العلم

إبعاد داروين عن العنصرية عملٌ أحمق

  • مايكل فلانيري
  • ترجمة: خالد الشايع
  • تحرير: محمد بن صلاح إدريس

تناولت مقالة حديثة كتبتها ليفيا غيرشون ما يسمى بـ”النظريات الغريبة لمدرسة التطور الأمريكية”؛ وقد حاولَت إبعاد داروين ضمنيًا عن العنصرية بالإيحاء بأن ناقده الصريح ذائع الصيت عالم الأحافير إدوارد درينكر كوب (1840-1897)، أنكر معاناة النساء الأمريكيات من أصول أفريقية، كما رفض مساواتهن بغيرهن، لأن فيه “خطرا على الهندو أوروبية”.

تصر غيرشون على أن هذه الآراء العنصرية المعادية للمرأة كانت سائدة في “المدرسة الأمريكية” للأنثروبولوجيا التطورية، وهي المجموعة التي تحولت من جيل سابق يؤمن بأسلاف متعددة للبشر (polygenism) بقيادة رجال مثل صموئيل جورج مورتون (1799-1851)، لويس أغاسي (1807-1873)، وجوزيه كلارك نوت (1804-1873) إلى نوع حديث من النظرية اللاماركية الجديدة. وبحسب المقال “رفض [كوب وزملاؤه]نظرية التطور لتشارلز داروين، واتبعوا بدلًا منها أعمال عالم الطبيعة الفرنسي جان بابتيست لامارك (1744-1829). وخلافًا لداروين، اعتقد لامارك أن الخصائص المكتسبة مثل العضلات القوية يمكن أن تنتقل إلى النسل”.

تتابع غيرشون: “قرر لامارك أن المشاعر -الاستجابات العاطفية للأحاسيس الجسدية- هي التي صنعت تدريجيًا التغيرات الجسدية في الجسم البشري”. هذه النظرة “العاطفية” هي التي مكّنت نوعًا من التفاضل العنصري والمتحيز جنسانيًا من التغلغل في تفكير “المدرسة الأمريكية” على النقيض المفترض لداروين، الذي يرى أن “العملية العشوائية المحايدة أخلاقيًا” للتطور الأعمى سمحت للأمور بأن تجري كيفما اتفق، بدون أحكام مسبقة كالتي أشار إليها لامارك.

في الواقع، كل مافعلته غيرشون هو تسليط الضوء على مقال لأستاذة الدراسات الجامعية والجنسانية في جامعة روتجرز كايلا شولر “تصنيفات الشعور: ابستمولوجيا النزعة العاطفية في العلوم الجنسية والعرقية أواخر القرن التاسع عشر” مكتوب بلغة أكاديمية ثقيلة وعسيرة. من الأفضل عدم التجول بعمق في غابة شولر الفكرية المخيفة، إلا لمعرفة أنها تضيف تفاصيل عديدة لملخص الأخطاء الواقعة في مقالة غيرشون الأكثر اختصارًا. لذا من أجل تبسيط الأمر، لنقل أن الجانب الأكثر “غرابة” في هذا ليس اللاماركية الجديدة، بل المعادلة الغريبة ثنائية الحدود التي تقول إن اللاماركية الجديدة = العرق والتحيز الجنسي؛ بينما الداروينية = “علم” موضوعي مجرد تماماً من حمولة التحيز. هذا خطأ جسيم، تاريخيًا وعلميًا.

 

لم يكن كلب داروين أفضل حالاً

تاريخيًا، كان داروين وأتباعه عنصريين ومتحيزين جنسانيًا مثل كوب أو أي شخص آخر من عصرهم. كما أشرت، كان داروين بالتأكيد عنصريًا حاله كحال سيء السمعة، القائل بثبات الأنواع: لويس أغاسي. ولم يكن كلب داروين: توماس هنري هكسلي (1825-1895) أفضل حالًا، حيث جادل بعد فترة وجيزة من الحرب الأهلية الأمريكية وزعم أن السود ملعونون الآن بعد أن تحرروا من أثر الحماية المزعوم لملاكهم. صرح هكسلي بجرأة أنه “لا يوجد رجل عقلاني، مدرك لـلحقائق، يعتقد أن الزنجي negro العادي هو مساوٍ -فضلًا عن أن يكون متفوقًا- على الرجل الأبيض العادي”. في الواقع، قام رجل واحد بذلك، وهو عدو الداروينيين اللدود ريتشارد أوين (1804-1892). وقد قُدِّمَت معالجة رائعة لهذه النقطة الهامة في كتاب كريستوفر إي كوزان: “قرد أوين وكلب داروين”.

أما بالنسبة للنساء، فلم يكن داروين مناصرًا للمساواة بين الجنسين. كما ذكر في كتابه: “أصل الإنسان The Descent of Man”، أن “الرجل أكثر شجاعة وشراسة وحيوية من المرأة، ولديه عبقرية أكثر إبداعًا”؛ وشكك داروين في أن المرأة يمكنها التغلب على قيودها البيولوجية بوجود نظرائها من الذكور مع ما لديهم من دماغ “أكبر بلا ريب”. ومع ذلك، طبقاً لداروين يمكن للطبقة الاجتماعية خلق حالة من التحسن العام للمرأة. ولكن حسب داروين كان انتخاب الذكور بوساطة الطبقة الاجتماعية هو الذي أحدث الفرق. مرة أخرى كتب في كتابه “أصل الإنسان”:

يبدو لي من العدل أن أعضاء أرستقراطيتنا -ويندرج تحت هذا المصطلح كل العائلات الثرية التي سادت فيها البكورة لفترة طويلة- قد زادت وسامتهم وفقاً للمعايير الأوروبية لاختيارهم النساء الأجمل من جميع الطبقات خلال أجيال عديدة، مقارنة بالطبقات الوسطى؛ أما الطبقات الوسطى فقد وضعت بالمثل تحت ظروف حياة مواتية لتطور جسم مثالي.”

لا يوجد بالطبع أي ذكر لهذا من قبل خبيرة دراسات الجندر شولر.

 

صعود ألفي إلى الكمال

يبدو أن غيرشون وشولر تشيران إلى أن جزءًا من مشكلة كوب كانت تتمثل في أن “العديد من الأنجلو ساكسون يتطلع ليس فقط إلى التطور البيولوجي الاجتماعي المستمر ولكن أيضًا إلى الصعود الألفي نحو الكمال”؛ ربما، ولكن كذلك فعل داروين! حيث كتب في رسالته إلى القس تشارلز كينجسلي (1819-1879) في 6 فبراير 1862، قائلاً: “ما تقوله عن أعراق الرجال العليا: أنها متى كانت عالية كفاية يمكنها أن تحل محل السلالات السفلية= هو الحق بعينه. كيف بالسباق الأنجلوساكسوني إذا انتشر وأباد أمما كاملة في 500 عام؛ وكيف سيرتفع ترتيب الجنس البشري بالنظر إليه كوحدة واحدة نتيجة لذلك “. وقد عبر عن نفس المشاعر بعد سنوات في رسالة إلى الفيلسوف والاقتصادي السياسي الإيرلندي ويليام جراهام (1839-1911) في 3 يوليو 1881، “تذكر ما المخاطر التي مرت بها دول أوروبا، قبل قرون قريبة حين تسلط عليها الترك، وكم هي فكرة سخيفة الآن. لقد تغلب ما يسمى بالأجناس القوقازية الأكثر تحضراً على الغوغائية التركية في النضال من أجل الوجود. بالنظر إلى العالم في تاريخ غير بعيد تخيل كم من جنس ضعيف ستمحوه الحضارات الأعلى حول العالم”.

بالنسبة لداروين، كان التفوق العرقي يعني “بقاء الأنسب” survival of the fittest في حدود شروط التوسع القومي وحتى التقدم البشري. علاوة على ذلك،  أطَّر هذا التقدم بعبارات عنصرية صريحة. داروين يعتقد أن هذا مدعوم بـ”العلم” القائم على حجّة القِحْفcraniotomy، أي الفكرة التي ترى أن الأجناس يمكن تصنيفها بحسب سعة القحف في جماجمهم. لئن كان كوب عنصريا بسبب نزعته “العاطفية”، فيمكن لداروين أن يؤكد عنصريته في “الحقائق” البحتة الثابتة لعلمه العنصري.

 

داروين اللاماركي الجديد

على أيّةِ حال ليس دقيقًا تقسيم نظرية التطور العنصرية في القرن التاسع عشر على أساس اختبار عباد الشمس اللاماركي؛ والسبب أنه على الرغم من أن كوب كان لاماركيًا جديدًا، فقد كان داروين كذلك أيضا. لم تذكر غيرشون ولا شولر نظرية داروين في الوراثة شمولية التكوين  pangenesis، والتي كانت لاماركية حتى النخاع. كما أشار المؤرخ التطوري بيتر بولر في كتابه “التطور تاريخ فكرة” Evolution: The History of an idea، “التزام داروين طول عمره بقدر محدود من اللاماركية وما سمي لاحقًا المزج الوراثي (اختلاط صفات الأبوين) جزءٌ لا يتجزأ من نظرته للعالم “. يتفق عالم الأحياء روبرت شيلدريك في كتابه “تحرير العلم” Science Set Free:

في عصر داروين، افترض معظم الناس أن الخصائص المكتسبة يمكن بالفعل وراثتها. كان جان باتيست لامارك قد اعتبر هذا أمرًا مفروغًا منه في نظريته عن التطور التي نشرت قبل أكثر من خمسين عامًا من نظرية داروين، وقد تمت الإشارة غالبًا إلى وراثة الخصائص المكتسبة باسم “الوراثة اللاماركية”. شارك داروين هذا الاعتقاد واستشهد بالعديد من الأمثلة لدعمه. في هذا الصدد، كان داروين لاماركيًا، ليس بسبب تأثير لامارك، ولكن بسبب أنه ولامارك قبلا وراثة الخصائص المكتسبة كمسألة فطرية.

مثل هذا السياق التاريخي يجعل الفروق اللاماركية – العرقية أو غيرها- بلا معنى.

 

ببساطة: خاطئ علميًا

 بالطبع لا يجب التعبير عن اللاماركية على أنها تحيز عنصري وجنساني مضلل. وصف غيرشون للتطور اللاماركي بأنه “غريب” هو ببساطة خطأ علمي. على سبيل المثال، عالمة الوراثة إيفا جوبلانكا Eva Jablonka تجادل حاليًا من أجل تبني أوسع لمنهجية لاماركية، كما هو الحال مع المهندس الحيوي راجو بوكوتي Raju Pookottil، عالم بيولوجيا الخلية ماريوس ناواكيNowacki Mariusz، وعالم الفيزياء الحيوية يوآف سوين Yoav Soen. مرة أخرى، يسلط روبرت شيلدريك بعض الضوء:

بدأ الحظر ضد وراثة الخصائص المكتسبة يتلاشى باقتراب منعطف الألفية. هناك اعتراف متزايد بأن بعض الخصائص المكتسبة يمكن بالفعل أن تورث. يسمى هذا النوع من الميراث الآن “الوراثة اللاجينية” epigenetic inheritance.  في هذا السياق، فإن كلمة “epigenetic” تشير إلى”إضافة على علم الوراثة.” بعض أنواع الوراثة اللاجينية تعتمد على الارتباطات الكيميائية بالجينات، وخاصة مجموعات الميثيل. يمكن “تعطيل الجينات “عن طريق مثيلة الحمض النووي نفسه أو البروتينات المرتبطة به.

لا يوسّع نظرات شولر الضيقة إلا تكرار غيرشون لها. إنه لأمر مدهش أن يعرض هذا الجهل المدقع بالتاريخ والعلوم في منشور أكاديمي؛ ولكن هذا ما يحدث عندما يذكر مقال الأشياء “الصحيحة” السائدة، سواء روجعت المقالة بواسطة الزملاء أم لا. من الواضح أن الدقة التاريخية والعلمية تأخذ مقعدًا خلفيًا لتوفير غطاء لآراء داروين الخاصة حول العرق والجنس. تخفى التفاصيل والحقائق بسهولة عند تعقيم داروين. لكن الإشارة إلى “نظريات غريبة” والألفاظ العنصرية من جانب واحد عبارة عن تنكر رقيق لرؤية عالمية تعيش في منزل زجاجي.

ما تحاول شولر وغيرشون حماية الداروينية منه هو التطبيقات الاجتماعية والتي كانت عرضة لذلك. في الواقع، كان داروين على نفس القدر من الالتزام بالروح الجماعية العنصرية والمحتقرة للنساء مثل أيٍّ من جيله. ما كتبه أدريان ديزموند وجيمس مور منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا في داروين كان ولازال صحيحًا:

هل رأى [داروين] أن المجتمع مثل الطبيعة، يتقدم من خلال التخلص من أعضائه غير اللائقين؟ “الداروينية الاجتماعيه” غالبًا ما يُنظر إليها على أنها شيء دخيل، كتلة خرسانية تضاف إلى الجنازة الداروينية النقية، لتشوه صورة داروين. لكن دفاتر ملاحظاته توضح أن المنافسة، التجارة الحرة والإمبريالية والإبادة العرقية وعدم المساواة بين الجنسين كتبت في المعادلة منذ البداية – كانت “الداروينية” تقصد إلى تفسير المجتمع البشري.

كانت مؤرخة العلوم وعالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية هنريكا كوكليك (1942-2013) أكثر تأكيدًا، فقد ذكرت أن “العلماء أضاعوا وقتهم في محاولة تبرئة داروين من مسؤولية الداروينية الاجتماعية؛ لأنه كان داروينيًا اجتماعيًا”.

يا لعار شولر إذ أرسلت غيرشون في مثل هذه المهمة الحمقاء. كلاهما عاد خالي الوفاض وانتهى به الأمر وكأنه إما مخادع أو جاهل. سأفترض الأخير؛ يبدو أكثر الخاتمتين إحسانًا.


* ملاحظة المحرر: لمزيد من المعلومات حول إرث الداروينية الدائم من العنصرية، بإمكانك مشاهدة الفيلم الوثائقي: حدائق الحيوان البشرية، وهو فيلم حائز على جوائز.

Human Zoos: America’s Forgotten History of the Scientific Racism

أعجبني المقال

المصدر
evolutionnews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى