الفلسفة

ديكارت والخروج من العباءة الأرسطيّة

  • محمد كزّو
صورة بعدستي داخل المنزل الذي وُلد فيه “رونيه ديكارت” غرب فرنسا، وهي عبارة عن لوحة تعريفيّة بها معلومات عامّة حول ولادته

كانت القرون الوسطى، كما يعلم الجميع، مجالًا خصبًا في طُرق التّفكير نتيجة تفرّع الأديان من جهة، وتغيّر ظروف الحياة من جهة أخرى، فتمخّضت منها ثلاثة مذاهب كُبرى؛ كان الأوّل عقليًّا نابعًا من التّراث اليونانيّ أي “الأرسطيّة بالذّات”، كونها المحرّك الأساسيّ لأغلب الثّيمات الفكريّة النّظريّة، والآراء الإبداعيّة. وكان الثّانيّ إيمانيًّا نابعًا من الأديان السّماويّة. أما الثّالث فكان توفيقيًّا تمثّل في نموذجين: ابن رشد داخل البيئة الإسلاميّة، وطوما الأكويني داخل البيئة المسيحيّة.

عمومًا، استمرّ هذا الحال عشرون قرنًا في أوروبا، حتّى مطلع القرن الخامس عشر ميلاديّ؛ حيث بدأ نمط جديد يلوح في الأفق برؤية للعالَم غير معهودة، ستتجاوز العقل اليونانيّ إلى عقلٍ ذاتيّ منهجيّ، الذي سيفصِل عالَم الدّين عن عالَم العِلم. بتعبير آخر بدأ عمل العقل بصفة أكثر تحرّرًا، ممّا أدى إلى التّطوّر الفكريّ برمّته.

ولمّا دنا القرن السّابع عشر، قرن التّغيير مع ديكارت (1596-1650م) تحديدًا، ستخرج الإنسانيّة من القرون الوسطى نحو نمط جديد، نحو رؤية جديدة للعالَم هي التي سُمّيت بـ”الحداثة”، وستتجاوز المنطق اليونانيّ الأرسطيّ الذي يدور في حلقة مفرغة، لتنتقــل -الإنسانيّة- لاستعمال عقل جديد، هو العقل المنهجيّ الدّيكارتيّ الذي كان بطله بامتياز. ولعلّه، إن صحّ التّعبير، أحسن مَن جسّد ذلك، حيث تَجَمّع فيه ما تفرّق سابقًا عند غيره، ما اغتنمته الحداثة لتتبلور في جميع المجالات.

فما هي شرارة انطلاق الحداثة إذن؟ كيف اهتدى ديكارت للمنهج السّليم فيها؟ ما الطّرق التي استطاع بفضلها إكمال مشروعه؟ وأخيرًا كيف خرج من دوّامة التّفكير الأرسطيّ؟

لا يغيب عن بالنا أنّ الفلسفة الحديثة بدأت رسم معالِم منهج جديد في البحث عن الحقيقة، وكانت أوّل ضربة تلك التي قالت بدوران الأرض، عكس ما تقوله فلسفة أرسطو (384-322 ق.م) المنضويّة تحت لواء الكنيسة؛ فتبلورت فلسفة ديكارت إطارًا لهذا الدّوران وطوق نجاته، وصياغة فلسفيّة له، ومعه بدأ عمل العقل باعتماد منهج شكّيّ يفضي للحقيقة بتتبّع قواعد مُعَيَّنة هي قوامه، بدل اعتماد حواسّ خادعة وأفكار جاهزة، يقول مؤكِّدًا: «تبدو لنا الأرض بادئ ذي بدء أكبر بكثير من كلّ الأجسام الأخرى الكائنة في العالَم، كما يبدو القمر والشّمس أكبر من النّجوم (…)، لكن إذا صَحَّحنا نَظَرَنَا باستدلالات هندسيّة لا تُخطئ، فسنجد أنّ القمر أصغر من الأرض، وأنّ الشّمس أكبر من الاثنين بكثير(…)، وسنعرف أيضًا بتوسّط العين التي يساعدها العقل، أنّ المشتري يبعد عن الشّمس أكثر من مئتي ضعف قُطر الأرض»(1).

وفي النّسق نفسه، كان السّبب الذي حرّك ديكارت للسّير قُدمًا في هذا الاتّجاه، عدم رضاه عمّا تحتويه الكتب الفلسفيّة القديمة، وأنّها لا تستجيب لشغفه، ولا تعطي أجوبة لأسئلته العميقة، يقول منتقدًا الأرسطيّين بلطف: إنّ «محاضرة أهل العصور الأخرى تكاد تكون كالسّفر، وإنّه لمفيد أن نعرف شيئًا عن أخلاق الأمم المختلفة، حتّى يكون حُكمنا على أخلاقنا أصحّ، وحتّى لا نظنّ أنّ كلّ ما خالف عاداتنا هو سخريّة ومخالف للعقل، كما هو دأب الذين لم يروا شيئًا، ولكن إذا أسرف المرء في صرف الوقت في السّفر فإنّه ينتهي إلى أن يصير غريبًا في بلده، ومن أسرف في التّطلّع إلى ما كان يحدث في العصور الخالية، ظلّ في العادة شديد الجهل بما يقع في زمانه»(2).

ممّا يعني، ارتكاز مبادئ فلسفة ديكارت على شيئين، هما: الوضوح، وقدرة استنباط حقائق أخرى مِن تلك الواضحة؛ إذ جمع ديكارت بين دراسة الميتا والفيزيقا، وبين دراسة العلوم وكشف الحقيقة فيها، فكِتابه [مقال عن المنهج لِحُسْن قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم]، ذا عنوان طويل، ولكنّه منهج متكامل حقًّا؛ فاعتمد أربع قواعد كانت كافية لتغيير مسار الفلسفة، والعلوم على حد سواء. لا سيما، أنّه نجح بشكل كبير بمدّ الفلسفة الحديثة بمنهج دقيق يفضي لأحسن النّتائج، وهي التي أعطت الإحساس باليقين الصّادق، عند البحث في الله والنّفس الإنسانيّة والطّبيعة الكونيّة.

فدَرَس ديكارت الفلسفة ومنهجها دراسة كلّيّة شاملة، وعرّفها بالتّعريف نفسه [دراسة الحكمة]، إلّا أنّه تفرّد بجعل منهجها يجوب باطن العلوم كلّها وتفرّعاتها، والحكمة ليست مجرد ذكاء، بل معرفة كاملة ذات نظام قائم، يستمدّ أسسه مِن العلل الأولى، على حدّ تعبير ديكارت نفسه، وهي معرفة الله.

وكما هو معلوم منذ القِدم، فالفلسفة نظر وعمل، فما التّجديد الذي جاء به ديكارت فيها؟ لقد كان إسهامه عظيمًا في شرح مواضيعها أكثر، ودراسة المبادئ التي قامت عليها، وأخيرًا تمحيص النّتائج التي وصلت إليها؛ يقول: «كذلك شأن الفلسفة، إذا اصطنعنا فيها مبادئ فاسدة كان ابتعادنا عن معرفة الحقيقة ومعرفة الحكمة بمقدار ما نبذل من عناية في تعهّدهما، وما ننفق من جهد في استخلاص مختلف النّتائج منهما، ونحن نظنّ أنّنا نحسِنُ التّفلسف، مع أنّنا نكون قد أمعنّا في الابتعاد عن الحقّ»(3)، من أجل ذلك، حاول تغيير المنطق مِن عمليّة ميكانيكيّة، أي منطلقات ونتائج، إلى عمليّة حدس واضح، بمعنى منهج يتناول المبادئ البسيطة التي تعطينا مبادئ لقضايا جديدة، وهكذا حتّى نصل المُرَكَّبة الغامضة. فتغيّر معنى الفلسفة، وأصبحت كلّ شيء في العصر الحديث، وكان منهج ديكارت، تجديدًا حديثًا لِلفكر الإنسانيّ القديم الذي خرج به من الغموض إلى الوضوح.

إذ وضع ديكارت أساسات صلبة، بمثابة الأرض المتينة، التي انطلق منها مجموعة كبيرة من الفلاسفة، آنذاك، وخَبِروا اتجاهات الحياة كلّها، ممّا لم يُسعف ديكارت التّطرّق له، إما لضيق الوقت أو عدم استيفاء المواضيع بالدّراسة الكاملة، بل حتّى الخوف من الكنيسة، وهو ما كشفته رسائله لأصدقائه، خاصّة الأب “مرسن” (1588-1648م)، صديق طفولته في مدرسة “لافليش”. هذه الرّسائل غير المترجمة، تشهد بما أخفاه ديكارت، وكانت انطلاق بحث عقلانيّ جديد أَسَّسه؛ فمثلًا لا حصرًا، أَسَرَّ أنّ كتابه “تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى”(4) هدم كامل وخفيّ لمبادئ أرسطو بغطاء دينيّ مذهل، وما كِتابه “العالَم أو كتاب النّور” إلّا تأكيد ما قامت عليه نظرة نيكولا كوبيرنيك (1473-1543م) في مركزيّة الشّمس، وما قراءته لكِتاب جاليليو جاليلي (1564-1642م) “حوار النّظام الكوبيرنيكيّ مع النّظام البطليميّ”، إلّا لإقرار أنّه شرح أيضًا دوران الأرض ضِمن كِتابه “العالَم”، ولكن بطريقة مختلفة شيئًا ما؛ فهذه الرّسائل كشفت أسرار ديكارت، وأعطتنا نظرة موسّعة عن أفكار مشروعه.

كما لم تتوقّف الدّراسات الدّيكارتيّة المتعاقبة، ولا منهجه في الانتشار، سواء مع تلاميذه وأبرزهم باروخ اسبينوزا (1632-1677م) فيلسوف الأخلاق، ونيكولا مالبرانش (1638-1715م) رائد التّـيّار الإيمانيّ للحداثة، أو مع باقي فلاسفة القرن السّابع عشر الميلاديّ، وبداية القرن الثّامن عشر، بحيث تمّ إخضاع المعارف كلّها لحُكم العقل، ولا شيء غيره.

اشتغل ديكارت وِفق منظومة ونسق واسع الأفق، وكيف كان يسير نحو تغيير أسس العِلم والفلسفة، فكلّ كتاب مِن كتُبه يؤسِّس للكِتاب الذي يليه، إذ سار ديكارت وفق مخطّط مُحْكم منذ البداية، ولم يكن يخبط خبط عشواء، فكلّما واجهته مشكلة انتقل للخطّة التي تليها، ناظرًا نحو الأفق لا قرب قدميه، فأصرّ على هدفه محاولًا الوصول له بشتّى الطُّرق؛ فأخفى أوراقًا وأظهر أخرى، وكتب بقناع وتحايل، وسافر مرّات عديدة، وتنقّل مُغَيِّراً محلّ سكناه مثلها، وتارة كتب بالفرنسيّة حين أراد مخاطبة الجمهور، وأخرى باللّاتينيّة حين خاطب العلماء؛ كلّ ذلك لأجل إكمال مشروعه، والوصول لأكبر شريحة ممكنة من أفهام النّاس (ينظر الرّسم التّاليّ)؛ فقطف الثّمار بذكاء، ولم يواجه المؤسَّسَة الكنسيّة أبدًا.

رسم من إنجازي يوضح تناوب اللّاتينيّة والفرنسيّة بتناسق في طريقة تأليف ديكارت:
[لاتيني-فرنسي مرتان-لاتيني مرتان-فرنسي مرتان]

بناء على ما سبق، يتّضح أنّ رحلة ديكارت الشّكّيّة مبرّرة منهجيًّا، فكان شكّه للبحث عن الحقيقة الضّائعة، عن الذّات بدل العالَم الخارجيّ، وعن الوضوح بدل الغموض، فالكوبيرنيكيّة زَجّت بديكارت وجاليليو قبْله، في هذا الطّريق المغاير لِما كان عليه العصر آنذاك، في شتّى مجالات الحياة، فكيف كان ذلك؟ ثار كوبيرنيك على الفَلك ثورة هوجاء فمعه الشّمس ثابتة والأرض تتحرّك، والتقط جاليليو الإشارة وطبّقها في الفيزياء، أي بما أنّ الأرض تدور فبالضّرورة نحتاج فيزياء تواكب الدّوران، وختم ديكارت المرحلة بصياغة فلسفيّة لهذا الدّوران، وهو ما سُمّي بالقلب المنهجيّ أي البدء من الذّات: مَن أنا في هذا الخضمّ الجديد؟ من أنا في هذا الكون الشّاسع؟ يقول مجيبًا: «غير أنّي سرعان ما تفطّنت بعد ذلك إلى أنّني إذ كنت أسعى إلى التّفكير بأنّ كل شيء خاطئ، فإنّه من الضّروريّ حتمًا، أن أكون أنا الذي فكّرت ذلك، شيئًا ما. ولمّا رأيت أنّ هذه هي الحقيقة: أنا أفكّر إذن أنا موجود، على نحو من اليقين والثّبات بحيث لا تستطيع أن تزعزعها أكثر افتراضات الرّيـبــيـين شططًا، حَكَمْتُ بأنّني أستطيع قبولها، دون تحفّظ، كأوّل مبدأ للفلسفة التي كنت أبحث عنها»(5)، فتبلوَر الكوجيطو [أنا أفكّر إذاً أنا موجود]؛ وأَحْكم ديكارت العِقال ووجّه الفكر بمهارة، وأعطى المسوّغات للأسئلة وأجوبتها المُحتملة، ليُساعد النّاس على المرور مِن فكر أرسطيّ يعتمد الجاهز، إلى فكر مُمَنْهَج يعمل وفق قواعد تَبْني المعرفة، ولا تقبلها جاهزة.

وفي الختام، استطاع ديكارت تغيير الفكر الأرسطيّ اضطرارًا وليس اختيارًا، باحتوائه فلسفيًّا. ووضَع للحداثة أساسًا متينًا بمثابة مُتّكأً يعتمد عليه النّسق المعرفيّ الجديد، فرغم الحتميّة فقد تفوّق أيّما تفوّق؛ لأنّ الإنسان تاه تيهانًا شديدًا وقت تحريك الأرض، فأصبحت النّظريّات القديمة في مهبّ الرّيح، ولا يمكن للإنسانيّة العيش في تشتّت، فديكارت باجتهاداته تلك، كان الرَّجل المناسب في الوقت والمكان المناسبين ساقته الأقدار مُجْبَرًا لا مخيّـرًا، فاستحقّ بحقّ، لقب “أبا الفلسفة الحديثة”.


الهوامش والإحالات

(1) ديكارت، المؤلفات الفلسفية، الجزء/3، ص: 224. نقلًا عن إميل خوري، مقدمة: العالَم أو كتاب النور، رونيه ديكارت، ترجمة إميل خوري، دار المنتخب العربي، ط1/1999م، ص:15.

(2) مقال عن المنهج، رونيه ديكارت، ترجمة محمد محمود الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، دار الكتاب العربي القاهرة، ط2/1968م، ص:114-115.

(3) مبادئ الفلسفة، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، سلسلة النصوص الفلسفية (6)، ص:38.

(4) بعد وفاته، بثلاث عشرة سنة، فهمت الكنيسة الحيلة فوضعت كتاباته، خاصة كتابه التأملات، ضمن المحظور حيث «أدرجت كتابات ديكارت في قائمة الكتب المحرَّم قراءتها من قبل الكنيسة الكاثوليكيّة الرّومانيّة عام 1663م، (…) باستبعاده الرّبّ من دراسته للعلوم الطّبيعيّة»، ينظر: ديكارت مقدمة قصيرة جدًّا، توم سوريل، ترجمة أحمد محمد الروبي، مراجعة ضياء ورّاد، ط/1، 2014م، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ص:107.

(5) حديث الطريقة، رونيه ديكارت، ترجمة عمر الشارني، دار المعرفة للنشر 1987م، تونس، ص:115-119.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى