الفلسفة

هل الظواهر الباراسيكولوجية موجودة؟

مناقشة حول طبيعة الوعي

  • حوار بين: ستيف تايلور، ورالف لويس*
  • ترجمة: وائل وسام
  • تحرير: عبدالله شعبان

في 4 مايو 2020 نشرت مجلة (Psychology Today) مقالة لي بعنوان “الحياة قصيرة والعالم سينتهي، فهل يمكن أن يكون له معنى؟”[1] تعكس وجهة نظر معظم العلماء السائدة بأن الوعي ما هو إلا نتاج أنشطة الأفراد الدماغية، ومن وجهة النظر هذه، يُنظَر إلى الوعي على أنه نتاج تفاعل مجموعة من المواد العضوية التي تطورت إلى حالة التعقيد المنظَّم للغاية، وذلك من خلال عمليات التطور البيولوجي غير الموجهة.

يمثِّل عالم النفس -وزميلي المدون في نفس المجلة- الدكتور ستيف تايلور وجهة نظر بديلة يتبناها بعض الفلاسفة والعلماء المعاصرين، وهي أن الوعي قد يكون خاصية أساسية للكون تتجاوز حدود أدمغتنا، ويرى تايلور أيضًا أن الظواهر الباراسيكولوجية (psi)، مثل: التخاطر، والإدراك المسبق (التنبؤ بالمستقبل) هي ظواهر حقيقة.

يرى تايلور أن مجال البحث الذي يدرس الظواهر الباراسيكولوجية، المعروف باسم الباراسيكولوجي، هو مجال علمي حقيقي، ويستشهد على ذلك بورقة منشورة عام 2018 في مجلة من مجلات علم النفس المرموقة (مجلة American Psychologist) لإثبات هذه النقطة، وأنا أزعم أنه إذا كانت افتراضات الباراسيكولوجي صحيحة، فعندئذ -عمليًا- كل العلوم يجب أن تكون مخطئة.

المناقشة التالية دارت بيني وبين تايلور في قسم التعليقات على مقالي في 4 مايو.

الجزء الأول

– ستيف: أقتبس من هاملت وأقول: “هناك -بالتأكيد- أشياء في السماء والأرض أكثر بكثير” مما يطرحه هذا المقال [إشارة إلى مقال 4 مايو]، ويَفترِض المقال أن النظرة المادية إلى الواقع صحيحة، أي إن المادة هي الحقيقة الوحيدة أو الأوّلية، وجميع الأشياء التي تبدو غير مادية (مثل العقل أو الوعي) يمكن تفسيرها بتفاعلات تحدث بين المادة، وهناك أيضًا افتراض أن الواقع الذي يدركه البشر هو موضوعي، ويوفر لنا صورة كاملة -إلى حد ما- عن العالم.

ومع ذلك، فإن كل كائن حي لديه وعي محدود بالواقع، وكذلك البشر، ولا يمكننا تحمل “دفن رؤوسنا في الرمال لنتعامى عن الواقع” كما أشار ويليام جيمس، فيجب أن نواجه حقيقة وجود مجموعة هائلة من الظواهر والقوى التي لا ندركها حاليًا.

في الواقع، تشير حالات الوعي الأعلى إلى أن وعينا الطبيعي محدود، ولا يقدم إلينا صورة موثوقة عن العالم، بل تكشف عن واقع أكثر اتساعًا، يشير إلى أن المادية هي وجهة نظر جزئية جدًا، نشأت بسبب محدودية وَعْينا.

في الواقع، الماديّة قاصرة أن تكون طريقة تفسير العالم (انظر كتاب “العقل غير القابل للاختزال”، وكتابي “العلم الروحاني”)[2]، هناك مجموعة واسعة من الظواهر الشاذة التي تتجاهلها المادية، أو تنكرها لأنها لا تستطيع تفسيرها.[3]

– رالف: شكرا لك يا ستيف على تعليقاتك.

في مقال آخر بعنوان “هل هناك حياة بعد الموت؟ مشكلة العقل والجسد”،[4] شرحت لماذا النظرة الثنائية التي تقول إن الوعي مستقلّ عن الدماغ المادي، غير متوافقة -أساسًا- مع النظرة العلمية القائلة بأن العقل هو حصيلة أنشطة الدماغ المادية، ولا شيء سوى الدماغ والمادة. كما قلت في هذا المقال: “إما أن العلم صحيح أو أن هناك عالَم روحي، وليس كِلاهما صحيحَين معًا”.

وشرحت هناك:

تتعارض الفلسفة الثنائية -جِذريًا- مع أسس العلم الحديث وأدِلَّته المتراكمة، ولكي تكون صحيحة، علينا العمل على إعادة بناء العلم الحديث من الألِف إلى الياء؛ فإذا تبيّن أن الثنائية صحيحة، فستكون كيفية عمل معظم تقنياتنا المتقدمة -بما في ذلك جميع الأجهزة الإلكترونية- لغزًا محيرًا أو محض صدفة، نظرًا إلى أن تصميمها وهندستها يعتمدان على المبادئ ذاتها التي ستصبح باطلة تمامًا إذا كانت الفلسفة الثنائية صحيحة.

يتطرق كتابي “البحث عن الغاية في عالم بدون إله” إلى مزيد من التفصيلات حول مشكلة العقل والجسد أو العقل والدماغ، بالإضافة إلى معالجة الافتراض الخطأ بأن النظرة العلمية إلى العالم عدمية.

ستيف، إن ركام الأدلة على نوعٍ من الظواهر الخارقة الموصوفة في كتاب “العقل غير القابل للاختزال” الذي أشرت إليه، وفي أوراق الباراسيكولوجي الأخرى المماثلة، لا قيمة لها من الناحية العلمية، انظر مقالي: “جاذبية الخوارق في عصرنا العلمي”.

إن وجهة النظر التي تعبر عنها، هي -بالفعل- وجهة نظر مدروسة، ويشعر المرء -للوهلة الأولى- أنها صحيحة بداهةً، وهذا هو سبب إيمان كثير من الأشخاص الأذكياء بها، وهي ليست حجة ضعيفة فكريًا بل هي -ببساطة- معلومات مضلِّلة؛ فإن الأدلة العلمية السائدة أعمق بكثير، وأكثر تعقيدًا مما يعتقده معظم الناس.

– ستيف: شكرا لتعليقاتك يا رالف، أوافق على أن النظرة المادية إلى العالم ليست عدميةً تمامًا، وأنه يمكننا جميعًا أن نشعر بالامتنان لأننا ولدنا في هذا العالم المجيد، ونستمتع باستكشافه، هذا جانب من جوانب كتابات ريتشارد دوكينز التي أعجبني.

لكن ما يزال هناك حضور قوي للعدمية،  فإذا كنا جميعًا مجرد آلات بيولوجية؛ فلا يوجد سبب يمنعنا من أن نبني حياتنا على مذهب اللذة والإشباع، وأن نقدم رغباتنا الذاتية على احتياجات الآخرين.

في الواقع، إن تبني ثقافتنا الرؤية المادية للعالم يدعم نزعتنا الاستهلاكية المُتفشِّية، كما أدت المادية -بوصفها نظرة إلى العالم- إلى جعل هذه المادية أسلوب حياة، وإن القول بأن العالم جميل ورائع -وهو كذلك- يشبه ببساطة إخبار السجين أن يستمتع بسجنه لأن زنزانته مطلية بألوان جميلة، وبالتأكيد هذا لا يغير نزعتا العدمية واللامعنى المتأصلتين في مأزقنا.

أما العلاقة بين العقل والدماغ، فالنظرة الثنائية ليست البديل الوحيد لفكرة أن الوعي هو نتاج حصري لأنشطة الدماغ، فيرفض عدد من العلماء والفلاسفة المعاصرين، على سبيل المثال لا الحصر: (توماس ناجل، وديفيد تشالمرز، وفيليب جوف)، يرفضون فكرة أن الوعي يُنتَج بالكامل من أنشطة الدماغ، ويعتقدون أن الوعي هو -بمعنًى ما- أساسيٌّ في الوجود، وبعض التصورات البديلة الممكنة هي: “الروحية الشاملة” (panpsychism)،[5] أو الوجود ثنائي الرتبة،[6] وأنواع مختلفة من المثالية، وإن ما أُفضّله هو “الروحية الشاملة” كما هو موضح في كتابي: العلم الروحاني، وهي تفترض أن هناك “وعيًا أساسيًا” يسود كل الوجود، ومنه تنبثق المادة.

يُحيِّرني قولك إنه لا يوجد دليل قابل للتكرار على الظواهر الباراسيكولوجية، ففي الواقع، هناك قدر كبير من هذه الأدلة، ومعدلات التكرار في الباراسيكولوجي أعلى مما هي عليه في مجالات العلوم الأخرى.

وفي ظواهر الباراسيكولوجي، مثل: التخاطر، والإدراك المسبق، لا يوجد ما يُعارِض نظريات الفيزياء الحديثة ونتائجها، وألقِ نظرة على الورقة الأخيرة: “الدليل التجريبي على وجود الظواهر الباراسيكولوجية”[7] في مجلة عالم النفس الأمريكي بقلم إتزل كاردينا، يُظهِر كاردينا بوضوح أن الأدلة على ظواهر مثل: التخاطر، والإدراك المسبق، والقدرة على إدراك أحداث خارج قدرات الحواس البشرية، قد ثبت أنها قوية ومتسقة عبر مجموعة كبيرة من التجارب المختلفة على مدى عقود عديدة، لذا لا يمكن تفسيرها -ببساطة- بأنها صورةٌ من صور التلاعب والاحتيال.

وقد تبنَّى عدد من الماديِّين المتشدِّدين -ببساطة- وجهة نظر متحيّزة مفادها: أن مثل هذه الظواهر لا يمكن أن توجَد، وهو ما يمكن أن نعتبره نوعًا من الأصولية العلمية، فمن وجهة نظري، قد يَعتقِد أيُّ شخص مُتفتِّح الذهن أن الأدلة قوية كفايةً لتلفت الأنظار إليها.

هناك أسباب نظرية حول لماذا يمكن -وينبغي- وجود الظواهر الباراسيكولوجية، ففي الفيزياء، يبدو أن الزمن الخطي وهم، فالزمن أشبه بالمكان، ومنتشر مثل البانوراما، ونعلم أيضًا -على المستوى الكمومي- أن الزمن يتصرف بغرابة شديدة، ففي بعض الحالات، يبدو أن علاقة السبب والنتيجة قد انعكست، وهنا يمكنني أن أحيلك إلى مفهوم السببية التراجعية وتفسير المعاملات لميكانيكا الكم، وكل هذا متوافق -تمامًا- مع الإدراك المسبق، لذ من فضلك قل لي لمَ لا!

ثم عندما تنظر إلى الدليل التجريبي، على سبيل المثال: من تجارب داريل بيم، التي تكررت عدة مرات، أعتقد أن لدينا حالة معقولة للغاية، (للحصول على ملخص للأسباب التي تجعلني منفتحًا لوجود الظواهر الباراسيكولوجية، انظر مقالي بخصوص هذا الموضوع).[8]

غالبًا ما تستخدم كلمة “علم” لكنني أعتقد أن ما تتحدث عنه حقًا هو “العلموية” -وهي نظرة مادية إلى العالم مشتقة من بعض نتائج العلم، وما نحتاجه حقًا هو نوع علم “ما بعد المادية” الذي ينادي به العديد من المنظِّرين.

الجزء الثاني

– رالف: ستيف، هناك كثير من العيوب القاتلة في ادعاءات أبحاث الباراسيكولوجي، تجعل المرء في حيرة من أمرِه، فلا يعرف من أين يبدأ في محاولة الإشارة إلى أوجه القصور الخاصة بها، وإنه لمن المرهق للعلماء ومعلِّمي العلوم أن يستمروا في تشتيت انتباههم عن البحث الجاد، ليضطروا إلى فضح هذه الادعاءات مرارًا وتكرارًا، بعد أن اعتقدوا أن هذه القضية قد جرى التخلص منها منذ وقت طويل.

بما أنك ذكرت داريل بيم، أحيلك إلى واحدة فقط من المناسبات العديدة التي كُشِفَ فيها عن مشكلات ادعاءات الباراسيكولوجي، انظر المقال القصير: “داريل بيم والظواهر الباراسيكولوجية في تجارب غانزفيلد” للدكتورة سوزان بلاكمور[9]، (بالنسبة لقرائنا: كانت سوزان بلاكمور ذات يوم مؤمنة بوجود الظواهر الباراسيكولوجية، ولكنها اقتنعت بالدليل -فيما بعد- أنه لا وجود لمثل هذه الظواهر، ويشير مصطلح غانزفيلد إلى نوع من التجارب التي يعتبرها علماء الباراسيكولوجي على نطاق واسع أقوى دليل في هذا المجال)، فلقد أُلقِيَ القبض على كارل سارجنت، الباحث في مجال الباراسيكولوجي متلبّسًا بما كان من الصعب تفسيره على أنه أي شيء آخر غير الغش والتلاعب، ومع ذلك يُستشهَد ببحثه المتعلق بتجارب غانزفيلد في أوراق هونورتون، وبعد ذلك في أوراق بيم، وتختتم المقالة بالقول إن هذا أمر من أملهم كشفه، “لأن ادعاءات بيم المستمرة تضلِّل الجمهور الراغب في الاعتقاد بوجود دليل علمي حسن السمعة على الظواهر الباراسيكولوجية في تجارب غانزفيلد، في حين أن هذا الدليل غير موجود”.

ولكن بصرف النظر عن الادعاءات الاحتيالية التي تشكل حجر الأساس للمجال، التي بُنِيَتْ عليها الادعاءات اللاحقة؛ فإن المشكلة الأكثر شيوعًا بين العديد من الباحثين الصادقين الجادّين في الباراسيكولوجي، هي ببساطة أنهم يفترضون أن أي خروج عن العشوائية ناتج من الظواهر الباراسيكولوجية، في حين أن الانحرافات الإحصائية عن التوزيع العشوائي في الواقع لا تعطي أي معلومات -على الإطلاق- حول سببها، ولها العديد من التفسيرات الأخرى الأكثر ترجيحًا، وحتى يتمكن العلماء المحايدون من تكرار هذه التجارب، فلا يوجد شيء يمكن الحديث عنه حقًا.

فيما يتعلق بالتأثيرات الكمومية واللاخطية واللامحلية في الفيزياء، فإن هذه الأشياء غير صالحة لتفسير حدوث الظواهر الخارقة المُفترضَة، وإن هذه الحجة لا تعدو أن تقول إن ميكانيكا الكم غامضة وغير مُفسَّرة بالكامل، وإن الوعي غامض وغير مُفسَّر بالكامل، لذلك يجب أن يكونا مرتبطين.

التفسيرات الأبسط القائمة على الأدلة لتفسير هذه الظواهر فوق الطبيعية هي: التقلبات الإحصائية العشوائية أو العيوب المنهجية، وعدم موثوقية الإدراك الذاتي، والتحيز، وصراحةً، التفكير القائم على التمني.

فيما يتعلق بافتراض أن النظرة العلمية الطبيعية البحتة -المادية- إلى العقل والعالم هي نظرة عدمية، فقد وصلتَ إلى لُبّ الموضوع، محددًا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل كثيرًا من الناس يتمنى أنه “يجب أن يكون هناك شيء أكبر”، وهذا هو السبب في أنني كرّست إجابة بطول الكتاب على هذا السؤال في كتابي “البحث عن الغاية في عالم بلا إله”، فإن افتراضك بأن المادية العلمية عدمية هو أمر مفهوم تمامًا يا ستيف، فهو قادم من شخص ذكي متعلم للغاية كما هو واضح، لكنه من وجهة نظري مخطئ، وإذا كنت تفضِّل إجابة مختصرة بدلًا من قراءة كتابي، فإني أحيلك إلى هذا الفيديو الذي تبلغ مدته 45 دقيقة.[10]

شكرًا لك مرة أخرى يا ستيف على مساهمتك المُحفِّزة للتفكير في هذا النقاش المهم هنا، وفي سلسلة مقالاتك، وإن تنوُّع الآراء، وعمق حُجَجِكَ، هو ما يجعل Psychology Today منتدًى حيويًّا.

– ستيف: يا رالف، كانت هناك عيوب في أبحاث الباراسيكولوجي تمامًا كما توجَد عيوب في أبحاث أي مجال آخر، لكنني لا أعتقد أنه يمكن رفض النتائج، أو شرحها كاملةً بإحالتها إلى العوامل التي تعرضها، فأبحاث (psi) المعاصرة تُجرَى بطريقة صارمة للغاية، كما توضح مقالة كاردينا، فإن الأدلة على الأقل “قابلة للمقارنة بأدلة الظواهر الراسخة في علم النفس والتخصصات الأخرى”، ويرفض العديد من الماديين -ببساطة- التعامل مع مثل هذه الأدلة؛ لأنها تتعارض مع نظرتهم إلى العالم، كما صَرَّحَتْ الإحصائية جيسيكا أوتس، “باستخدام المعايير المُطبَّقة على أي مجال آخر من مجالات العلوم، أستنتِجُ أن الظواهر الباراسيكولوجية قد جرى البرهنة عليها جيدًا”، كما تكرّرت تجارب داريل بيم بنجاح عدة مرات.[11]

بالنسبة لفيزياء الكم، لم أقل أبدًا إن البارسيكولوجي يمكن تفسيره من خلال ميكانيكا الكم، لكن أقول إن نتائج علم ميكانيكا الكم تُوافِق العديد من نتائج هذه الظواهر (ونتيجةً لذلك تقبّلَ العديد من علماء فيزياء الكم إمكانية وجود الظواهر الباراسيكولوجية).

إن المشكّكين الدوغمائيّين، مثل: سوزان بلاكمور، وريتشارد وايزمان، يميلون دائمًا إلى إيجاد أي وسيلة ممكنة لدحض أدلة دراسات (psi)، فعلى سبيل المثال، على الرغم من تكرار التجارب -مثل تجربة بيم- بنجاح عدة مرات، فإن المشكّكين قد يستمرون في تسليط الضوء على تكرار غير ناجح، ويدَّعون أن حالة واحدة فاشلة تُبطِل سلسلة كاملة من التكرارات الناجحة، ولكن لا يوجد مجال علمي آخر لديه سياسة “إخفاق واحد يخرجك من اللعبة”، ففي الواقع -كما ستعرف- هناك “أزمة تكرار” في جميع أنحاء العلم عمومًا[12]، وبالمقارنة، يبدو تكرار تجارب (psi) جيدًا جدًا.

– رالف: قرأت ورقة كاردينا، شكرا لك على لفت انتباهي إليها، وأود أن أحيلك بدوري إلى رد ريبير وألكوك عليها الذي نُشر الشهر الماضي (أبريل 2020) في مجلة عالم النفس الأمريكي: “البحث عن المستحيل: الظواهر الباراسيكولوجية صعبة المنال”[13]، ونعم، لقد قرأت أيضًا ورقة كاردينا “البيانات غير ذات صلة” التي ردَّتْ فيها على ريبير وألكوك، التي كانت بمثابة دحض لحُجَجِهم.[14]

قضى علماء النفس وغيرهم من النقاد فترات طويلة على مر السنين في فحص وتحليل وإيجاد خطأ في البحث في علم الباراسيكولوجي، إنه مسعى طويل للغاية، والأهم من ذلك، أن هؤلاء المراجعين لا يملكون -في كثير من الأحيان- إمكانية الوصول إلى المعلومات الأساسية المتعلقة بأوجه القصور المنهجية، التي تستغرق أحيانًا سنواتً حتى تظهر، وبعد كل هذا الجهد، رفَض علماء الباراسيكولوجي دومًا أي نقد جرى تقديمه، ولا يستجيبون إلى تصحيح الأخطاء المنهجية أو مشكلات التحليلات.

ومع ذلك، فإن الشيء الأكثر أهمية هو أن جميع التحليلات الإحصائية في العالم ليس لديها ما تقوله على الإطلاق حول أسباب أي انحرافات إحصائية عن التوزيع العشوائي، علماء الباراسيكولوجي لا يريدون سماع هذا، وتستند قضيتهم بأكملها هذه الأيام على التفسير التلقائي للانحرافات الإحصائية عن التوزيع العشوائي -في سياق تجارب الباراسيكولوجي- بوصفها دليلًا على الخوارق.

الانحرافات الإحصائية ليست دليلًا على أي شيء، فهي ببساطة عمليات غير عشوائية، وإن القول بأن اللاعشوائية ناتجة عن شيء خارق لا أساس له على الإطلاق، استنادًا إلى العديد من المراجعات التفصيلية الشاقة للدراسات الباراسيكولوجية السابقة، إذا كنت ممن يُقامرون، فسأراهِن بمبلغ كبير من المال على أن قصور المنهج البحثي هو السبب، فلا يمكن أن تدعم الانحرافات الإحصائية بمفردها التفسير المفضل لعلماء الباراسيكولوجي -وهو تفسير توصلوا إليه بالفعل مسبقًا، ولديهم دافع كبير لتأكيده، (فيما يتعلق بموضوع الرهان بمبالغ كبيرة من المال، تجدر الإشارة إلى أنه لسنوات عديدة، لم يَفُز أحد بتحدي مؤسسة جيمس راندي التعليمية بقيمة مليون دولار لإثبات الادعاءات الخارقة في ظل ظروف تجريبية خاضعة للرصد والمراقبة موضوعيًّا).

وإليك الأمر: إن ادعاءات الباراسيكولوجي غير متوافقة -أساسًا- مع المعرفة العلمية بأكملها، وحتى تكون صحيحة فهي لا تتطلب مجرد نقلة نوعية كبيرة في العلم من النوع الذي حدث دوريًّا في التاريخ الحديث، لا، فالمشكلة هي أكثر خطورة من ذلك، إنها -في الواقع- تُبطِل العلم نفسه.

– ستيف: الشيء المثير للاهتمام في الرد على ورقة كاردانيا من قِبل ريبير وألكوك هو أنهم يقولون صراحة إنهم لن ينظروا إلى الدليل الإحصائي، لأن الظواهر المعنية لا يمكن أن توجد، هذا مجرد تفكير دوغمائي، وهو أقرب إلى الأصولية الدينية منه إلى العلم، ويُذكِّرنا تذكيرًا يُلفِت أنظارنا بمعاصري غاليليو الذين رفضوا النظر من خلال تِلِسكُوبهِ، ويتفق كل عالم على أن العلم يجب أن يقوم على الأدلة بدلًا من الافتراضات، وعلينا أن نكون مستعدين لتغيير افتراضاتنا، إذا كان هذا ما توحي به الأدلة.

لا تتعارض الظواهر الباراسيكولوجية مع العلم، لأنها لا تُناقِض العلم، كما قلت سابقًا، فإن الإدراك المسبق متوافق تمامًا مع العديد من النتائج والنظريات الفيزيائية، وكذلك التخاطر -مع مفاهيم التراكب الكمومي والتشابك الكمومي على سبيل المثال- لاحِظ مرة أخرى أنني لا أقول إن فيزياء الكم يمكن أن تشرح الظواهر الباراسيكولوجية، فلست متأكدًا من أنه -مثل العديد من الظواهر الأخرى مثل الطاقة المظلمة أو الوعي- يمكن تفسير ظواهر (psi) في الوقت الحاضر، ويجب أن نتذكّر أيضًا أن العلم يقوم على التغيير وليس نهائيا، فلا توجد كلمة أخيرة حول كيفية عمل الكون.

لقد ذكرت جائزة راندي، والتي هي في الواقع خدعة، فالأمر برمته احتيالي للغاية ومتحيز ضد المشاركين، لدرجة أن لا يوافق أي شخص عاقل على المشاركة، كل شيء معد لتحقيق الفشل. (هناك كتاب ممتاز عن هذا من تأليف روبرت ماكلوهان يسمى جائزة راندي).[15]

أنا لست متخصصًا في الباراسيكولوجي، ولكني متخصص في علم النفس، وأجد أن دوغمائية العديد من العلماء تجاه (psi) مثيرة للاهتمام -وهي في الحقيقة نفس ظاهرة اليقين العقائدي التي تؤثر على الأصوليين الدينيين، مما يمنح شعورًا بالانتماء والهوية والسيطرة.

أطيب التمنيات، وممتنّ لهذا الهدوء والطرح العقلاني في مناقشتنا!


  • ستيف تايلور (عالم النفس من جامعة ليدز بيكيت البريطانية وعضو في الجمعية البريطانية لعلم النفس)، ورالف لويس (بروفيسور الطب النفسي في جامعة تورنتو بكندا)

[1]https://www.psychologytoday.com/sg/blog/finding-purpose/202005/life-is-short-and-the-world-will-end-can-it-have-meaning

[2]https://www.amazon.com/Edward-F-Kelly-dp-0742547922/dp/0742547922

https://www.stevenmtaylor.com/books/spiritual-science/

[3] -للتوضيح: يتكلم ستيف عن حالات الوعي التي تختلف عن وعي اليقظة الذي نعيش به الحياة اليومية، علي سبيل المثال: رؤى الموت (Deathbed Visions)، فبعض الأشخاص على فراش الموت يزعمون أنهم يشاهدون ويتكلمون مع أشخاص كانوا يعرفونهم في الحياة ماتوا قبلهم، أو تواصل ما بعد الموت (After-Death Communications): شخص مات يتواصل بطريقة ما مع شخص آخر، ويخبره بمعلومة يمكن التحقق منها، على سبيل المثال: في كتاب عالم النفس (Raymond Moody) المسمى (The Light Beyond) يذكر حالة رجل كان مصابًا بمرض قلبي في نفس الوقت الذي كانت أخته مصابة بغيبوبة مرض السكري، والاثنين كانا يقيمان في نفس المستشفى، هذا الرجل وهو يجري عملية جراحية في قلبه زعم أنه خرج من جسده وتكلم مع أخته، وأخبرته أنها ماتت، وبعد الجراحة أخبر الأطباءَ أن أخته قد ماتت، لكن الأطباء ما كانوا يعرفون ذلك، وكانوا يظنون أخته في غيبوبة فقط، وطمأنوه أن أخته لم تمت، لكن أصرّ على أنها ماتت، فأرسلوا ممرضة لتتأكد، وبالفعل وجدت الممرضة أن أخته قد ماتت، وهذه تجارب مر بها عدد كبير من البشر وتتكرر باستمرار (https://med.virginia.edu/perceptual-studies/book-publication/seeing-deceased-persons-not-known-to-have-died-peak-in-darienexperiences/) وهو يرى أن مثل هذه الحالات دليل على وجود عالم وراء المادة. [المترجم].

[4]https://www.psychologytoday.com/sg/blog/finding-purpose/201907/is-there-life-after-death-the-mind-body-problem

[5] -مذهب فلسفيّ يقول إن الوعي أو العقل أو الروح هي خاصية أساسية عامة في كل الأشياء، وإنها كانت الخاصية الأولية الابتدائية التي اشتُقَّت منها باقي الخصائص؛ فهو مذهب يعترف بالوجود المادي، لكن يضيف إلى الأشياء المادية بُعدًا روحانيا غير مادي. الإشراف.

[6] -النظرة القائلة بأن الوجود له تَمثُّلان: الأول في العقل وهو ما يدركه الإنسان بحواسه، والثاني الوجود من حيث هو، وتعود جذور هذا المذهب إلى كانط لتفريقه بين النومين والفينومين. الإشراف.

[7]https://psycnet.apa.org/record/2018-24699-001

[8]https://www.psychologytoday.com/sg/blog/out-the-darkness/201404/do-psychic-phenomena-exist-0

[9]https://www.susanblackmore.uk/daryl-bem-psi-ganzfeld

[10]https://youtu.be/0Qwl_sard2g

[11]https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4706048.1

[12]https://www.nature.com/articles/d41586-019-00067-3 (المترجم)

[13]https://psycnet.apa.org/record/2019-31453-001

[14]https://lup.lub.lu.se/search/publication/a46f8464-55f9-4fd7-950b-56b8dcf9dea1

[15]https://www.amazon.com/Randis-Prize-Sceptics-Paranormal-Matters-ebook/dp/B07NYMPLH4

أعجبني المقال

المصدر
1- psychologytoday2- psychologytoday

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى