عام

هل تُفضي التسلسلات الهرمية الرئاسية إلى مجتمعٍ أقوى؟

  • رنا ميتر
  • ترجمة: ليان الفارس
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: أمل عربي عبد الوهاب

منذ قرن مضى، كان زو تاوفن من أكثر الصحفيين الذين يُقرأ لهم على نطاق واسع في الصين. كتب في عام 1927: “الذكاء الطبيعي أو القوة ليسا متساويين لدى الجميع. لكن إذا طوّر كل شخص عقله نحو الخدمة والأخلاق. بالتالي يمكن اعتباره متساوياً. هذه مساواة حقيقية”.

حملت ملاحظة زو التناقض في أوائل القرن العشرين في الصين بين الرغبة في أن تصبح “حديثة” من خلال إنشاء أفكار لحقوق فردية متساوية شكّلها التأثير الغربي، والشوق إلى النظر للأفكار التقليدية للسلوك الأخلاقي المستمدة من مفكرين مثل كونفوشيوس الذين يثمنون السلوكيات الأخلاقية الجيدة على المساواة.

الآن في أوائل القرن الحادي والعشرين، في الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي الأكثر نفوذاً في العالم، يعود هذا الجدل من جديد. يثير كتاب ‘Just Hierarchy “التسلسل الهرمي فقط” لدانيال بيل، ووبي وانغ، وكتاب‘Against Political Equality’ “ضد المساواة السياسية” لتونغ دونغ باي قضيةً تُسمع بشكل متزايد في الصين اليوم: بدلاً من دعم هوس المشاركة الديمقراطية المتساوية، قد يتحسن أداء الدول عند التأكيد على أن بعض التسلسلات الهرمية يمكنها أن تساعد على قوة واستقرار المجتمع. إنها وجهة نظر من شأنها أن تجعل ماو تسي تونغ، الذي دعا إلى ثورة دائمة لتحطيم التسلسل الهرمي، يخلد في ضريحه.

ولكن هل يعمل هذا النظام بشكل أفضل في ظل حكم شي جين بينغ؟ يعتمد كلا الكتابين بشكل كبير على الفلسفة التقليدية الصينية، بالإضافة إلى الاستشهاد بأمثلة من الصين المعاصرة. ومع ذلك، فإنهم يجادلون أيضًا بأن المبدأ الذي يشتركون فيه – أن المساواة ليست بالضرورة هي الهدف الصحيح، وأن التسلسلات الهرمية يمكن أن تلبي غرضًا حقيقيًا في مجالات العلاقات الاجتماعية وحتى الدبلوماسية- يمكن أن يكون له تأثيرًا على المجتمعات الليبرالية أيضًا.

بيل ووانغ علمان سياسيّان، وكانا سابقًا أحد أشهر المدافعين الغربيين عن فكرة أن “الجدارة” – كما يراها الحزب الشيوعي الصيني في شكلها المثالي- يمكن أن تتفوق على الديمقراطية الانتخابية. بعضٌ من الموضوعات الأكثر إثارة للإعجاب في كتابهم -والذي كتب في صورة محادثة حية مدعمة بالكثير من الأمثلة المثيرة- تجبر القارئ على فهم القيمة الثقافية للتسلسل الهرمي في المجتمعات الآسيوية.

في المطالبة بالحاجة إلى تعريف واضح للتسلسل الهرمي بين البشر والآلات، يقترحان هذا التساؤل: هل تؤدي التسلسلات الهرمية إلى مجتمع أقوى؟ يجب استخدام الفكر الكونفوشيوسي لإعادة تشكيل الأساس الأخلاقي للذكاء الاصطناعي (AI). كتبا عن تطوير السيارات بدون سائق، وأشارا إلى أن العديد من افتراضات وادي السليكون[1] حول الذكاء الاصطناعي قادرة على “قراءة” تفضيلات مالك السيارة ببساطة تضاهي بساطة استقراء الافتراض الأمريكي الحالي القائل بأن القاعدة المتبعة هي ملكية السيارات الفردية. قد يكون السائقون الصينيون أو اليابانيون أكثر قبولًا للملكية الجماعية، وقد تُبرمج السيارات بطرق “كونفوشيوسية” للتأكيد على السرعات المنخفضة لتيسير حركة المرور باستمرار، مما يخلق تسلسلًا هرميًا محددًا من قبل الدولة؛ حيث تتفوق السلامة على رغبات الفرد في الاقتراب من حافة الحد الأقصى للسرعة.

سواء كنت تتفق أم لا (وأي شخص قد رأى سائقين في ساعة الذروة في شنغهاي قد يشك في مدى التزامهم بالمذهب الكونفوشيوسي)، حدد بيل ووانغ قضية رئيسية ألا وهي: يجب أن يكون الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي متأثراً ثقافيًا بمجتمعاتٍ أخرى – كما هو الحال مع أنواع الأخلاق الأخرى – من خلال المعايير التي ربما تكون مختلفة جدًا عن تلك التي في الولايات المتحدة. هذا نقاش مهم لا يزال في مراحله الأولى.

حججهم حول النظام السياسي في الصين هي الأكثر إثارةً للجدل. فهم لا يدافعون عن النظام برمته، مجادلين بضراوة بأن “الديمقراطية ضرورية لإنقاذ الجدارة[2] السياسية في الصين”، مشيرين إلى أن “القمع يمكن أن يجدي على المدى القصير ولكن يجب أن يكون هناك المزيد من المشورات والمشاركات على المدى الطويل”. ليس في ذلك ما يختلف عليه أي ليبرالي.

بيد أنهم يضيفون تنبيهاً هاماً لتعريفهم للديمقراطية ألا وهو: “الانتخابات التنافسية لها شأنها الأكبر في أن تدمر مزايا نظام الجدارة”. لذلك، يجب أن يصبح النظام الديمقراطي غير معتمد على انتخابات كبار قادة الحزب.

هذه الفكرة لها بالفعل سوابق في التاريخ الصيني. كان ماو تسي تونغ [3]حريصًا جدًا على تشجيع المشاركة الشعبية من خلال استراتيجية ” خط الجماهير “[4]. سيسأل كوادرُ الحزب المواطنين عن رأيهم في قضايا السياسة و من ثم ينقلون وجهات نظرهم إلى القيادة العليا، والذين بدورهم سيناقشونها ثم يرسلون “الخط” النهائي الذي لا رجعة فيه. لم يتمكن الصينيون العاديون من اختيار قادتهم، ولكن (من الناحية النظرية) تمكنوا من تغذية وجهات نظرهم في الحزب من خلال التشاور المنتظم وبالتالي التأثير على السياسة.

ولكي ينجح ذلك، هناك حاجة إلى أنظمةٍ أخرى من الضوابط والتوازنات. يرفض بيل ووانغ أيضًا عملية الاختيار المتسمة بالشفافية المطلقة لمسؤولي الحزب الشيوعي الصيني، ويقارنانها مع عملية الاختيار في الأوساط الأكاديمية، مشيرين إلى أن الجامعات تعيّن الأساتذة دون الإفصاح عن هوية جميع المرشحين، و ذلك لتجنب إحراج من لم يتم اختيارهم. وخلصوا إلى أنه “يتعين علينا أن نتقبل ببساطة أن انعدام الشفافية هي نتيجة حتمية لأي منظمة تسعى إلى اختيار أفضل المرشحين”.

لكن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها الاختيار الأكاديمي في العالم الليبرالي. معظم المرشحين معروفون لدى المجتمع الذي يأملون التعيين فيه؛ حيث أنه من الشائع الآن أن يستمع الطلاب وغيرهم من الزملاء للمرشحين المحتملين ويبدون آراءهم حولهم. ومن الأسباب الوجيهة لذلك أن النظام القديم كان لديه طريقة لاكتشاف أن أفضل “المرشحين” كانوا من الذكور – في جميع الحالات تقريبًا-.

لا يمكننا أن نفترض بأن وجهة نظر المساواة القائمة على الحقوق الفردية هي بالضرورة وجهة النظر المناسبة لجميع المجتمعات.

ويشير بيل ووانغ إلى أن هناك أنظمة جدارة وتسلسلات هرمية أخرى تفتقر إلى الشفافية، مثل جولدمان ساكس أو الكنيسة الكاثوليكية. مرة أخرى، هذه منظمات لم يلحظ عليها التنوع بين الجنسين. يؤكد بيل ووانغ أن هناك “فجوة” بين خطاب المساواة بين الجنسين وواقعها. لكن قلة النساء في المناصب العليا في الحزب الشيوعي الصيني تظهر شيئًا أكثر تعقيدًا من الفجوة؛ إنه يثير التساؤل حول فكرة “الجدارة” و “الأفضلية” بأكملها كمصطلح مبني اجتماعيًا، حيث إن الفائزين هم من الهان[5] من الصينيين ومن الذكور بشكل ساحق. بطبيعة الحال، المجتمعات الليبرالية لديها أيضًا تحيز ضد المرأة. ولكن إذا كانت دعوى بيل ووانغ في أن الجدارة لا تحتاج إلى اختيار ديمقراطي لكبار القادة ولا إلى شفافية في اختيار البيروقراطيين، إذًا فلا بد من معايير أعلى تُظهر بأن النتائج هي حقًا “أفضل” خيار محتمل. في منظمة مثل الحزب الشيوعي الصيني والتي تدّعي بأنها تمثيلية ولكنها لا تتسامح مع الانفتاح، لا يكفي ” تقبل” افتقارها إلى التنوع ببساطة.

هناك خطر في بعض الأحيان يتمثل في أن الكتاب يصنع سيناريوهات غير متوقعة مصمَّمة لإظهار النظام الصيني في أبهى صورة. يتخيل الفصل الأخير عالمًا اخترعت فيه “جوجل” Google شكلاً خبيثًا من الذكاء الاصطناعي يهدد بالسيطرة على العالم. في عالم كهذا، ستكون الصين قد فعلت الكثير لإنشاء تسلسل هرمي من التحكم البشري في الذكاء الاصطناعي أكثر من الولايات المتحدة المتوانية، “من أجل الإنسانية، نحتاج أن نصلي من أجل انتصار الحزب الشيوعي الصيني”. ولكن في الممارسة العملية، هناك الكثير من الجهات الفاعلة الأخرى التي يمكنها التدخل للحد من التجاوزات الأمريكية، وأبرزها الاتحاد الأوروبي، الذي أثبت أنه أحد أنجح القوى العالمية في كبح جماح شركات التكنولوجيا الأمريكية.

والأهم من ذلك، أن استخدام سيناريو متطرف يُغفل المعضلات الأخلاقية الحقيقية التي تأتي من التسلسل الهرمي من أعلى إلى أسفل الذي أنشأته قوة الحزب غير المقيدة في الصين – والتي تُمَكّن بواسطة الذكاء الاصطناعي. حتى داخل الصين نفسها، هناك انزعاج عام متزايد بشأن الطريقة التي يسمح بها نظام “الائتمان الاجتماعي” للسيبرانية بتجميع كميات هائلة من البيانات عن مواطنيها من غير عمليات تحقيق مستقلة. قد يعد ذلك مصدر قلق فوري أكثر من حرب مستقبلية محتملة للعوالم السيبرانية.

ومع ذلك، حدد بيل ووانغ نقطة مهمة تتمثل في أننا لا يمكننا أن نفترض بأن وجهة نظر المساواة القائمة على المفهوم الليبرالي للحقوق الفردية هي بالضرورة وجهة نظر مناسبة لجميع المجتمعات في جميع الأوقات.

ما الفكرة التي يجب أن تأخذ مكانها؟ كتاب الفيلسوف الصيني المميز تونغ دونغ باي هو الإجابة على هذا السؤال. يبدو عنوانه Against’ Political Equality’ “ضد المساواة السياسية” وكأنه تكرار لقضية بيل ووانغ للتسلسل الهرمي – لكن في الواقع الكتاب يظهر أنه لا يسعى إلى تدمير الليبرالية بل إلى إعادة تعريفها. يناقش قائلاً: “على الرغم من انتقادها (الليبرالية) للعديد من جوانب الديمقراطية الليبرالية، فهي الديمقراطية.. الأجزاء التي تسبب المشاكل، بينما يجب الدفاع عن الجزء الليبرالي”.

معظم الكتاب عبارة عن قراءة معقدة للنصوص الصينية الكلاسيكية – بصورة رئيسية كونفوشيوس وتابعه منسيوس- مستنيرًا بمفكرين غربيين مهمين في قضية المساواة، مثل جون رولز[6]؛ إلا أن حجته الأساسية بسيطة. التركيز المفرط على “شخص واحد، وصوت واحد” قد يؤدي إلى ديموقراطية غير ليبرالية. في المقابل، لابد أن تكون للليبرالية الأولوية والتي تتمثل في صورة سيادة القانون وحماية الحريات والحقوق. أشار بصورة مقتضبة إلى القلق الذي يسببه النظام السياسي الصيني الحالي، والذي يكون فيه مصطلح الديمقراطية غير خاضع لرقابة الحزب الشيوعي الصيني، بينما “الدستورية” و” الاستقلال القضائي” تخضعان لذلك. استند باي على الفكرة الكونفوشيوسية للروح الإنسانية كجوهر أخلاقي يستطيع إنشاء هذا العقد الاجتماعي الذي يبدو أقل ديمقراطية ولكنه أكثر ليبرالية عمليًا.

واليوم ، تؤيد الصين فكر “شي جين بينغ”، والذي يُظهر بوضوح رغبتها في دعم الاستقرار الاجتماعي وتفضيله على ما تعده فردانية خطيرة. على الرغم من عدم وجود ما يثبت أن هذه الكتب مرخصة رسميًا، إلا أنها توفر دليلاً ثاقبًا لأسلوب التفكير الذي أصبح أقوى من أي وقت مضى في الصين التي انقلبت بشدة ضد الليبرالية. بغض النظر عما إذا كنت تتفق مع ذلك أم لا- وخاصة إذا لم تتفق – إلا أنه من المهم فهم قضية الصين ضد المساواة السياسية التشاركية. كلتا نسختي من هذه الكتب مغطاة بملاحظات لاصقة، وهي علامة أكيدة على أنها مساهمات فعالة وحيوية في نقاش رئيسي لا يزال أمامه طريق طويل ليقطعه.


[1] منطقة في شمال كاليفورنيا حيث توجد العديد من الشركات التي تصنع أو تستخدم مواد الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية. – المترجمة

[2] الجدارة , هي نظام سياسي يعمل على توكيل السلطات السياسية للأفراد على أساس جدارتهم ,وقدراتهم, و كفاءتهم و لا يعزو ذلك لأموالهم أو طبقتهم الاجتماعية. – المترجمة

[3] ثوري شيوعي صيني ومؤسس جمهورية الصين الشعبية. -المترجمة

[4] الخط الشامل هي استراتيجية سياسية تبناها ماو تسي تونغ والحزب الشيوعي الصيني خلال الثورة الصينية. تقوم على مشورة الشعب و الأخذ بآرائهم, و يعقبها فرض السياسات و الأوامر. – المترجمة

[5] جماعة عرقية في الصين. – المترجمة

[6] فيلسوف أخلاقي وسياسي في التراث الليبرالي , و صاحب كتاب ” نظرية في العدالة” . – المترجمة

أعجبني المقال

المصدر
ft

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى