عام

وهم القراءة

  • مورا جمال
  • تحرير: ناريمان علاء الدين

“إن العقل هو الذي يجعلك سليماً أو مريضاً، تعيساً أو سعيداً، غنياً أو فقيراً”

أدموند سبنسر 

من أين ابدأ ؟

سؤال يطرحه كثير من الأشخاص ممن يُريدون الإقبال علي القراءة وخاصة ممن يجدون بعض المبادرات القرائية المُشجعه والدافعة، المُحفزة لقراءة الكُتب والتهام القُرّاء لكثير من الروايات والكُتيبات والكُتب البسيطة، ويأتي الجواب: ” أن ابدأ من الآن “.

حصون واهية 

لكن الجواب لا يكون شافياً وافياً، لأنهم يحملون بداخلهم عقبات وعراقيل بنوها في عقولهم وشكلوا منها حصون منيعة والتي منها:

“حصن لا أحب القراءة”،

“حصن القراءة ليست من هواياتي”

“حصن لا يوجد وقت للقراءة”

“حصن لا اقرأ إلا الكتاب الورقي”

“حصن  العلم في الراس مش في الكراس”

“حصن ولكني أقرأ الصحف”

“حصن فات قطار القراءة لأقرأ” ، …

وماهي إلا أوهام واهية عن القراءة يصنعها لنفسه قبل الإقدام علي الشيء تُعيق تفكيره عن القيام بالأمر، تماماً كما في قصة مسألتيْ الرياضيات التي كان يُضرب بها المثل علي استحالة وجود حل لهما، فغفا طالبٌ أثناء المُحاضرة وحين استيقظ وكانت المحاضرة قد انتهت ووجدهما علي السبورة فدوّنهما بدفتره – وهو لا يعلم عنهما شيئًا – فعاد إلي المنزل وعمل على حلهما وبعد بحثٍ وعناءٍ شاق قام بحل أحدهما وسلّمها إلى دكتور المادة الذي تفاجأ من وجود حل لمسألة من المسائل التي كانت مضرب المثل على استحالة حلها.

إن حديث المرء الداخلي مع نفسه والحديث الذي يسمعه من الآخرين هو ما يصنع طوقاً حول عقولنا لنُصدِر من خلاله حُكمًا علي أن هذا الشيء ممكن أو مستحيل. يقول براين ترايسي: ” تقبع أكبر عوائقك في داخل معتقداتك وأفكارك وتوجهاتك “.

وقد أمضى دكتور مارتن سليجمان في دراسة طويلة استغرقت خمسة وعشرين عاماً بعنوان “العجز المُكتسب بالتعلم” أجراها على آلاف الأشخاص، وقد وجد أن 80% من الأشخاص يعانون من “العجز المُكتسب بالتعلم” إلى حد ما وأحياناً بدرجة كبيرة، حيث يشعر الأشخاص أنهم غير قادرين علي تحقيق أهدافهم، وأن أكثر التعبيرات الشائعة هي عبارة “لا أستطيع” التي يتشكل منها الأوهام النفسية، وخاصة عند وجود فرصة أو إمكانية لتحقيق هدف جديد. فالقيود الحقيقية ليست ما تُكبل أجسادنا إنما ما توجد في عقولنا.

أفضل مُنتج في العالم

ويقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [سورة الإسراء:70]

وقد كرم الله عز وجل بني آدم وميزهم عن سائر المخلوقات بالعقل، والذي يقول عنه علماء المخ والأعصاب: “عقل الإنسان هو أفضل مُنتج في العالم، لو أُعطي الإنسان معلومة كل ثانية واحدة ولمدة 100 ألف سنة لا يستخدم سوى ربع قُدراته العقلية”

وقد جعل الله لكل شيء قوت، فقوت الأبدان الطعام والشراب، وقوت العقول المعرفة والعلم والإطلاع، وإلا ما كان أول أمر يُنزّله الله ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [سورة العلق:1]

“اقرأ” أنزلها الله عزو جل على النبيّ الأميّ الذي لم يعرف القراءة والكتابة، فلم يكن المقصود فقط أن اقرأ تلك الحروف المسطورة في المخطوطات أو الكُتب إنما اقرأ في كون الله، في التجارب، في الحياة من ألوان وأشكال مختلفة ومتنوعة. القراءة هنا قراءة تحريك العقل، وتشغيل الفكر.. قراءةٌ تدبرية، تفكرية.. قراءةٌ ذات معانٍ ودلالاتٍ مُتعددة ومختلفة، ليست فقط لرؤية أو زاوية واحدة.. قراءةٌ بمعنى أوسع من فك رموز الكلمات إنما فك طلاسم وظلمات الجهل الذي يعيش فيها العقل.

العقل كالرحى

وانطلاقاً من قاعدة أن الشيء الذي لا يُستخدم يضمر، فإن العقل بدون المعرفه لا شيء، ويقول د. عبد الكريم البكار: “العقل بدون المعرفة كالرحى بدون الحبوب”، بل إن العقل بدون المعرفة أدهى وأمر من تلك الرحى التي بلا حبوب، فذلك العقل سينشغل بإصدار الأوهام والقرارات الخاطئة والظنون السيئة، كما يقول ابن القيم: “الجهل شجرة تنمو منها كُلُّ الشرور”، والمعرفة والعلم للعقل مصباح يُستضاء به في طريق ظُلمة الجهل والهوى، فمن سار في طريق على غير مصباح لم يأمن أن يقع في بئر بوار فيعطب. فرأس مال الفرد في عقله وبناء فكره وإمداده بالمعلومات الصحيحة، بالأدلة والبراهين، بالمفردات والمعاني التي تُثمر كلمات طيبة تجري على لسانٍ صادقٍ، وتنبع من قلبٍ مُبصرٍ، ونفسٍ شغوفة مُتطلعة تدفع المرء دائماً نحو التقدم، والقراءة تُكسِب العقل قوة وسرعة في التفكير والتخطيط والقدرة علي الاختيار الصحيح والمناسب واتخاذ قرارات صائبة، تماماً كما قال ابن القيم: “إن مبدأ كُلّ علمٍ نظري واختياري الخواطر والأفكار التي توجب التصورات، فإذا صلُحت التصورات صلُح العمل وفساده بفسادها”.

إذن فأول خطوات البدء والتقدم هو هدم حصون وقلاع الوهم التي صنعْتَها في عقلك وبدلأ من أن تقول “لا أستطيع”  قل: أنا أتمتع بفرصة للمحاولة والمحاوله للنجاح مادُمت حياً ” ولا تجعل الأوهام الزائفة تؤثر علي عقلك، وابدأ مشوار القراءة واضعاً نصب عينك أن “العقول تحتاج إلى الكُتب كما تحتاج السيوف إلى المِشْحَذ (المبرد) كي تحافظ على حدتها”.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى