الإدارة

القيادة التقليدية تميت حيوية مؤسستك

  • نشر: lhh
  • ترجمة: نوضا عبد الرحمن
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: هياء العيسى

كنت أعلم أن الأمر سيىء، لكن لم يخطر ببالي أنه بالغ السوء.

في كل سنة أسافر حول العالم لتقديم الدعم للمؤسسات فيما يتعلق ببناء قادة أكفاء وذَوِي مسؤولية. يبدأ نقاشنا –عادةً- بالحديث عن أفضل السلوكيات في هذا المجال، إلا أن النقاش في النهاية يتحول للحديث عن فشل القادة في تلك المؤسسات، ما يجعلني أتساءل عن مدى سوء القيادة في عالمنا اليوم؟

وللمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال؛ بدأتُ بعمل دراسةٍ استقصائية عن المناسبات التي حضرتها, والمؤسسات التي اتصلت بي للنقاش مع قادتها. بدأتُ في تأسيس قاعدة بيانات تتضمن أسوأ التصرفات القيادية، ثم سألتُ الأشخاص الذين التقيتهم عما إذا كانت تلك التصرفات موجودة لدى قادتهم. ولضمان جودة النتائج؛ وسَّعتُ مجال البحث واستعنتُ بالاستبيانات الإلكترونية التي وصلت إلى مئات القادة في شمال أمريكا وجنوبها.

وقد أكَّدت النتائج -التي بلغت (1800) مشاركة- المخاوف التي كانت لديَّ منذ فترة طويلة: القادة التقليديون موجودون في كل مكان. وبغض النظر عن البلد أو المنصب القيادي؛ كانت الصفات الخمس الأكثر شيوعًا في القادة التقليديين متكررة بشكلٍ ينذر بالخطر، وتلك الصفات هي:

  1. الاستعداد لإلقاء اللوم على الآخرين: يتنصل هؤلاء القادة من المسؤولية باستمرار عند وقوع خطأ ما. وبإمكانهم إلقاء المسؤولية على شخص آخر عندما تتعقَّد الأمور.
  1. الأنانية المفرطة: بعض القادة يتمسكون بمناصبهم فقط بما يخدم مصلحتهم؛ إذ يستغلون مكانتهم قدر المستطاع، -وكلما سنحت الفرصة- غير عابئين بحقوق ورفاهية الآخرين.
  1. الفظاظة والقسوة: هؤلاء القادة يسيئون معاملة الناس من حولهم بشكل منتظم وروتيني، ويكيلون لهم ألوان الإهانات؛ إذ يعتقدون أن تحقير وإهانة من تحتهم هو علامة على القوة.
  1. غير كفء بالمرة: يصِلُ بعض القادة إلى مناصب أعلى بكثير من مهاراتهم وخبراتهم، وهؤلاء ببساطة لا تتوافر فيهم سمات القائد الحكيم.
  1. الافتقار إلى المبادرة: عند الحاجة إلى إجراء حاسم؛ فإن هؤلاء القادة يؤجلون، ويسوِّفون, ويراوغون, يأتون كل يوم ولا يفعلون شيئًا، ويأملون ألا يلاحظ أحد.

ومما يثير الاهتمام؛ وجود درجة كبيرة من التطابق بين صفات القادة في شمال أمريكا وجنوبها؛ إذ أظهروا نفس الصفات الخمس للقادة التقليديين, مع تفاوتٍ طفيف في ترتيب تلك الصفات. وضَعَ المشاركون من جنوب أمريكا صفة الأنانية في المرتبة الثانية ضمن الصفات الخمس، بينما وضَعَ المشاركون من شمال أمريكا انعدام الكفاءة في المرتبة الثانية بدلاً من ذلك.

سلطت النتائج الرئيسة للدراسة الاستقصائية الضوء على معاني مهمة، لكن الردود المفتوحة التي استقبلناها هي ما أثَّر فيَّ حقًا.

بعد أن طلبتُ من المشاركين تحديد صفات القيادة التقليدية التي يلاحظونها يومًا بعد يوم، طلبتُ منهم أن يصفوا تأثير القيادة التقليدية على شعورهم بالالتزام تجاه العمل. كانت الإجابات التي حصلنا عليها مؤلمة جدًا، وصريحةً ومترعة باليأس.

يصف أحدهم –وهو مدير من شمال أمريكا– مشاعره تلك بقوله: «الذهاب إلى العمل كل يوم أشبه ما يكون بالمعركة، ويزداد الحال سوءًا؛ حين تدير فريقًا يتطلع إليك ويحتذي بك، ستجد نفسك –حتمًا- تموتُ ببطء».

كان فقدان الروح المعنوية بسبب العمل مع القادة التقليديين سمةً متكررةً في الردود التي حصلنا عليها. ذكر الكثير من المشاركين الإحباط والقلق والاكتئاب كعلاماتٍ للعمل مع القادة التقليديين، بالإضافة إلى: «الشعور المماثل لاصطدام رأسك بالحائط » كما عبر أحدهم. ويقول آخر: «يمكن للقادة التقليديين أن يبددوا طاقتك، ويقوِّضوا معنوياتك».

أشار العديد من المشاركين أيضًا إلى أن القادة هم –دائمًا- السبب في تواضع أداء من هم تحت قيادتهم. يقول أحدهم: «رؤية القادة التقليديين تثبِّطُني»، ويقول آخر: «القيادة التقليدية لا تلهم الآخرين لأن يبذلوا ما بوسعهم، أويأتوا بأفضل مما قدموه في الماضي». كانت تلك أشبه بسمةٍ ثابتة، ولا يمكننا أن نتغاضى عن العلاقة بين وجود القادة التقليديين والأداء المتواضع لمن تحتهم. يقول أحد مديري شمال أمريكا: «عندما يتجاهل القادة أفضل الأشخاص وأفضل الأفكار؛ يكون الحفاظ على الوضع الراهن سهلاً بالنسبة لهم، وسيظل الجميع دون تقدم حتى بعد زمن طويل».

وكما هو متوقع، فإن العمل مع القادة السيئين عُدَّ من أكبر الأسباب في استقالة الموظفين. يعبر أحدهم عن ذلك بقوله:

« لن تستطيع أن تتعلم منهم، لذا ستبدأ بالتفكير في وظيفةٍ أخرى».

تُسهِم هذه الدراسة الاستقصائية أيضًا في دعم البيانات التي قام بجمعها (لي هيتش هاريسون) في دراسةٍ أخرى، بما في ذلك الدراسة الاستقصائية التي قمنا بها عالمياً حول المسؤولية القيادية، والتي قام فيها هاريسون بسؤال المئات من كبار خبراء الموارد البشرية على مدى العامين الماضيين للتفكير مليّاً في مفهوم القيادة في مؤسساتهم. ووِفقاً للدراسة الاستقصائية عن المسؤولية القيادية:

هناك حقيقتان بالغتا الأهمية عن وضع القيادة اليوم، بغض النظر عن اللغة، والمنطقة أو البلد.

الحقيقة الأولى هي أن كل شخص يدرك جيدًا أن القيادة الفعالة ضرورية لنجاح الأعمال؛ إذ تشير الدراسة بأن (75%) من المشاركين أقرُّوا بأن القيادة الفعالة ضروريةٌ للنجاح.

الحقيقة الثانية التي أكدتها الدراسة أن (30%) فقط من خبراء الموارد البشرية يعتقدون أنهم يقومون بما يكفي لتطوير القادة في مؤسساتهم. وهذا ما يطرح السؤال التالي: إذا كان أقل من ثلث خبراء الموارد البشرية فقط غير راضين عن بيئتهم القيادية وثقافة القادة لديهم، فأين الباقي؟ وفقًا لنتائج الدراسة؛ فإن الباقي هم القادة الأنانيون، المتعسفون، المكثرون من لوم الآخرين، وغير الناجحين بشكل عام، أو كما يحلو لي أن أسميهم “القادة غير الأكفاء“.

والآن، قبل أن يوقفك إحباطك عن القراءة بسبب ما علمتَه عن الوضع الحالي للقيادة في المؤسسات؛ أود أن أطمئنك بأن هناك بصيص أمل، وهو ما يتطلب بذل المزيد من الجهود لإصلاح الوضع الحالي. كل تلك الجهود يمكن أن تبدأ بعزم الشركات على تحديد توقعاتها بصورةٍ واضحة عن حاجتها لأن يكون قادتها أكفاء ومسؤولين عن كل ما يقولونه ويفعلونه. وقد تتفاجأ حين تعلم أن القليل من المؤسسات لديها ذلك العزم، بل حتى المؤسسات التي تنفق مبالغ مالية كبيرة لتطوير قادتها لم تحاول يومًا تحديد سمات القادة الذين تحتاجهم فعليًا؛ ليس من المفاجئ إذًا أن يُسمَح للقادة غير الأكفاء بأن يعيثوا فسادًا حين لا يصارحهم أحد بأن سلوكهم غير مقبول.

إذًا كيف يمكننا تعريف القيادة الفعالة؟ حين نلقي نظرة على الشركات الرائدة، يمكننا أن نقتبس منها خمس استراتيجيات رئيسة للمساهمة في الحد من تأثير القيادة التقليدية.

  1. دفع الآخرين لتحقيق معايير الأداء العالية. القادة المسؤولون حقًا يضعون معايير وتوقعات واضحة من الأشخاص الذين يقودونهم, وهذا يقيهم سوء القيادة التقليدية. إنهم دائمًا ما يحفزون فرقهم وزملاءهم ويدفعونهم إلى تحقيق مستويات عالية من الأداء. ورغم أن هذه نقطة واضحة من نواح عديدة، ونتوقع أن نراها من الناحية العملية، إلا أنها لا تظهر على نطاق واسع كما هو متوقع.
  1. معالجة القضايا المعقدة واتخاذ القرارات الصعبة. القادة الحقيقيون المسؤولون سبَّاقون إلى التعامل مع القضايا الصعبة. إنهم لا يسمحون للمشاكل المزعجة أن تثقل كاهلهم، ويدركون أن المماطلة في مواجهة مشكلة واضحة تقوض قدرتهم على القيادة، كما أن مماطلتهم وتسويفهم يضعف بشكل أساسي ثقة من تحتهم.
  1. وضوح استراتيجية الشركة. يضمن القادة المسؤولون فهم الأشخاص الذين يقودونهم استراتيجية منظمتهم ووضوحها بالنسبة إليهم، وهذا ما يخلق أساس المساءلة، حيث يفهم الموظفون بوضوح ما يُتوقع منهم القيام به لإنجاح الشركة.
  1. التعبير عن التفاؤل بشأن الشركة ومستقبلها. القادة المسؤولون متحمسون لشركاتهم، ويعبرون عن هذا الحماس يوميًا لفرقهم. هذا له اتصال مباشر بأداء الموظف، فإذا لم يكن القادة متحمسين لما يحاولون فعله؛ فبالأحرى أن موظفيهم لن يكونوا كذلك.
  1. دراسة الاتجاهات والأحداث الخارجية عن كثب. العديد من القادة الذين رأيتهم يركزون بشدة على التنفيذ ويقضون القليل من الوقت في النظر إلى ما يفعله المنافسون أوما يحدث في الاقتصاد العالمي. في المقابل، يقوم القادة المسؤولون بمسح بيئتهم باستمرار لتحديد الفرص والتهديدات والحلول، ويتأكدون من أن فرقهم تقوم بمسح بيئاتهم أيضًا.

بعد معرفتك بهذه الصفات الخمس، يمكنك المضي قدمًا لتجديد مفهومك عن القيادة، وهذا يشمل اتخاذ الكثير من القرارات الحازمة.

بعد تقييم حالة القيادة الحالية وفقًا للتوقعات، ستجد مجموعة يمكنها اعتماد مبادئ القيادة الخاضعة للمساءلة بجهد قليل، في حين قد يحتاج القادة الآخرون إعادة تدريب أو حتى إعادة التكليف لوضعهم في منصب يمكنهم من التألق كقادة.

قد يحتاج البعض إلى الخروج من صفوف القيادة والعودة إلى المبيعات أوالوظائف الفنية. وقد يظهر لك آخرون بأنهم لا يعترفون بالقيادة الخاضعة للمساءلة، وإذا لم يكن من الممكن إعادة تدريبهم أوإعادة تعيينهم في مكان آخر؛ يلزم الاستغناء عنهم.

هناك الكثير على المحك بسبب تجاهل آفة القائد السيء أو التقليدي، الخبر السار هو أنه يمكن حل هذه المشكلة إذا كانت لديك الشجاعة للسير في طريق المساءلة.

المصدر
lhh

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق