الدين

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوّض الدين؟

  • حمزة أندريس تزورتسس
  • ترجمة: محمد فاضل بلمومن
  • تحرير: بلال الخصاونة

تطوّر الذكاءُ الاصطناعي Artificial Intelligence (AI) بسرعة خلال السنوات القليلة الماضية. لدينا الآن حواسيب وهواتف وغيرها من الاختراعات التي لها من الذكاء والقُدرات ما يجعل البشر يبدون معها وكأنهم بِدائيون. مع هذه الحركة السريعة للحقل التكنولوجي، يفترض الكثيرون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكتسب وعيًا، وكنتيجة لهذا الكلام يظنون أنّ هذا من شأنه تقويض الروايات الدينية؛ بمعنى أنه إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يكون واعيًا، فسيكون هناك تفسيرٌ مادي لما يجعلنا بشرًا.[1] إنّ مفهوم الروح في الإسلام، هو شيء لم يصلنا عنه سوى القليل من المعرفة. ومع ذلك، ما يمكن تأكيده هو حقيقة أنها من “الغيب”، وهي صادرةٌ عن واقع متعالٍ. من هذا المنظور، إذا كان من الممكن الآن استبدال الروح، وهي الشيء اللامادي الذي يحرك الجسد، بتفسير مادي وفزيائي؛ فإن هذا سيُبطل فكرة الدين[2].

قد يجادل الفيزيائي بأن الوعي والقدرة على عيش حالة من الوعي الذاتي (يشار إليها أيضًا باسم الظاهرة الذاتية) يمكن تفسيرها بواسطة الذكاء الاصطناعي، حيث يُصبح الوعي مشابهًا لبرنامج الكمبيوتر. ومع ذلك، هناك فرق بين الذكاء الاصطناعي الأدنى والذكاء الاصطناعي الأعلى. الذكاء الاصطناعي الأدنى هو قدرة نظام الكمبيوتر على عرض القدرات الذكائية. يمكن أن يتمثّل في حل معادلات رياضية معقدة أو التغلب على خصوم متعددين في لعبة شطرنج في أقل من ساعة. أما الذكاء الاصطناعي الأعلى فيشير إلى أنّ أنظمة الكمبيوتر ذاتها تكون واعية بالفعل. بعبارة أخرى، امتلاك القدرة على معايشة حالة الوعي الذاتي – والتي تتضمن ربط المعنى بالأشياء. الذكاء الاصطناعي الأدنى ممكن وقد تم تطويره بالفعل. الذكاء الاصطناعي الأعلى أمر مستحيل؛ وفيما يلي تفصيل ذلك.

السبب الأول، هو أن أجهزة الكمبيوتر ليست أنظمة مستقلة لها القدرة على الشروع في التفكير من تلقاء نفسها. فالشيء الذي يتم وصفه بالوعي يعني أنه مصدر مستقل للتفكير العقلاني. ومع ذلك، فإنّ أجهزة الكمبيوتر (وبرامج الكمبيوتر) تم تصميمها وتطويرها وصنعها بواسطة بشر مستقلين عقلانياً. لذلك، تعد أجهزة الكمبيوتر مجرد تمظهرٍ لقدراتنا الذكية. يوضح ويليام هاسكر قائلاً:

”تعمل أجهزة الكمبيوتر على هذا النحو؛ لأنه تم إنشاؤها بواسطة إنسان يتمتع برؤية عقلانية. بعبارة أخرى، يُعدّ الكمبيوتر مجرد امتداد لعقلانية مُصمّميه ومستخدميه؛ ومن يعدّه مصدراً مستقلاً للتفكير العقلاني هو كمن يعدّ جهاز التلفزيون مصدرًا مستقلاً للأخبار اليومية والبرامج الترفيهية“.[3]

السبب الثاني هو أن البشر ليسوا أذكياء فحسب – بل إن عقلانيتهم هي عقلانية غائية. هذا يعني أن تفكيرنا يكون “حول” أو “لأجل” شيء ما وأمر مرتبطٌ بالمعنى.[4] وبالعكس من ذلك، لا تتّصف أجهزة الكمبيوتر بدافع المعنى. أنظمة الكمبيوتر تعالج فقط الرموز. بالنسبة للنظام، فإنّ الرموز لا تتعلق بـكونها “حول” أو “لأجل” شيءٍ ما، بل كل ما بمقدور أجهزة الكمبيوتر “رؤيته” هو الرموز التي تعالجها، بغض النظر عما نعتقد أن الرموز تدور حوله أو تتعلق به. تعتمد برامج الكمبيوتر فقط على القواعد النحوية (معالجة الرموز)، وليس الدلالات (المعنى).

لفهم الفرق بين علم الدلالة والتركيب النحوي، تأمل الجمل التالية:

  • أنا أحب عائلتي
  • αγαπώ την οικογένειά μου
  • আমি আমার পরিবারকে ভালবাসি

هذه الجمل الثلاث تعني نفس الشيء: أنا أحب عائلتي. هذا ما يشير إليه علم الدلالات، أي معنى الجمل. لكن الصيغة مختلفة. بمعنى آخر، الرموز المستخدمة غير متشابهة. الجملة الأولى تستخدم “الرموز” العربية، والثانية اليونانية، والأخيرة البنغالية. من هذا يمكن تطوير الحجة التالية:

  1. برامج الكمبيوتر نحوية (تعمل على بِنية الجملة).
  2. العقول تتميّز بالدّلالية.
  3. بناء الجملة في حد ذاته ليس كافيًا ولا مكوّنًا للدلالات.
  4. لذلك فإن برامج الكمبيوتر في حد ذاتها ليست عقولًا.[5]

تخيل أن انهياراً جليديًا تسبّب بطريقة ما في تحريك الصخور الجبلية مشكّلةً عبارة “أنا أحب عائلتي”؛ إن الادعاء بأن الجبل يعرف ما يعنيه ترتيب الصخور (الرموز) يُعتبر أمراً لا يستحقّ التفكير حتّى. يشير هذا إلى أن مجرد التلاعب بالرموز (بِنية الجملة) لا يؤدي إلى بناء المعنى (الدلالات).

تعتمد برامج الكمبيوتر على التلاعب بالرموز وليس المعنى. وبالمثل، لا يمكنني معرفة معنى الجملة في البنغالية بمجرد التلاعب بالأحرف (الرموز). بغض النظر عن عدد المرات التي غيرت فيها ترتيب الأحرف البنغالية، لن أتمكن من فهم معنى الكلمات. هذا هو السبب في أننا نحتاج أكثر من الصيغة الصحيحة للدلالات. تعمل برامج الكمبيوتر على مستوى علم النحو وليس على مستوى علم الدلالة. أجهزة الكمبيوتر لا تعرف معنى أي شيء.

تعتبر التجربة الفكرية الموسومة بـ “الغرفة الصينية” لجون سيرل John Searle’s Chinese Room طريقة قوية لإظهار أن مجرد التلاعب بالرموز لا يؤدي إلى فهم ما تعنيه:

” تخيل أنك محبوس في غرفة، وفي تلك الغرفة عدة سلال مليئة بالرموز الصينية. تخيل أنك (مثلي) لا تفهم أي كلمة من اللغة الصينية، ولكنك حصلت على كتاب قواعد باللغة الإنجليزية للتلاعب بالرموز الصينية. تحدد القواعد التعامل مع الرموز بطريقة صورية بحتة، من حيث التركيب وليس الدلالات. لذلك قد تقول القاعدة: خذ حرفًا أو كلمة من السلة رقم واحد وضعها بجوار أخرى من السلة رقم اثنين. افترض الآن أن رموزًا صينية أخرى قد انتقلت إلى الغرفة، وأنك حصلت على قواعد إضافية لإعادة الرموز الصينية من الغرفة. افترض، دون علمك، أن الرموز التي تمر عبر الغرفة هي “أسئلة” من طرف أشخاصٍ خارج الغرفة، والرموز التي تمررها من الغرفة هي “إجابات على الأسئلة”. تصميم البرنامج بارع جدًا في معالجة الرموز بحيث لا يمكن تمييز إجاباتك بسرعة عن إجابات المتحدثين الأصليين للغة الصينية. هناك أنت مقفل في غرفتك تخلط بين رموزك الصينية وتوزع الرموز الصينية ردًا على الرموز الصينية الواردة… الآن الهدف من القصة هو ببساطة: من وجهة نظر مراقب خارجيّ، أنت تتصرف تمامًا كما لو كنت تفهم اللغة الصينية، لكنك ما زلت لا تفهم  أي كلمة صينية، وهذا عينه ما يقوم به برنامج الكمبيوتر“.[6]

في الغرفة الصينية لتجريب الأفكار، يقوم الشخص الموجود داخل الغرفة بمحاكاة جهاز كمبيوتر. شخص آخر يُدير الرموز بطريقة تجعل الشخص الموجود داخل الغرفة يبدو وكأنه يفهم اللغة الصينية. ومع ذلك، فإن الشخص الموجود داخل الغرفة لا يفهم اللغة؛ إنهم يقلدون ذلك التناوب فحسب. يستنتج سيرل قائلاً:

“إن امتلاك الرموز في حد ذاته – هو مجرد وجود بناء الجملة – لا يكفي للحصول على دلالات. مجرد التلاعب بالرموز لا يكفي لضمان معرفة ما تعنيه”.[7]

قد يرد المعترض على ذلك بالقول إنه على الرغم من أن برنامج الكمبيوتر لا يعرف المعنى، فإن النظام بأكمله يعرف ذلك. وقد أطلق سيرل على هذا الاعتراض اسم “الأنظمة تقوم بالرد”[8]. ومع ذلك، لماذا لا يعرف البرنامج المعنى؟ الجواب بسيط: لأنه لا توجد طريقة لإعطاء معنىً للرموز. نظرًا لأن برنامج الكمبيوتر لا يمكنه تعيين معنىً للرموز، فكيف يمكن لنظام الكمبيوتر -الذي يعتمد على البرنامج- فهم المعنى؟ لا يمكنك إنتاج الفهم بمجرد امتلاك البرنامج الصحيح. يقدم سيرل نسخة موسعة من التجربة الفكرية في الغرفة الصينية لإظهار أن النظام ككل لا يفهم المعنى: ”تخيل أنني أحفظ محتويات تلك السلال مع كتاب القواعد، وأقوم بكل العمليات الحسابية في رأسي. يمكنك حتى أن تتخيل أنني أعمل في العراء. لا يوجد شيء في “النظام” إلا وهو في رأسي، وبما أنني لا أفهم اللغة الصينية، فكذلك النظام أيضا“.[9]

يفترض لورنس كارلتون أن حجة الغرفة الصينية لسيرل Searle’s Chinese Room غير صالحة. ويجادل بأن حجة سيرل ترتكب المغالطة المشار إليها على أنها “نفي المقدمات” [وهي الاستناد على صحة قولٍ ما: كدليل على صحة معكوسه]. يؤكد كارلتون أن سيرل يرتكب هذه المغالطة لأنه “ليس هناك أي دليل على أن هناك طريقة واحدة فقط للقصدية” .[10] وهو يدعي أن سيرل يفترض أن العقل فقط لديه عمليات التعامل مع الرموز وفهمها (القصدية)، وأن أجهزة الكمبيوتر لا تفعل ذلك. يقدم كارلتون المغالطة بالطريقة التالية:

”القول بأنّ “بعض عمليات الدماغ المتكافئة تُنتج القصدية والمعنى” و بما أن “X ليس لديها هذه التكافئات”، بالتالي فإن “X ليس لديها قصدية”= هو ارتكاب لمغالطة صورية هي “نفي المقدمات”“.[11]

ومع ذلك، يؤكد ديل جاكيت أن سيرل لا يرتكب المغالطة الصورية لأن تفسير حجة سيرل هو:

”إذا كان X قصدية (بالأصالة)، فلابد و أن X لها مكافئات معينة في عمليات الدماغ.“[12]

يعتقد جاكيت أن حجة سيرل هي تنازل عن الوظيفية، ويجادل بأن الوظيفيين “يؤكدون أنه لا يوجد شيء مميز حول البروتوبلازم، حيث أن أي مادة منظمة بشكل صحيح تقوم بإنشاء نموذج مثيل لبرنامج الإدخال والإخراج الصحيح على نحو متكرر قصدي وعقلاني”.[13] يبدو أن سيرل يعترف أيضًا بأن الآلات يمكن أن تمتلك القدرة على فهم اللغة الصينية. ومع ذلك، قال: “أرى حُججًا قوية جدًا للقول أننا لا نستطيع إعطاء مثل هذه الخاصية لجهاز تشغيله لا يتعرف – فقط – إلا على عمليات حسابية صورية على عناصر محددة…”.[14]

إذا لم تستطع الحواسب أن تضفي معنى على ما تتعامل معه من رموز، فما نوع الآلة الواعية التي يشير لها سيرل؟ حتى لو افترضنا أنه الروبوت (وهو ما يرفضه سيرل) فستظل الإشكالية قائمة: تعتمد الآلة على “عمليات حسابية صورية على عناصر محددة”. يبدو أن امتلاك الآلة للفهم (إضفاء معنى على الرموز) يتطلب شيئًا آخر سوى العمليات المجردة و الرموز المذكورة آنفًا. هل هذه الآلة موجودة؟ الجواب:لا. هل يمكن أن توجد؟ إذا كان ذلك ممكنًا، ربما لن توصف بأنها آلات! إذ الوعي يحتاج لأكثر من مجرد “العمليات الحسابية الصورية على عناصر محددة”.

وفقًا لروكو جينارو، يتفق العديد من الفلاسفة مع وجهة نظر سيرل بأن الروبوتات لا يمكن أن يكون لها وعي ظاهراتي.[15] يجادل بعض الفلاسفة بأنه لبناء روبوت واعٍ “يجب أن تكون الخبرة النوعية حاضرة”[16]، وهو أمر يتشائمون بشأنه؛ يشرح آخرون هذا التشاؤم بقولهم:

“لشرح ماهية الوعي فإنه علينا تقديم شرح للكيفية التي ينشأ بها هذا المظهر الداخلي الذاتي للمعلومات في الدماغ، وبالتالي فإن إنشاء روبوت واعٍ من شأنه أن يخلق مظهرًا داخليًا ذاتيًا للمعلومات داخل الروبوت… بغض النظر عن مدى تقدمه، فإن هناك احتمالاً كبيراً في أن الروبوت لن يكون واعياً بمجرّد معرفة أنّ المظاهر الداخلية الذاتية يجب أن تكون حاضرة أيضًا”.[17]

لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يربط المعنى بالرموز، إنه فقط يعالجها ببراعة وعلى نحوٍ بالغ التعقيد. لذلك لن تكون هناك نسخة عليا من الذكاء الاصطناعي. والفكرة الدينية ستبقى قائمة.


الهوامش:

1 النزعة الفيزيقية: هي وجهة النظر القائلة بأن الوعي يمكن اختزاله أو تفسيره أو مطابقته بالعمليات المادية بطريقة ما.

2 في فلسفة العقل، تعتبر المادية أو الطبيعانية مصطلحات مترادفة، على الرغم من اختلاف تاريخ ومعنى كل منهما عند استخدامه في مجالات المعرفة الأخرى.

3 Hasker, Hasker. Metaphysics (Downer’s Grove, IL: InterVarsity, 1983), 49; also see “The Transcendental Refutation of Determinism,” Southern Journal of Philosophy 11 (1973) 175–83.

4 Searle, John, Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind. (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), p. 160.

5 Searle, John. (1989). Reply to Jacquette. Philosophy and Phenomenological Research, 49(4), 703.

6 Searle, John. (1984) Minds, Brains and Science. Cambridge, Mass: Harvard University Press, pp. 32–33.

7 Searle, John. (1990) Is the Brain’s Mind a Computer Program? Scientific American 262: 27.

8 Ibid, 30.

9 Ibid.

10 Carleton, Lawrence (1984). Programs, Language Understanding, and Searle. Synthese, 59, 221.

11 Ibid.

12 Jacquette, Dale. “Searle’s Intentionality Thesis.” Synthese 80, no. 2 (1989): 267.

13 Ibid, 268.

14 Searle, John. (1980b) Minds, Brains, and Programs. Behavioral and Brain Sciences 3, 422.

15 Gennaro, Rocco. Consciousness. (London: Routledge, 2017), p. 176.

16 Ibid.

17  Ibid.

أعجبني المقال

المصدر
sapienceinstitute

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى