عام

الاكتئاب تبدّل في الوعي

  • سيلسي وايتلي و جوناثان بيرش
  • ترجمة: أيمن حاتمي
  • تحرير: آسية بنت رياض الشمري

“لقد فقدت الأرض “السبب للعيش”. لقد فقدت شيئاً لا يفهمه الناس أصلاً. لهذا السبب يستعصي علي الشرح”.

هذا وصف من شخص مكتئب ورد في كتاب عالم النفس (جيل هورنشتاين) Agnes’s Jacket، لو طلبت من أي شخص أن يصف الاكتئاب سيصعُب عليه وصفه. فنحن نعرف الكثير من أعراضه، لكن لم نفهم طبيعة المرض حتى الآن. كمثل شخص يعرف أن الحمى والسعال وفقدان الشّم كلها أعراض لشيء ما، ولكن لا فكرة  لديه عن الفيروس نفسه الذي يسببها.

قد يفترض الأشخاص الذين لم يصابوا بالاكتئاب أنه مجرد شكل متطرف من المزاج السيء، تفقد به أنشطتنا اليومية بريقها، لكن رواية الأشخاص المصابين بالاكتئاب تُشير إلى اتجاه مختلف. كتبت عالمة النفس (دورثي روي) رواية عن أحد المصابين بالاكتئاب في كتابها تجربة الاكتئاب ١٩٧٨،: “استيقظت في عالم مختلف، كما لو أن كل شيء قد تغير أثناء نومي: لم أستيقظ في وعي طبيعي بل في كابوس مرعب”.

تدعم  هذه التقارير فكرة أن الاكتئاب شكل مختلف عن الأشكال الأخرى للتجربة اليومية، كما أكد الفيلسوف (ماثيو راتكليف) في كتابه Experiences of Depression ٢٠١٥. حيث أوضح أغلب المصابين بالاكتئاب بأنه ينطوي على تحول جوهري، مثل الدخول في عالم مختلف منفصل عن الواقع المعتاد والأشخاص الآخرين. مما يُظهر أن الاكتئاب هو نوع من الخبرة أكثر شمولية من بعض التجارب الأخرى. ربما تكون حالة فريدة من الوعي، ويمكنها بدورها أن تكشف شيئاً عن طبيعة الوعي نفسه.

تشير التقارير الذاتية للأشخاص المصابين بالاكتئاب إلى ظهور علاقة عميقة ومثيرة للاهتمام بالوعي. لفهم هذه الفكرة، تأمل في تأثير النوم والحلم على حياتك الذهنية!، أو تأمل في تجربة الخروج من نوم بلا أحلام إلى وعي يقظ!. و خذ في الحسبان كيف تختلف تجربتك بمرور الوقت في الحلم واليقظة: في هذه التحولات، يمر وعينا بتحول بنيوي عميق، كثيرًا ما نعيش أيامًا طويلة داخل الحلم بينما هي بضع ساعات من عالم اليقظة. كما أن إحساسنا بالذات والهوية مرن للغاية في الحلم: فأحياناً ندرك أنفسنا من الخارج ننظر من علو إلى أجسادنا، أو نحلم بأننا شخص آخر غير أنفسنا، أو نحلم بالانفصال عن الجسد تمامًا.

أشكال مماثلة من التغييرات البنيوية لتجربة الوعي تحدث بعد تناول المهلوسات. من ذلك، الظاهرة الموَثّقة جيداً والمعروفة باسم “انحلال الأنا ego dissolution”-انهيار الذات وفقدانها بالكامل- وكذلك التّشوه الدرامي للمكان في حالة الهلوسة. في كل من الأحلام و حالات الهلوسة، يؤكد الناس عن تحولات قوية وواسعة النطاق تزعج وتغير ليس فقط تجاربهم الحسية بل حتى مفهومهم عن ذواتهم واتصالهم بالواقع والآخرين.

سك علماء الأعصاب وفلاسفة الوعي مؤخرًا مصطلحًا جديدًا أسموه “الحالة الكليّة للوعي the global state of consciousness “ لوصف الخصائص البنيوية لتجربة الوعي التي تختلف بين اليقظة العادية والحلم و حالات الهلوسة وحالة الحد الأدنى من الوعي. سُميت بـ”الكليّة” لأن تجربة الوعي بأكملها قد تغيرت، وليس مجرد عنصر معين. تتغير التفاصيل الدقيقة لما نختبره في حياة اليقظة اليومية طوال الوقت، الأصوات والألوان والروائح جميعها يغدو ويروح، لكن البنية تظل ثابتة إلى حد كبير: أشعر أنني حاضر في العالم، مندمج فيه ومتماسك معه، الزمان يتدفق بنفس المعدل، المكان له نفس الهيكل الهندسي. الحالة الكليّة للوعي هي هذا الهيكل العام والبنية المستمرة التي تظل ثابتة مع مرور التجارب المختلفة علينا. بينما حين نحلم أو نتناول عقاقير هلوسة أو نعاني من إصابة في الدماغ، يمكن لهذه البنية أن تتغير، وندخل حالة شمولية مختلفة كليّاً.

أيمكن أن ينتمي الاكتئاب إلى هذه العائلة أيضًا؟ ما يصفه المكتئبون بأنه عالمهم أو كابوسهم قد يكون حالة شمولية خاصة، حيث تتشوه بها بعض الأركان البنيوية لتجربة الوعي الاعتيادية(كالإحساس بالذات، والمكان والزمان). ليس حلمًا أو رحلة، بل حالة تنتمي إلى نفس العائلة.

إحدى العلامات المميزة في تقارير الاكتئاب هي فكرة الاستيطان أو الوقوع في عالم أو مكان آخر. كتبت الصحفية الراحلة (سالي برامبتون) في مقال نشرته عام 2003 في التلغراف: “بالنسبة لي، كان الاكتئاب مكانًا طبيعته باردة و سوداء وفارغة. إنه أكثر رعبًا وفظاعًة من أي مكان زرته، حتى في كوابيسي”.

نرى أن هذا الوصف ليس مجازاً تماماً. فالأشخاص المكتئبين ليسوا في عالم مختلف حرفيًا، إلا أنهم في حالة مختلفة من الوعي؛ حالة نشبوا بها ونأمل أن يستيقظوا منها.

تُعد النظرة للاكتئاب إلى جانب “الحالات الكليّة للوعي” بمثابة تحولٍ نظري وليس تحولاً إكلينيكياً، ولكنها يمكن أن تُحدث فرقاً في كيفية تعاملنا مع الاكتئاب بشكل أمثل. على وجه أخص، يمكن لهذه الفكرة أن تلقي الضوء على نجاح الطب النفسي المختص بالعقاقير المخلَّه بالنفس أو المهلوسة “psychedelic psychiatry” -وهو حقل بحثي ناشئ ومتنامي-، حيث يتطلع إلى علاج اضطرابات عقلية مختلفة باستخدام العقاقير

المهلوسة مثل: الكيتامين ketamine والميسكالين mescaline والبسيلوسيبين psilocybin -المكون النشط في الفطر السحري-. بينما لا يزال هذا الحقل المعرفي في بداياته، إلا أن نتائجه الأولية في مقاربة الاكتئاب واعدة، وقد أنشئت له الآن مراكز بحثية رئيسية في إمبريال كوليدج لندن وجامعة جونز هوبكنز.

ولكن لماذا قد ينجح العلاج بالمهلوسات كعلاج للاكتئاب؟ أحد الآراء الشائعة هو أن المهلوسات تزوّد الأفراد بمساحة بيضاء أو نافذة مفتوحة للانعتاق العاطفي. ومع ذلك، فإن فكرة أن الاكتئاب هو حالة من التحول في الوعي تقترح تفسيرًا مختلفًا: إذ قد تكون المهلوسات تفرض الانتقال بين حالات الوعي الشاملة. أولاً، يدفعون المريض المكتئب إلى حالة جديدة من الوعي (حالة سيكادليكية). في نهاية الحلقة يجب أن يُنقل ويُخرج المريض منها، ولكن إلى أين؟ ربما وبعد هذه الرحلة السيكادليكية، يخرج المريض إلى حالة الوعي الاعتيادي الطبيعي، بدلاً من “كابوس” حالة الاكتئاب.

الفكرة هي أن العقاقير المهلوسة قد تعمل على إعادة ضبط أو إعادة تشغيل حالة وعي المريض الشمولية. وفقاً لهذه الفرضية، فإن الشعور بالاكتئاب يشبه السقوط في حلم لا يمكنك الاستيقاظ منه، والعقاقير المهلوسة هي الهزة التي توقظك في النهاية. كما كتبت (برامبتون) في مذكراتها Shoot the Damn Dog ٢٠٠٨: “إنه مثل العيش في كابوس يقظ. أقصى ما نريده هو شخص ما يأخذ بيدنا لمحاولة إعادة ربطنا مجدداً بالعالم”.

يمكن لهذه الفرضية أيضًا أن تقود للتحقيق في الآليات البيولوجية المرتبطة بالاكتئاب التي لم نمسك بها بعد. حتى أن بعض الأطباء النفسيين ينتابهم القلق من أن الاكتئاب قد لا يكون اضطراباً عقلياً واحداً وموحداً على الإطلاق. ومع ذلك، إذا كنّا على صواب من أن الاكتئاب هو حالة كليّة للوعي، فإن اليأس سابق لأوانه. بعد كل هذا، لا نعرف بعدُ الآليات العصبية الكامنة وراء أي حالة وعي كلية شمولية، سواء كانت يقظة أو حلمًا أو حالة هلوسة. في الواقع، فكرة أن الاكتئاب حالة كليّة للوعي تفتح احتمالاً أمام علوم الوعي والتصوير العصبي لتقدم يوماً ما اختبارات جديدة للاكتئاب.

علامة مميزة أخرى تظهر في تقارير الاكتئاب والمكتئبين وهو الخوف والعزلة الناشئة عن ضعف الفهم والاستيعاب. يعرف الشخص المكتئب أن شيئاً سيئاً يحدث، لكنه لا يعرف ما هو أو ما سببه. إن عدم القدرة على وصف أو فهم ما يحدث، سواء لنفسك أو للآخرين، أمرٌ مقلقٌ بحد ذاته. تقول الكاتبة (جيه. كيه. رولنج): “من الصعب جدًا وصف شعور الاكتئاب لشخص لم يسبق له تجربته، لأنه ليس حُزناً”.

بالنسبة للأشخاص المكتئبين، هل يمكن للتفكير في مرضهم على أنه “حالة كُلّية للوعي” أن يقدم أي مساعدة فورية؟ إن علمك أنك في حالة وعي مختلفة لن يجعل هذه الحالة تختفي، ولكنها قد تساعدك على فهم تجربتك وإعادة سردها للآخرين. لم يصاب الجميع بالاكتئاب، لكن الكثير منا جرّب الحلم .. وغيره، فنحن على دراية بالتحولات الحاصلة في بنيوية التجربة، وبالتالي قد يكون لدينا جسر لفهم ما يحدث لأصدقائنا وأحبائنا.

نحن بحاجة لأن نشيح عن وجهة النظر الشائعة والخاطئة التي تظهر الاكتئاب كشكل من أشكال الحزن، والتي يمكن للناس ببساطة “إخراج أنفسهم منه”. إن رؤية الاكتئاب كحالة وعي كلّية يحركنا في الاتجاه الصحيح. حالة الوعي الكلية تظل راكزة بينما التجارب الأخرى كالحزن والفرح تغدو وتروح. مثل هذه المشاعر تشبه مناسبة خاصة في المنزل تحدث وتنتهي، بينما الاكتئاب يغير هيكل المنزل.

الاكتئاب ليس مجرد مزاج سيء، إنه تبدّل في الوعي

علوم الوعي يجب أن تكون قادرة على مقاربة الاكتئاب، والعكس صحيح أيضًا. من المعروف أن الحالات غير الطبيعية للوعي، مثل الحلم أو حالة الهلوسة، تسمح لنا بفهم أفضل لملامح الحالة الطبيعية التي يختبرها الشخص السليم يومياً عندما يستيقظ. على سبيل المثال، من خلال تشويه تجربة الزمان والمكان والذات، يمكننا التعرف على ما ينطوي عليه الفهم الاعتيادي للزمان والمكان والذات. ومع ذلك، لطالما واجه الباحثون مشكلة أن التغييرات التي تحدثها المهلوسات درامية جداً فتحدث تدخلات فضّة غليظة كأخذك مطرقة ثقيلة إلى الحالة الوعي الاعتيادية. وبينما يمكن أن تكون الفروق بين الحلم واليقظة أقل وضوحًا، إلا أن النائم لا يمكنه كتابة تقرير عنها بشكل مباشر وموثوق.

هنا يكمن فهم الاكتئاب، إذ يتضمن أحياناً تغييرات رقيقة في اليقظة العادية، أقرب إلى عمل المِشْرَط منه إلى المطرقة ثقيلة، ويمكن استنتاج ذلك من خلال استجواب الناس. نتيجة لذلك، يمكن أن تكون حالة الاكتئاب ذات أهمية كبرى لكشف الجوانب المراوغة لحالة الوعي في اليقظة التي غالبًا ما نأخذها كأمر مسَلّم به. مثلًا، من خلال فحص التغييرات التي تطرأ على تجربة الشخص المكتئب في الزمان والمكان والذات، نتوصل إلى فهم أفضل لكيفية مساهمة الوقت والمكان والذات في تجربتنا الاعتيادية للعالم.

يلمّح عالم النفس (أندرو سولومن) إلى بعض هذه التحولات في مذكراته The Noonday Demon ٢٠٠١:

“عندما تكون مكتئبًا، فإن الماضي والمستقبل يتم امتصاصهما بالكامل داخل اللحظة الحالية، وكطفل في الثالثة من عمره، لا يمكنك تذكر وقت شعرت فيه بتحسن بشكل واضح. وأنت بالتأكيد لا تستطيع تكهّن أي وقت في المستقبل ستشعر فيه بالتحسن. الشعور بالضنك، بل إنه الضنك العميق، هو تجربة منعزلة عن الزمن. وفي حين أن الاكتئاب عزلة زمنية، الانهيارات تتركك ولا رأي لك”.

الانتباه إلى الطرق التي يحوّل بها الاكتئاب حياتنا قد يؤدي إلى فرضيات مثيرة وجديدة لوظيفة الوعي أو لما يفعله الوعي في الكائنات الحية. ما الذي يمكن أن يفعله الشخص في حالة وعيه الاعتيادي بينما لا يمكنه فعلها بشكل جيد في حالة الاكتئاب، أو العكس؟ كيف لهذه التغييرات البنيوية في الزمان والمكان والذات أن تؤثر على الأنشطة العقلية الأخرى؟ سيكون هذا اتجاهًا مثيرًا للجيل القادم من فلاسفة وعلماء الوعي.

أعجبني المقال

المصدر
psyche

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى