عام

الأدب الرقمي حيث القارئ صانعًا للنص

  • زبيدة فيصل

“عندما يتغير موقعنا، يتغير منظورنا، وتتغير تصوراتنا، وتتغير أيضًا إدراكاتنا للأشياء”

الروائية والناقدة المغربية د. زهور كرّام

إثر انتشار استعمال أجهزة الكمبيوتر الشخصية والهواتف الذكية، والقفزة التي عرفتها صناعة الوسائط المتعددة ظهر ما يسمى بالأدب الرقمي، وهو الأدب الذي يُنشأ في البيئة الرقمية، فيُكتب ويُقرأ عبر الحاسوب أو الهاتف الذكي، ويصاحبه أصوات ومؤثرات، ولا يمكن طباعته؛ كونه يعتمد على الوسيط (الأجهزة التقنية) وتفاعل المتلقي (القارئ) معه بصناعة النص وتطويره، فتبدو كتجربة قراءة غنية وغير نمطية.

فالأدب الذي بدأ شفهيًّا، وانتقل كتابة على الورق، بدأ في السنوات الأخيرة بالتحول إلى مرحلة جديدة عبر الوسيط التقني بكل ما يحمله هذا الوسيط من سمات تقترن به كالسرعة، والمؤثرات، والقارئ المتفاعل.

د. عبدالرحمن المحسني – أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك خالد، اعتبر أن مصطلح الأدب الرقمي مصطلح عام يدخل فيه كل نص أدبي تحول فيه الحرف إلى رقم بترميز (01) فأصبح رقميًا، إذ كنا نعلم أن كل حرف أو صورة تتصل بجهاز الكمبيوتر تتحول إلى رقم وتدخل إلى بوابة الرقمية، وإذا كان الحرف متصلًا بجمالية أدبية فهو أدب رقمي بذلك.

في حين أن الأكاديمي السعودي عبد الله السفياني، يرى أنه ليس كل ما يُكتب في الحاسوب يمكن تصنيفه كأدب رقمي، فقال عن ذلك: ” .. الحديث حول فكرة الأدب الرقمي تعاني قصورًا شديدًا، بسبب التعامل معها بسطحية؛ حتى صار أي جنس أدبي يكتب على الإنترنت هو أدب رقمي!  ليس هذا هو مسار الحديث هنا، إننا نبحث عن التأثير الذي يطال الجميع دون استثناء، يطالهم في إدراكهم وفي وجودهم وفي تمثلهم للأفكار والمعاني والفن والإبداع”

 والأمر لا يتوقف عند حد التأثير، بل قد يصل إلى حد تغيير معالم الأدب فالنصوص الرقمية تسمح لعدد أكبر من الاتجاهات والمسارات، ويصبح القارئ شريكًا للمؤلف، يختار ويقرر كما المؤلف الأصلي، ويضيف، ويبدو أن مقولة الروائي الأمريكي هنري ميلر بأن “النص مهما كان عظيمًا فهو بحاجة إلى قارئ كي يستمر في الوجود” قد أصبحت أقرب إلى الحقيقة الكاملة مع هذا النوع من الأدب، الذي يتيح للقارئ الاشتباك – بالمعنى الحرفي وليس المجازي – مع النص، بل إن حضوره أو غيابه يمكن أن يقلب نتيجة معادلة العمل الإبداعي.

آدم هاموند وهو أستاذ مشارك بقسم اللغة الإنجليزية -جامعة تورنتو، ومؤلف كتاب “الأدب في العصر الرقمي” كتب عن أثر هذا النوع من الأدب: “إن النصوص الرقمية الناتجة عن التحول في العالم الرقمي كان السبب في تغيير معالم الأدب” وأضاف: “حين تفكر في مصطلح “الأدب الرقمي” فسيتوقف الشعور بانفصال الأدب عن عالم الوسائط المتعددة من أفلام، وروايات مصورة، وألعاب الفيديو، وهناك إمكانية رواية القصص من خلال التأثيرات الفنية، وتعد ألعاب الفيديو الوسيط الأكثر استخدامًا في رواية القصص، حيث سمح الارتباط الحاصل بين التكنولوجيا والأدب لاستخدام المزيد من أساليب رواية القصص”

ورغم أن مفاهيم الأدب الرقمي لا تزال ملتبسة بعض الشيء على العالم بأسره، عالميًا وعربيًا لقلة نماذجها، ومنها على سبيل المثال قصة (بعد الظهيرة) للكاتب مايكل جويس، ورواية (لويس هاردن) للكاتب ستيفن مارشيه، وعلى المستوى العربي بعض روايات محمد سناجلة وقصائد مشتاق عباس معن، إلا أن الأدب الرقمي كغيره من التجارب الإنسانية التي حاولت أن تعبر عن روح العصر، وتستفيد من جديد معطياته، فيمكن اعتباره على أي حال امتدادًا طبيعيًا لتطور أشكال الكتابة الأدبية تبعًا للتطور العلمي والتكنولوجي الحاصل في البنية المجتمعية التي تنتج النص الأدبي، فوفقًا للدكتور حسين دحو أستاذ النقد بجامعة ورقلة الجزائرية، فإن استبدال الورقة والقلم بالشاشة والمؤثرات المحيطة بالنص الأدبي وتفاعل القارئ معه “لا يؤثر في إبداعية النص الأدبي وغاياته فهو في النهاية يستمد خطيته وقراءاته من بنية جملية خاضعة لقواعد اللغة، ومفعمة بصورها البلاغية المحملة بجملة من الدلالات التي تزيد المعنى وضوحًا وتجليًّا” فإن كانت العملية الأدبية المعهودة محددة فـي ثلاثـة أطـراف: (الكاتب، النص، القارئ المتلقي) ففي الشكل الجديد لنصوص الأدب الرقمي، تحدد الأطراف على النحـو الآتـي: (الكاتب، الـنص، القارئ المطور للنص) ولذلك يطلق عليه النص التفاعلي أو الترابطي.

ويرى البعض بأن الأدب الرقمي الذي وُلد من رحم المتغيرات التقنية المتسارعة، قد فتح الباب على مصراعيه لمن هب ودب، فإضافة المؤثرات الصوتية والبصرية قد تكون سببًا لتجاوز شروط الكتابة الإبداعية الرصينة من قبل الكاتب أو القارئ الذي يضيف ويغير دون الحاجة للمرور بأي سلطة أو مرجعية، أضف إلى ذلك أنها قد تتيح للطرفين بأن يتلقيا إشادات على النص من خارج أصحاب الاختصاص.

في الوقت نفسه، برزت فئة أخرى ترى بضرورة النظر إلى الأدب الرقمي كأدب المستقبل، وتطالب بتطوير تجربته، وجعله موضوعًا في البحث العلمي لتفكيكها كظاهرة أدبية، وتحليل خطابها بحيث تنتج معرفة بمنطقها؛ لما يقدمه هذا النوع من الأدب من مزايا ومن أهمها التحول في موقع القارئ ووظيفته وفعله، إذ ينتقل من مجرد متلقي، إلى مؤلف يدخل في شراكة مع المؤلف الرقمي للنّص؛ لأن نظام النص الرقمي خاصة مع عنصر الترابطي يقترح أن يكون القارئ مشاركًا في التأليف، مما يعني أن السلطة المتمركزة بيد الكاتب فقط في الكتابة الأدبية المعهودة، ستصبح مع هذا النوع من الأدب موزعة بالتكافئ بين الكاتب والقارئ في نص كُتب بشكل تعاوني بينهما، بل إن القارئ هو حجر الزاوية للنشر وفي تقدم الأدب الرقمي.

كما أن تواجد الأدب الرقمي لا يعني بالضرورة موت الأدب بشكله النمطي المتعارف عليه، فهما يتعايشان معًا جنبًا إلى جنب دون أن تنفي خصوصية أحدهما الأخرى، بل الانخراط في هذا الأدب الجديد قد يعد مطلبًا حضاريًا، فإذا ما عدنا إلى مختلف الأشكال التعبيرية القديمة والحديثة، سنلاحظ أنها وحدها التي عبرت عن قدرتها على احتضان معنى وجود الإنسان في كل مرحلة تاريخية، فكما أن للأدب قدرة فائقة على التأقلم في أي قالب يوضع، كذلك نحن علينا أن نتكيف، فالنصوص الأدبية بحسب جون سذرلاند أستاذ الأدب الإنجليزي الحديث، مهما كانت متواضعة الشأن، فهي تطرح في مرحلة ما أسئلة: “ما معنى كل هذا؟ لماذا نحن هنا؟” فالأدب هو: “المنتج الإبداعي المدهش للعقل البشري وسيظل إلى الأبد بكل أشكاله الجديدة جزءًا من حياتنا”

وأخيرًا، تقول سوزان غرينفيلد في كتابها “تغيّر العقل – كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا؟”

“إنّ الوجود اليومي المتمركز حول الهاتف الذكي والحاسوب المحمول وأجهزة الإكس بوكس قد يغير جذريًا ليس مجرد أنماط حياتنا اليومية بل أيضًا هوياتنا وحتى أفكارنا الداخلية بطريقة لم يسبق لها مثيل” ومن بينها بلا شك “الكتابة الأدبية” كأحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطفنا وأفكارنا وخواطرنا وهواجسنا سواءً كنا كُتّابًا أو قُرّاءً.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى