عام

لا تدفنوا أمواتكم في مقابر تجاهلكم!

الحياة مكتظة بالرموز ومزركشة بها، وأرهف الناس هم الأكثر التقاطاً لها وتفاعلاً معها. التعامل الشفيف مع الرموز يخصّب الحياة ويجعلها تلد المعنى، والمعنى هو أكسجين السعادة. من الواضح أن هنالك رموزاً لها طابع كلي مطلق، حيث يشترك الناس في كيفية التفاعل معها، إن إيجاباً أو سلباً، إقداماً أو إحجاماً، وبعضها جزئي نسبي، يتفاوت الناس حيالها كثيراً، فيولدون معاني متنوعة، وربما متضاربة بخصوصها.

لعل من الرموز الكلية متعلقات الميت المادية، حيث يجري احترامها والتعامل معها بطريقة تليق بمن رُزي بمصيبة الموت، سواء قررنا الاحتفاظ أو التصدق بها، أو حتى التخلص منها، لكونها شديدة الخصوصية كالملابس الداخلية، حيث لا نتخلص منها في العادة بذات الطريقة التي نتخلص من تلك التي تعود إلينا وقررنا في لحظة ما إحالتها على التقاعد. أذكر أكثر من مرة كيف تشاورنا حول الكيفية اللائقة في التعاطي مع متعلقات أحبتنا، ومن هو المؤهل للقيام بهذه المهمة. الأمور أكثر صعوبة مما قد يتصوره من لم يجرب الدخول في لحظات رمادية كهذه. ومن المعتاد أن تتنوع الآراء بين دفنها أو حرقها أو رميها. وقد يحتدم النقاش حول دلالة أي من ذلك، إذ نختلف غالباً في تفسير هذا العمل أو ذاك.

ليست الصعوبة كامنة في حسم هذه المسألة دفناً أو حرقاً أو رمياً أو جمعاً بين هذه وتلك، بل تتجسد الصعوبة الأكبر في لحظة التكليف بمن يقوم بهذه المهمة العسيرة، وقد يكون الأمر ليس تكليفاً، وإنما ابتدار من شخص يرى نفسه الأقرب إلى الميت والأجدر بالقيام بهذه المهمة الطقوسية الحساسة. البعض يعترف بأنه الأقرب، بيد أنه يعترف في الوقت ذاته أنه أجبن من أن يقوم بهذه المهمة التي يرى فيها قدراً من العنف الرمزي، فيلوذ بالاعتذار، ويتوارى بدمعة تخفيه عن هذا المشهد الرهيب. وفي الغالب، لا يسأل لاحقاً عن التفاصيل ويتجنب الخوض فيها.

ماذا عن المتعلقات الرمزية غير المادية؟ هذه في الغالب تنتمي إلى الجزئي النسبي، حيث تشهد تنوعاً في الممارسة. لنأخذ مثالاً على هذه المسألة. ماذا عن الرقم الهاتفي للميت في أجهزتنا (جوالاتنا)؟ بالنسبة لي، حينما يتوفى حبيب أو قريب أو صديق أو زميل فإنني لا أزيل اسمه من جوالي. أبقيه مكرماً هناك، وذلك لسببين رئيسين:

  • لكون إزالة الاسم في نظري عملاً يتضمن عنفاً رمزياً غير مبرر، فالإزالة في منظوري تعني تعدياً على العلاقة مع الفقيد، وخشونة مشاعرية فظة. ألا يكفيه أنه غُيّب في مقبرة الأرض، فنواريه في مدافن تجاهلنا؟!
  • وجود الاسم يُشعرني بقربه مني وقربي منه. إنه يغفو قرير العين في ذاكرتي بل في روحي. لي عادة بين الوقت والآخر، حيث أقلب الأسماء في جوالي بغية إرواء الذاكرة بالأحبة، وقد يتجاوز ذلك إلى السلام عبر المهاتفة أو الرسالة أو الدعاء لهم والثناء الداخلي عليهم، أو التصدق عنهم.

من أكثر الأسماء التي أعود إليها في جوالي رقم والدي رحمه الله الذي توفي قبل نحو عشر سنوات. تبدو بطاقته الهاتفية هكذا:

الاسم: بابا.

الأرقام: ثلاثة أرقام. اثنان منها يعملان في الواتس أب في حساب تجاري.

الشكل: صورة جميلة لوالدي، وهو يلتفت علينا مبتسماً.

الملاحظات: مسار القبر 118 – غرب المدرستين. مقبرة الموطا (بريدة).

قبل أيام، كدتُ أن اتصل برقم والدي، لإخبار صاحبه أن هذا الرقم كان لوالدي، وأنني بتُ مشتاقاً إليه. صرفتُ النظر عن فكرة سأبدو فيها غريباً أو سخيفاً أو حتى معتوهاً، وقلت في نفسي وأقول دوماً: رحمك الله يا والدي.

من الأشياء التي حزتها من رائحة والدي: مسبحة سوداء متواضعة صغيرة، أشمها بين الفينة والأخرى، فأقبلها وأدعو له، ثم أجعلها تغفو في مكان بارز لائق في مكتبتي (المشكاة)، والأهم من ذلك أنني أجعلها فقرة رئيسة في برنامج تعريفي بالمكتبة.  كان رحمه الله يحبها ويلجأ إليها في حالات الفرح أو الحزن المفرطين. الوسط حالة معلقة لا يكاد يصلحها شيء غير وثبة تنقذنا وتدفعنا إلى الأعلى. وقد حزت بشتا شتويًا من النوع القديم الفاخر. احتفظ بها في مكان قصي آمن في خزانة الملابس، وأخرجها مرة أو مرتين في العام، في أشد الأيام برودة حينما أقرر المبيت في البر. في كل مرة، أذكَر من حولي بأنها لوالدي. أكون أكثر دفئا بها حينما أسمعهم يترحمون عليه ويذكرون بعض مناقبه.

أخي اختار أن ينقش صورة كاملة خالدة للوالد، حيث احتفظ بآخر أثوابه مع العقال والشماغ والجاكيت، وقريب من ذلك صنعت أختي. لم تخطر على بالي فكرة خلاقة كهذه. في الحقيقة، ليست مجرد أفكار وإنما هي رمزيات عاطفية نفسية مركبة، وتدخل الاهتمامات أيضاً في المشهد. أحد إخوتي مثلًا، احتفظ بعدته لكونه الأكثر اهتماماً واشتغالًا بها، وكم نكون جذلى حينما يضطرنا أنبوب مكسور أو سلك كهربائي معطوب لاستخدام شيء من عدته. حينها، نشعر بأننا نتطهر أقوى بتدفقه، وتضيء حياتنا أكثر بإشراقته! ترى: أي خسارة تلحق بنا ، لو أننا دفنا أشياءه الرمزية في مقابر تجاهلنا ؟!

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رحمهم الله، اذ لم يتسنى لي ان أحتفظ بشيء يربطني بمن فقدتهم الا ماأتذكره عنهم، حيث يجتهد الأقربون بإخفاء مقتنياتهم ظناً منهم ان بقائها مؤلم لنا…
    اما عن منزل طفولتي فأني أبيت ان اغادره الا بـأواني المهلبيه حيث تحمل معها جزء من رائحه ذلك الدفء، وسكني الأول ودعت جدرانه وكأني أودع عزيز علي دون ان يلاحظني أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى