”.


[1] -انطلاقا من نظرية التطور يجب تفسير كل سمات الكائن الحي من باب أنها تساعده على البقاء، ومن ثم يمثل الوعي البشري معضلة تطورية لأنه لا يتلاءم والمنطلقات التطورية. -الإشراف.

[2] -لم تقدم الكاتبة ولا غيرها من التطوريين دليلًا على هذا الزعم. -الإشراف.

[3] – إثبات هذه المقارنة أشبه بمصادرة، فلأن دينيت تطوري ملحد ينطلق من فرضية مفادها أن جميع السمات بدأت على مستوى بسيط ثم تعقدت في الكائنات الأعلى، لكن ما الدليل على أن وعي الحلزون ضئيل مقارنة بوعي القرد إلا أن دماغ الحلزون أصغر من دماغ القرد؟ وهذه مصادرة أخرى وهي أن الوعي طبيعي مصدره الأنشطة الدماغية فحسب، وهذا استدلال بمحل النزاع أصلا لأن المخالف لا يسلم بهذه المقدمة، ومن ثم يجب أولا البرهنة على كون الوعي طبيعي كله، وهو ما لم يحدث. -الإشراف

[4] – هذه مصادرة “تروق” لميتشل، أما من ناحية العلم فليس هناك دليل. الإشراف.

[5] الحالة الإنباتيَّة: توقف المخ (جزء من الدماغ الذي يتحكم في التفكير والسلوك) عن القيام بوظائفه، مع استمرار عمل الوِطاء وجذع الدماغ (جزأ الدماغ اللذان يتحكَّمان في الوظائف الحيويَّة، مثل دورات النوم ودرجة حرارة الجسم والتَّنفُّس وضغط الدَّم ومُعدَّل ضربات القلب والوعي). وبذلك، يفتح المرضى أعينهم ويبدون مستيقظين، دون أن يستجيبوا للتحفيز بأيَّة طريقة ذات معنى. ولكن، لا يمكنهم التحدث ولا يشعرون بأنفسهم أو ببيئتهم. (المترجمة)

[6] متلازمة المنحبس: هي الحالة المرضية التي يكون فيها المريض في حالة استيقاظ ووعي ولكنه غير قادر على التواصل الشفهي مع الآخرين بسبب كونه في حالة شلل كامل لكل عضلاته الإرادية عدا عضلات العينين. (المترجمة)

أعجبني المقال

المصدر
irishtimes

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى