عام

هل تحتاج حركة التنوير من يُدافع عنها؟

نقاش بين ستيفن بينكر وهومي بابا

  • نشر: iai
  • ترجمة: عبير الوليعي
  • تحرير: هند العايد
  • مراجعة: محمد عبيدة

شارك الأستاذان في جامعة هارفرد ستيفن بينكر عالم النفس المعرفي وهومي بابا أحد ُمنظريّ ما بعد الاستعمار في مهرجان “كيف يدخل النور” في لندن في 22-23 من سبتمبر، في كينوود هاوس. يركز بينكر على الأُسس الموضوعية للتنوير، بينما يستعرض بابا انعكاساتها المعقدة والمزدوجة، طلبنا منهما الخوض في محادثة كتابية حول الجوانب الإيجابية والسلبية والبشعة للتنوير في القرن الحادي والعشرين، وبدأناها بمقتطف من كتاب بينكر “التنوير الآن”.

 

– ستيفن بينكر: كتبت هذا الكتاب عندما لاحظتُ أن المبدأ التنويري الذي يقوم على تطبيق العقل والعاطفة للارتقاء بالرفاه الإنساني ليس سخيفًا وباليًا كما يظهر للعيان، إن المثل العليا للوعي والعلوم والإنسانية والتطور بحاجة إلى دفاع مُستميت في سبيلها الآن أكثر من أي وقت مضى، نحن نعتبرها أشياء بديهية: المواليد الذين سيعيشون أكثر من ثمانية عقود، والأسواق التي تغص بالمواد الغذائية، والمياه العذبة التي تسكب بضغطة أصبع، والنفايات التي تختفي بضغطة أخرى، والعقاقير التي تعالج الالتهابات المؤلمة، والأبناء الذين لم تعد الحكومة ترسلهم إلى الحروب، والبنات اللاتي يمشين في الشوارع بأمان، ومنتقدو ذوي السلطة الذين لا يتعرضون للسجن أو القتل، وعلوم العالم وحضارته التي تطويها في جيبك.

هذه كلها إنجازات بشرية وليست حقوقًا بشرية مكتسبة بالولادة. سيتذكر العديد من قراء هذا الكتاب -ومن تجربة الدول الأقل حظًا في أجزاء أخرى من العالم- بأن الحرب والمجاعة والأمراض والجهل والمخاطر القاتلة هي أجزاء طبيعية من الوجود الإنساني، نعرف بأن الدول قد تتقهقر وتعود سيرتها الأولى؛ فنتجاهل إنجازات التنوير على مسؤوليتنا.

إن مُثل التنوير نتاج للإدراك الإنساني؛ لكننا دائمًا نقاوم أنواعًا من الطبائع الإنسانية: كالولاء للقبيلة، والخضوع للسلطة، والتفكير السحري، وإلقاء اللوم على الأشرار عند حدوث المصائب.

إذا لم تكُن واثقًا بعد من حاجة مُثل النزعة الإنسانية التنويرية إلى دفاعٍ مستميت، ففكر فيما شخَّص به شيراز ماهر، المحلل للحركات الإسلامية الراديكالية، مشكلتنا: ” الغرب يخجل من قيمه، ولا يدافع علنًا عن الليبرالية الكلاسيكية” فنحن كما يقول:” غير واثقين منها، فهي تربكنا”. قارن بين هذا وبين الدولة الإسلامية، التي “تعرف ما ترمي إليه بالتحديد”، ولديها يقين “مغرِ للغاية”. وهو يعرف ما يتحدث عنه، بما أنه كان من قبل قائدًا إقليميًا لمجموعة جهادية تُدعى حزب التحرير. (من كتاب التنوير الآن لستيفن بينكر)[1]

– هومي بابا: لابد أن يؤخذ كلام كل كاتب جاد بجدية، وسأبدأ من صميم دعوى ستيفن “إن المثل العليا للعقل والعلوم الإنسانية والتطور بحاجة إلى دفاع مُستميت في سبيلها الآن أكثر من أي وقت مضى”، مما يثير هذا التساؤل: من الذي وضع التنوير في قفص الاتهام؟ ومن سيصعد إلى منصة الشهود؟ دفاع ستيفن المستميت يجمع المتهمين الدائمين: الأصولية والظلامية والدوغمائية واللامنطقية، لكن الخليط التاريخي لأفكار التنوير ومُثله وقيمه لا تجعل مما يكتبه مثيرًا، لكنه يحقق تأثيرًا بالغًا عندما يسلط الضوء على حركة التنوير الحالي في عنوانه ” الآن”!

تُشير كلمة ” الآن” إلى الوقت الذي هو مقياس لمدى تقدمنا؛ مما يُعطي عنوان ستيفن نوعًا من الإلحاح، يتجاهل هؤلاء الذين يتبنون النظرة بعيدة المدى التي يسميها متخصصو التاريخ [2](longue duree).

المخاطر البشعة المتكررة التي تهيمن على العصر الحديث من عبودية، واستعمار، وحروب عالمية، وإبادة جماعية، وإحراق بشري، واستبداد، وانعدام المساواة، وفقر، فتظهر وكأنها مجرد خلل في مؤشر ارتقاء الحضارة الحديثة، وشذوذ في مسيرة تقدم التنوير نحو الأمام.

“يعتقد ستيفن بأننا نعتبر هِبات التنوير أمورًا بديهية، أما أنا فأعتقد أننا حين نعي وجود هذه الهبات، وعلينا أن نعي قيمتها، ونضع ثمنها بالحسبان؛ ثمنها الذي سيدفعه من لا ينتمي إلينا.”

يُدافع ستيفن بقوة عن التطور الاجتماعي والسياسي المسجل تاريخيًا، زاعمًا بأنه دليل على التنوير الحالي، وهنا نختلف؛ يعتقد ستيفن بأننا نعتبر هِبات التنوير أمورًا بديهية، أما أنا فأعتقد أننا حين نعي وجود هذه الهبات، وعلينا أن نعي قيمتها، ونضع ثمنها الباهظ بالحسبان؛ ثمنها الذي سيدفعه من لا ينتمي إلينا. من أهم هبِات التفكير التنويري النقد الفكري والتقييم الأخلاقي الذاتي، لابد وأن يصعد تقدم التنوير إلى منصة الشهود يومًا ما وفي وقت قريب.

1- سيصل مواليد اليوم إلى الثمانينات من أعمارهم، لكن الآن ” معدل وفيات الأطفال الرضع في الولايات لمتحدة (وفيات الأطفال قبل تجاوز سنة واحدة من أعمارهم من كل ألف مولود) أعلى من متوسط معدل الوفيات في الدول الأخرى القابلة للمقارنة يما يقارب 71%”.([3])

بلغ معدل فقر الأطفال السود حتى عام 2016 حوالي 30.8%، مقارنة بالأطفال البيض الذين بلغ معدل فقرهم 10.8%، و26.6% للأطفال ذوي الأصول الهسبانية([4]) وفق تقرير مؤسسة السياسة الاقتصادية الصادر في يونيو من عام 2018. وبلغ المعدل الإجمالي لجميع الأطفال 18%، فقد قارنت المؤسسة هذه المعدلات بنظائرها من عام 1976؛ حيث بلغ معدل الفقر في ذلك الوقت 40%.

2- لو كنا نعيش فوق قوس قزح([5]) لغصت الأسواق بالمواد الغذائية؛ لكننا نتحدث عن الولايات المتحدة (غاضين الطرف عن سوريا والعراق وليبيا وفنزويلا و الهند و أوغندا وبويرتوريكو وكوبا وغيرها)، فقد قُدِّر في عام 2016 بأن واحدا من كل ثمانية أفراد أمريكيين معرضون لانعدام الأمن الغذائي، ما يُعادل 42 مليون أمريكي من بينهم 13 مليون طفل.[6]

3- مياه نظيفة بضغطة زر وتصريف بسحبة مقبض، لكن الآن:

” يواجه 663 مليونا من البشر في العالم صعوبة في الحصول على مياه نظيفة، ويفتقر و2.4 بليون منهم إلى مرافق الصرف الصحي الحديثة.” (اليونيسف)

إن التقدم الإنساني يصاحبه الظلم في توزيع السلطة والصلاحيات، ويغفل أحيانًا عن العدالة والرحمة حين يزعم بأن التاريخ لن يتكرر.

4- المعرفة في متناول يديك وتضع العالم أجمع في جيبك، ولكن الآن: يظهر التفاوت في توفر المعلومات جغرافيًا في الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) جليًا؛ حيث تصدر 84% من المقالات من أوروبا وشمال أمريكا، وقد كُتب ما يقارب 7800 مقال عن قارة أنتاركتيكا والذي يفوق ما كُتب عن أي دولة من دول أفريقيا أو جنوب أمريكا.[7]

5- قلنا أن الشتات والاغتراب الذي حدث بعد الحرب العالمية الثانية لن يتكرر، لكن الآن لو افترضنا أن هؤلاء البشر الذين هاجروا أوطانهم قسرًا في مختلف أنحاء العالم (65مليون نسمة) كانوا دولة كاملة لأصبحت ثاني أكبر دولة في العالم، دولة تساوي حجم الولايات المتحدة.[8]

لا أنوي اللعب بالأرقام، إنني أدرك تمامًا فضل الوعي التنويري على إحساسانا بأهمية السجلات التاريخية التي نقيس من خلالها تقدمنا وندعم ادعاءاتنا بحقائق وأرقام، في الإشارة إلى عجز الحركة التنويرية الحالية وإخفاقاتها المستمرة؛ يتضح لي أن الوعي الإنساني والتقدم الليبرالي عمليتان متناقضتان من عمليات التقدم، ولا يعود السبب في ذلك إلى اصطدامهما مع مفاهيم أخرى مثل:” الولاء للقبيلة، والخضوع للسلطة، والتفكير السحري”، ولا إلى انتهاء صلاحيتهما.

يعمل الوعي التنويري مع مفارقات التقدم الضرورية ويتناول مشكلات الوعي. إن التقدم الإنساني يصاحبه الظلم في توزيع السلطة والصلاحيات، ويغفل أحيانًا عن العدالة والرحمة حين يزعم بأن التاريخ لن يتكرر، يزعم إمانويل كانت[9] في مقاله ” ماهو التنوير؟” أن الوعي العام يُحررنا فقط من سذاجة العقائدية والمعيارية؛ لأن التنوير يكشف لنا نمطًا غريبًا ومفاجئًا للقضايا الإنسانية (و دائمًا تبدو لنا القضايا كلها متناقضة حين ننظر إلى الصورة الكبرى). لا تُعد المفارقة (التناقض) في قاموس “كانت” حقيقة من حقائق الحياة التي لا مفر منها وحسب، بل هي مبدأ مُشيّد بعناية لإطلاق الأحكام الأخلاقية واتخاذ القرارات السياسية، كان جون ستيوارت مل[10] مدركًا لتورط الليبرالية الكلاسيكية في الإمبريالية عندما شكك بهويته كرجل ديموقراطي في دولته و مُستبد لدولة أخرى، ويقترح أمارتيا سن[11] بأن مذهب التشكيك بالمفوَّضين في الشمال والجنوب هو الطريقة الوحيدة التي تضمن غلبة العدالة والمساواة في أي مُطالبات للتطوير العالمي.

” الآن هو وقت إقامة الحجج؛ وليس من الضروري كسبها.”

عند مواجهة الثقة الليبرالية مع ما يلحقها من تعقيدات، ووضع هِبات التنوير في منصة الشهود كما فعلتُ في الأعلى، يتضح بأن مبادئ التقييم الذاتي، ومفارقات التقدم؛ هي القيم الخالدة والفضائل السياسية للفكر التنويري منذ نشأة أصوله العالمية، والتي تشكل محل نزاع.[12] إن أفضل ما في إرث الليبرالية التنويرية الآن هو أنه لا ينتمي إلى الغرب، وهذا مالم يفهمه شيراز زاهر مع الأسف، بل ينتمي إلى الحركة السلمية المستقلة في الهند بنفس القدر الذي ينتمي فيه إلى حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، ورواد الأُممية الإسلامية، ورواد لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، والحركة النسوية، وداعمي الشذوذ الجنسي (مجتمع الميم)، وناشطي التغير المناخي حول العالم. لا يمكنك القضاء على أكثر جوانب الديموقراطية الإنسانية شفافية بسبب انتشارها في العالم، ولا ينبغي لك تجريم الحياة الأخلاقية التقليدية والمجتمع المدني –إسلاميا أو غيره- بحجة حركاتها الطائفية أو خطورة روادها الهمج.

الدرس الإنساني الذي نتعلمه من تعدد الحركات التنويرية في العالم وتنوعها؛ هو أن الآن هو وقت إقامة الحجج؛ وليس من الضروري كسبها.

– ستيفن بينكر: أتفق مع هومي بابا حين زعم بأن العالم تكبد الكثير من المعاناة التي كان من الممكن تجنبها، إلا أنه يبدو لي بأنه قرأ الأحداث والتاريخ مقلوبًا عندما بدأ بتمثيل ثمن هبات التنوير.

الزعم بأن علل العصر هي “المخاطر البشعة التي تهيمن على العصر الحديث”، يفترض بأن العالم قبل العصر الحديث كان يتمتع بوفرة الأغذية والأنظمة الصحية والأمان والمعرفة والأعمار الموزعة على البشر بالتساوي، ثم ظهر التنوير؛ ونهب إنسانيو الليبرالية العقلانية المراحيض ومقالات الموسوعة الحرة والمصادر الأخرى من ” من لا ينتمون إلينا.”

لم تجرِ أحداث التاريخ على هذا النحو، الحالة الطبيعية للبشرية منذ بزوغ فجر الحضارة على الأقل هي الفقر والمرض و الجهل والاستغلال والعنف (من ضمنه العبودية والفتوح الإمبراطورية). إن المعرفة التي توَظَّف لتحسين الظروف الإنسانية هي التي تُنقذ البشر من هذه الحالة، كما وضحت في كتابي التنوير الآن (وكتابي الذي يسبقه ” الجوانب الملائكية من طبيعتنا البشرية”)، وهذا التقدم ليس مجرد توقعات نظرية من أنظمة الديناميكا الحرارية والأحياء التطورية، بل يظهر جليًا في عشرات الرسوم البيانية التي ترصد صلاحية العالم للعيش على مر الزمن.

” الحالة الطبيعية للبشرية منذ بزوغ فجر الحضارة على الأقل هي الفقر والمرض والجهل والاستغلال والعنف (من ضمنه العبودية والفتوح الإمبراطورية)، إن المعرفة التي توظَّف لتحسين الظروف الإنسانية هي التي تنقذ البشر من هذه الحالة.”

إن الهروب الكبير[13] (كما سماه أنغوس ديتون[14]) ليس عادلاً، حيث تنتفع بعض المناطق والثقافات قبل غيرها، وهذه ليست إحدى مفارقات التقدم بل هو غياب المعجزات، لا يمكن للأفكار الإبداعية ومنافعها الانتشار في العالم أجمع في ذات اللحظة.

توضح قائمة هومي غير التاريخية لأوجه الظلم المعاصر عكس ما ينوي توضيحه، الأرقام في كل مثال أفضل مما كانت عليه في الماضي بكثير، ولا تزال في تحسن مستمر، قبل مئتين وخمسين عام لم تتوفر المرافق الصحية لأحد، في عام 1990 توفرت لما يقارب 2.8 بليون فرد، وزاد عددهم اليوم إلى 5 بليون، ولا يزال الرقم في ازدياد.

من المهم عمليًا وأخلاقيًا قراءة الوقائع والتاريخ بشكل صحيح. يظهر من تعليق هومي بأن أقصى ما قد يصل إليه الخير الأخلاقي هو المساواة وليس الازدهار، وأن ما يدفع التقدم هو الصراع السياسي وليس انتشار الوعي والتعاطف. وجهة نظري مختلفة، إن العالم الذي يموت فيه 33% من الأطفال في جميع الدول أدنى مستوى من الناحية الأخلاقية من العالم الذي يموت فيه 0.3% من الأطفال في الدول الغنية و7% في الدول الفقيرة (خاصةً أن هذه النسب في انخفاض)، إن تمييز القوى التي ساهمت في تحسين الأوضاع البشرية في الماضي يساعدنا في إيجاد طرق لتقليل المعاناة والأخطار في الحاضر، ومن ذلك ازدياد المعرفة في استخدام الطاقة الخالية من الكربون مثلًا، أو إنشاء المراحيض بلا مياه، وإعادة غلبة قيم حقوق الإنسان العالمية على القومية، أو العقيدة، أو القبيلة أو الطبقة الاجتماعية، وأشك بتأدية “لاهوت التحرير” دورًا يذكر.

أتفق مع هومي بأننا لا ينبغي لنا أن نقرن مُثل التنوير بالغرب ( ولكي لا نظلم شيراز ماهر الذي يعرف شيئًا أو شيئين حول المُثل غير الغربية وغير التنويرية؛ إذ يتضح من السياق أنه لم يقرن بينهما)، لم تظهر المُثل في العلوم والعلمانية و التسامح لفترة مؤقتة في الحضارة غير الغربية وحسب بل لم يحتوي الغرب نفسه الحركة التنويرية الإنسانية، ودعَم الحركات المناهضة للتنوير مثل الحركة الرومانسية والقومية والفاشية والأصولية الدينية والمذاهب الرجعية، تبدو هذه المسميات مألوفة؛ إذ تُذكرنا لماذا تجاهلنا إنجازات التنوير على مسؤوليتنا.

– هومي بابا: كنت أطمح بمحادثة مثمرة مع ستيفن بينكر، فكلانا نؤيد قيم التنوير، لكن يبدو بأنه مصمم على استقطاب المحادثة لأسباب أجهلها، وليفعل ذلك كان عليه اتهامي بالغطرسة التي لم ينم حديثي عنها. من السخف نسبة هذه النظرة الجاهلة المُهمِلة للتاريخ لي (أو لغيري) حين قال:” كان العالم قبل العصر الحديث يتمتع بوفرة الأغذية والأنظمة الصحية والأمان والمعرفة والأعمار الموزعة على البشر بالتساوي”، أما الجزم بأن “الحالة الطبيعية للبشرية منذ بزوغ فجر الحضارة على الأقل هي الفقر والمرض و الجهل والاستغلال والعنف” فهو سذاجة مساوية لسخف ما قبلها واختزال للتاريخ.

الزعم بأن ” بعض المناطق والثقافات تنتفع من التقدم قبل غيرها” هو أحد مبادئ التقدم كما قال ستيفن؛ لا يُفسر سبب تأخر بعض المناطق والثقافات عن غيرها.

لن أفترض شيئًا عما قبل العصر الحديث بشعًا كان أم عظيمًا، لأنني تصديت لادعاءات ستيفن المتبجحة بشأن التنوير الآن، مثلاً حين توقع أن الأطفال سيعيشون إلى الثمانينات من أعمارهم، وقد ارتفعت معدلات وفيات الأطفال الرضع في أمريكا وحدها بما يقارب 71%؛ مقارنة بالدول الغربية القابلة للمقارنة، وغيرها من الدراسات، أين أهملتُ التاريخ بالضبط (اتهام ستيفن) حين استشهدت بحاضر أمريكا أكثر دول العالم تنويرًا؟ وعلى العكس من ستيفن وعناده في الاستقطاب، فأنا أعتقد أن أي نقاش ناضج لابد أن يتناول مديحًا وذمّا، ولازلت أؤيد “كانت” في “ما هو التنوير”؛ بأن أي استكشاف هادف للتقدم سيثير مفارقات وتناقضات ويُخضعها للتقييم والتفكير الذاتي، وإلا لأصبحت جهودك بمثابة مقاتلة رجل القش.

ومرة أخرى أساء ستيفن فهم رغبتي في إيجاد مقياس للمساواة والوضوح والعدالة في تقييم مدى تأثرنا بالتنوير الآن، حين ادعى بأني أزعم أن ” أقصى ما قد يصل إليه الخير الأخلاقي هو المساواة”، والتقدم ليس عادلاً بالطبع يا ستيفن؛ لذلك لابد من أخذ المفارقات والسخريات التاريخية بعين الاعتبار، ولذلك أكد أمارتيا سن  بأنه يصعب على الناس تطوير إمكانياتهم المختلفة والمتنوعة في غياب مبادئ الإنصاف والفرص والاختيار، ولكن الزعم بأن “بعض المناطق والثقافات تنتفع من التقدم قبل غيرها” -وهو أحد مبادئ التقدم  كما وضح ستيفن- لا يُفسر سبب تأخر بعض المناطق والثقافات عن غيرها، اذهب والعب لعبة المطاردة[15] مع الأطفال السود في الولايات المتحدة الذين ازدادت نسبة فقرهم 10% في 42 سنة كما أشار لي زميلي هنري لويس غيتس، العبها مع الأطفال الهنود المنبوذين[16] الذين لم يؤثر التقدم في الهند على مصيرهم السياسي والاقتصادي حتى بعد 70 عامًا من الاستقلال، لستُ أهاجم التنوير كما يزعم ستيفن؛ بل أحاول جاهدًا إيقاظ ضمائرنا الجمعية وتحريك مشاعرنا.

قد نال التقدم المعماري الهائل في تاج محل إعجاب مؤرخي الفن بالرغم من استيائهم من الوحشية التي تعرض لها العمال الذي عملوا على بنائه، إن السكك الحديدية التي تركها البريطانيون في الهند تُثير إعجاب معظم المؤرخين الذي عرفتهم بالرغم من استنكارهم لوحشية الإمبراطورية البريطانية كشكل معاصر للاحتلال والقمع؛ إذ انتهكت حرية وكرامة الشعب الهندي بصور شتى. تعدد وجهات النظر في النقاش والتقييم يشوش عقل ستيفن؛ ليس بالضرورة أن يسير التقدم بصورة طولية ولا أن يكون تطوريًا لا محالة؛ إن القوى البشرية والعقلانية العلمية والحوادث التاريخية المفاجئة هي التي تحدد مسار التقدم، ولذلك فالطريقة المُثلى لتقدير مساهمات التنوير العظيمة حول العالم هي وضع مرايا تعكس مزايا التنوير وعيوبه، إن الفكر التنويري لايزال قيد التطوير، فأفضل وسيلة للدفاع عن التنوير هي التوقف عن اختزاله.

” أنا معتاد على رؤية وصف “اختزالي” للتملص من توضيح “المفارقات” و “السخريات” و”التناقضات” وبرهنتها.”

– ستيفن بينكر: أنا معتاد على رؤية وصف “اختزالي” للتملص من توضيح “المفارقات” و”السخريات” و”التناقضات” وبرهنتها. كنت أحاول تقديم توضيح نظري ليس لإنشاء رجل القش، عندما وضعت قائمة هومي للمشكلات المعاصرة في سياقين تاريخيين افتراضيين (متناقضين بشكل مُتعمَّد).

يشرح “التنوير الآن” غلبة الوعي والعلم والإنسانية على بدائلها من اليسارية واليمينية والمذاهب الدينية. ومعظم الدفاع فيه عبارة عن توثيق للتقدم المُهمَّش الذي أحرزه العالم منذ التنوير، ما علاقة قائمة هومي للمشاكل المعاصرة بهذه القضية؟ عند تسليط الضوء على المسار التاريخي للأحداث: سواءً غيَّرت الأفكار والمؤسسات التنويرية العالم إلى أفضل مما كان عليه أم لا، لا يوجد “مفارقة” ولا ” تناقض” في كون التطور لم يؤثر على شعوب العالم كلها على الفور؛ عندما نُقرَ بحقائق التقدم (مع الوصف الإحصائي لجوانب الغموض فيها)، أو في استمرار وجود الفقر والقمع، كل هذه الأسقام لا تعني قضيتنا مالم تظهر معاناة جديدة لم تكن موجودة من قبل سببتها الأفكار التنويرية، أو ساهمت في تفاقمها.

وقد نتج عن التفكير الإحصائي مفارقات زائفة كما في قوله: “سيصل مواليد اليوم إلى الثمانينات من أعمارهم، لكن الآن معدل وفيات الأطفال الرضع في الولايات المتحدة أعلى من متوسط معدل الوفيات في الدول الأخرى القابلة للمقارنة يما يقارب 71% في الغرب”، المعدلات المتوقعة متوسطة، ونعم صحيح بعض الدول تنخفض معدلاتها عن المتوسط.

صحيح بأن الإقرار بالتفاوت بين الحضارات لا يُفسِّر عدم لحاق بعضها ببعض بنفس السرعة، ولكن حتى “إيقاظ ضمائرنا الجمعية وتحريك مشاعرنا” لا يفعل ذلك، العلوم الاجتماعية وحدها هي التي تستطيع فعلها، ويعرض ” التنوير الآن” بعض النتائج الرئيسية.

تُعد الولايات المتحدة حالة استثنائية، قد يُعزى -جزئيًا- أدائها المنخفض إلى مقاومتها للإنسانية المستنيرة ومؤسساتها العلمانية، فهي أكثر البلدان الغربية الديموقراطية تديُّنًا، ويربط بين المعتقد الديني والصحة والرفاه حول العالم علاقة عكسية.

وبمناسبة الحديث عن رجال القش، من المثير للسخرية أن هومي يعتقد أن على أحدهم إخباري أنه ” ليس بالضرورة أن يسير التقدم بصورة خطية ولا أن يكون تطوريًا لا محالة”، أو ” إن القوى البشرية والعقلانية العلمية والحوادث التاريخية المفاجئة هي التي تحدد مسار التقدم”، إن التنوير الآن” يوثق هذه الأفكار بالذات بعمق غير مسبوق.


[1] نقلاً عن ترجمة هالة جمال بتصرف (المترجمة).

[2] فرنسية؛ وتعني على المدى البعيد. (المترجمة)

[3] (Bradley Sawyer and Selena Gonzales, How Does Infant Mortality in the U.S Compare to other Countries? Kaiser Family Foundation, July 7,2017)

[4] الأطفال الذين تعود أصولهم إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (البرتغال، وإسبانيا، واندورا، وجبل طارق، وجزء جنوبي صغير جدًا من فرنسا) (المترجمة).

[5] استفتح الفقرة بعبارة “فوق قوس قزح somewhere over the rainbow” وهي عبارة دارجة تستخدم للحديث عن مكان خيالي يحدث فيه المستحيل، للتعبير عن استحالة توفر المواد الغذائية بكثرة إلى الأبد.(المترجمة)

[6] (Alisha Coleman Jensen, Matthew P.Rabbitt, Christian A.Gregory, and Anita Singh, Household Food Security in the United States in 2016, ERR-237, U.SDepartment of Agriculture, Economic Research Service,2017)

[7] [Geographies of the World’s Knowledge, Convoco Foundation and Oxford’s Internet Institute, 2011]

[8] المصدر: منظمة أنقذوا الأطفال البريطانية.

[9] كانط، فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر. (المترجمة)

[10] فيلسوف واقتصادي بريطاني. (المترجمة)

[11] عالم اقتصاد وفيلسوف هندي، يعمل في التدريس في الولايات المتحدة. (المترجمة)

[12] (Jonathan Israel, Radical Enlightenment, 2001; Enlightenment Contested, 2008)

[13] فيلم أمريكي تدور أحداثه حول هروب ضباط معتقلين من أحد المعتقلات النازية، وأعتقد أن ديتون يقصد الظلم الذي يقع على بقية المعتقلين حين يهرب بعضهم ويبقون هم، كالدول التي تنتفع بتقدمها دون غيرها؛ لأن التقدم حدث فيها أولاً. (المترجمة)

[14] اقتصادي جزئي اسكتلندي بريطاني. (المترجمة)

[15] استخدم لعبة المطاردة للسخرية من ستيفن؛ لأن ستيفن حين تحدث عن الدول المتأخرة استخدم  “catch up ” والتي تعني اللحاق بالركب ويشار إلى اللعبة بهذا الاسم. (المترجمة)

[16] أطفال الطبقة المنبوذة  (Indian Untouchables).(المترجمة)

أعجبني المقال

المصدر
iai

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى