عام

الرِّق الرَّقمي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله، وبعد..

روى الترمذي في سننه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما النَّجاةُ؟ قال: (أمسِكْ عليْكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئتِكَ).

قوله صلى الله عليه وسلم وليسعك بيتك: فيه الترغيب بترك مخالطة الناس في غير حاجة.

كان الناس في ماضيهم يحتاجون لمخالطة الناس إلى الانتقال من بيوتهم إلى مجامع الناس ومجالسهم، وربما احتاجوا للدوابِّ أو السيارات أو غيرها للوصول إليهم، مع كثرة أشغال الناس في معاشهم، فلا تطول تلك المجالس غالبًا، ومع ذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من طول المخالطة وأثرها على القلوب.

واليوم يواجه الإنسان مأزقًا لا يُعرف له مثيلٌ عبر التاريخ، فقد أصبح الناس معه بحيث لا يفارقونه ليلًا ولا نهارًا.

يفتح عينيه إذا نهض من نومه على أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وأحاديثهم وعجائبهم وقصصهم، بالصوت والصورة، وبشكل مكثف، فيما يسمونه اليوم مواقع التواصل.

تنافست مواقع التواصل على تحصيل أكبر قدر من الناس الذي يضاعفون بكثرتهم أرباحها وعوائد إعلاناتها وارتفاع أسهمها في أسواق المال، وكلما زادت أرباح الشركات = وسَّعت من إنفاقها على تطوير تقنية الاتصال وسهولة التواصل وشدة الإثارة وتحفيز الناس على التواصل المكثف وجعلهم تحت ضغط الإشعارات والتنبيهات، وأرقام المتابعة وكثرة المشاهدات، ووهم الأهمية والجدوى.

تنظر إليهم كسلعٍ بشريةٍ تحرص على حصارها بطوق رقمي وأسلاك شائكة تبقيهم في الأسر الرقمي أطول وقت ممكن، معتمدين بذلك على آخر ما توصل إليه علم النفس والاجتماع من بيان ثغرات النفس البشرية ومواطن ضعفها وحاجاتها وميولها، مع صراع محموم مع المنافسين الذي يستبقون للحصول على أكبر قدر من الحسابات.

كان الإنسان في الماضي يواجه منصاتٍ إعلاميةٍ محدودة، فيها عشرات أو مئات الموظفين، مع عشرات البرامج، أما اليوم فالعالم كله منصة، ملياراتٌ من البشر يعملون كمراسلين ،كمذيعين، كصانعي محتوى في كل شبر من العالم، يصبُّون ركامًا هائلًا على بعضهم البعض، يستبقون لتبادل الوهم والتشتيت لبعضهم.

ليس الحديث اليوم عن المشاهد أو الأصوات المحرمة، بل عن العبء الضخم الذي ألقاه الإنسان على نفسه وعقله وقلبه.

ليس الحديث فقط عن المسلم، بل على الإنسان في كل هذا العالم.

الإنسان تورط هذا المرة، ليس بتهديد قيمه أو خياراته، بل التهديد لذاته وعقله وروحه وماهيَّته، فالإنسان في حقيقته عقلٌ وقلب، إدراكٌ وانفعال، تصورٌ وعواطف.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

“أما ما تُؤثره كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسودَّ، ويُوجب له تشتتًا وتفرقًا، وهمًا وغمًا وضعفًا، وحملًا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسيم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم

فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟

هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية؟” مدارج السالكين (2/89) ط. عطاءات العلم.

هذا حديث ابن القيم عن مخالطة اثنين أو ثلاثة، ساعةً أو بعض ساعة في كل يوم، فماذا عن مخالطة الألوف من كل البقاع والألوان والأجناس والتيارات؟ ومعهم قضّهم وقضيضهم من الصور والمشاهد والغرائب والأصوات، مع التقنية الآسرة للقلوب، ماذا عن إحصاءات تقول أن متوسط ما نقضيه في هذه المخالطة سبع ساعات يوميًا.

وبعد الساعات السبع يخرج إنسان منهك القوى قد ضجَّ عقله بركامٍ من كل شيء، بلا ترتيب ولا ارتباط ولا أولويات، سمع وقرأ وشاهد وتواصل كثيرًا كثيرًا لكن بلا تركيز ولا ارتباط ولا غاية ولا هدف إلا ذات التواصل نفسه.

هذا يصور طعامه، وذك يصور رحلته، وثالثٌ في جبل، ورابعٌ في متجر، وبعده يشاهد شلالًا في أوروبا، وبعده ناسٌ يضحكون، وناس يبكون، وقصة، وخبر في الاقتصاد، وجريمة، ثم سيول وأمطار، ثم بضائع وسلع، والعقل حائر ومرتبك، قد فقد صفائه وحيويته من هذه التخمة غير المتجانسة من المتناقضات، وقد توارت في عقله محفوظاته النافعة ومسلمَّاته المهمة ومصالح حياته وآخرته في زحام متواصل من هذا التلوث العقلي.

وأما قلبه وعواطفه، فقد تم تبديدها في الساعات السبع وما بعدها، فقد غضب وانفعل وأحب وكره وتحمس وأُثير، طوال هذه الساعات بما استنفد معه طاقة الحب والاندهاش والحماس والغضب والميل والكره.

فهو يشبه أن يكون الآن بقايا إنسان خافت المشاعر، لم يعده لديه ما يكفي ليحب شيئًا كما ينبغي. ماذا بقي لأمه أو زوجته أو أطفاله أو إخوته أو أصدقائه؟ ماذا بقي ليندهش لمناغاة طفله، أو يتألم لوجع أمه، أو يتواصل لشكوى أهله، أو يعيش أفراح أولاده؟

ليس الحديث عن الوقت، الحديث عن ما هو أخطر من الوقت.

قد يصبر أحبتنا على فراقنا أشهرًا لسفرٍ أو عملٍ أو دراسة، لكنهم متأكدون أننا لا نزال نحتفظ بالحب لهم، وأننا مشتاقون بشغف لحديثهم، لمجالسهم، للإصغاء إليهم وإلى أخبارهم، لكن أن نعود إليهم بأجساد فاترة المشاعر واهنة المحبة، فتلك مأساتهم.

إن لم يكونوا هم كذلك قد أصبحوا مثلنا.

أما القضايا الكبرى، قضايا الوجود ومغزى الحياة والعبودية لله ومحبة الصلاة والقرآن والذكر والخير فقد نالها كذلك أثر الزحام الكثيف من الركام، وكلٌ يعرف قلبه، وكيف كانت مشاعره قبل وبعد، كيف كان تأثره بآية أو حديث أو موعظة وماذا عنه الآن.

قال ابن تيمية رحمه الله:

“فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته؛ قلَّت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره.

بخلاف مَن صرف نهمته وهمته إلى المشروع؛ فإنه تعظُم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه، ويكمل إسلامه. ولذا: تجد مَن أكثر مِن سماع القصائد لطلب صلاح قلبه؛ تنقص رغبته في سماع القرآن -حتى ربما كرهه” اقتضاء الصراط المستقيم (1/543)

إنّ كل إنسان مسؤولٌ عن إنقاذ ذاته وتطهير عقله وروحه مسؤولية ذاتية فردية، وأي تبريرٍ لن يكون مجديًا، فإلقاء اللوم على واقع العصر ومخاطر التقنية والعالم الافتراضي وضغوط الحياة وزحام الناس في مواقع التواصل، كل ذلك لا يعفينا، ولا يمكن أن يقتحم موقعٌ للتواصل جوالاتنا دون إذنٍ منا، ودون حساب ورقم سري، نحن بحاجة إلى حميةٍ جادةٍ لعقولنا وقلوبنا، وقلوب أطفالنا وأهلينا.

التقنية لن تتوقف عن مزيد التطور وتيسير التواصل وإضافة العوامل الجاذبة، ومن لم يتمكن اليوم من السيطرة على ذاته وإيقاف نزيف عقله وروحه، فسيكون في المستقبل أشد ضعفًا.

أنت خلق عظيم مكرم، صاحب رسالةٍ وغايةٍ واضحةٍ ومهمة، تحتاج أن تعيش لها، قال الله عز وجل ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

التقنية في ذاتها نعمة من نعم الله، يوظفها المؤمن لرسالته في الحياة، ولا يأذن لها أن تعيق مسيرته إلى ربه تعالى.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى