تقارير ودراسات

«تنقيب البيانات» يضيف دليلا جديدًا على أن الحرب محفورة في بنية المجتمع

  • إعداد: قسم التكنولوجيا الحديثة، من: arXiv
  • ترجمة: أمجاد الغرير
  • مراجعة: الغازي محمد
  • تحرير: لطيفة الخريف

 

تُفصح دراسة جديدة في تاريخ الحروب عبر 600 عام عن ناتج قانون كوني رياضي، ملمحة ًإلى أن السلام النسبي الحالي قد يكون أرقّ مما يظنه كثيرون

 

إن الحرب موضوع دراسة دقيق في أواسط المؤرخين، وهو موضوع يعكس تفاؤلًا عامًا أنه -ومن خلال دراسة الماضي- يمكننا تفادي الوقوع في أخطاء مشابهة في المستقبل.

إن عديدًا من المؤرخين يدرسون الحرب من خلال الفاعلين المساهمين فيها والقرارات التي يتخذونها، من الممكن عادة وصف طريقة انبثاق الحرب من رحم هذه التوترات، ومن الممكن التعرف على أنماط السلوك الواجب تجنبها في المستقبل.

لكن في هذه السنوات المتأخرة، ظهر أسلوب آخر أقوى يشرح كيفية انبثاق الحرب، وفقا لهذا الأسلوب في التفكير فإن الحرب ظاهرة بسيطة، لكنها في نفس الوقت ظاهرة مركبّة من عدّة عوامل مدمجة في بنية المجتمع، فيما يمكن وصفه بـ “الظاهرة الشبكية”

وفقًا لطريقة التفكير تلك: فالمجتمع شبكة معقدة من القوى الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية المبنية على مجموع الروابط بين الأفراد والدول التي يمثلونها، هذه الروابط متبدلة باستمرار نتيجة للعنف والموت أحيانا، عندما يتجاوز معدل التغيّر والعنف المتصل به مستواه الطبيعي، نطلق على الأنماط الناتجة وصف “الحرب”.

نَهج ُنظرية الشبكة هذا يمدنا بطريقة جديدة للتفكير في مسببات الحرب. لكنه يثير أسئلة مهمة أيضا، من أهمها هو هل هذه المنهجية قائمة على الدليل؟ أي: هل يوفر لنا السجل التاريخي دليلا جيدا على أن الحرب ظاهرة شبكية؟
Bottom of Form

يتوفر لدينا اليوم جواب، والشكر لجهود أوقو برادي وزملائه في جامعة فلورنس في إيطاليا، إذ حللوا واحدة من أضخم قواعد البيانات التاريخية حول الصراع العنيف، ويقولون إن خصائصها الإحصائية متناسقة مع النظرية الشبكية الحرب.
«تميل نتائجنا نحو دعم فكرة أن الحرب ظاهرة إحصائية مرتبطة بالبنية الشبكية للمجتمع الإنساني» كما صرّح برادي وزملاؤه

بدأ برادي وزملاؤه بمجموعة بيانات جمعها بيتر بريش من جامعة التقنية في أتلانتا، مؤلفة من عدد من فواجع الحرب في الأعوام بين 1400 حتى 2000، وضع برادي وزملاؤه في الاعتبار نزعات متنوعة عبر الزمن، وذلك في كل من وضع البيانات الخام، ووضع البيانات المُكيّفة وفقًا لتعداد العالم السكاني، ثم اختبروا الخصائص الإحصائية لهذه البيانات.

تبيّن الظاهرة الشبكيّة ميزة واضحة: تتبَع الأحداث توزيع قانون القوة، هذه الميزة تظهر في كل دراسات الشبكة، خذ حجم المواقع على الإنترنت مثلا، والتي ترتبط ببعض البعض عبر مساحة معقدة من الشبكة.
(توزيع قانون القوة Power law، هو قانون إحصائي، يهدف إلى بيان نوع من الظواهر الإحصائية غير الخطية، والتي يتبين فيها أن عددًا صغيرًا من العناصر تنسب إليه أكثر من 95% من الظاهرة، وله عديد من الصيغ الرياضية، ومثاله: عندما نحلل توزيع الثروة، نجد أن عددًا قليلًا جدًا من المليارديرات، يسيطرون على أكثر من 80% من الثروة، وهكذا.. ويمثّل له بمنحنى منحدر كما في الصورة المرفقة، وهذه الصورة أيضًا شرح للفقرة التالية، حيث تشير إلى توزيع القوى بالنسبة لصفحات الإنترنت، حيث تحيل أغلب صفحات الإنترنت إلى صفحات داخلية في مواقع أخرى، ومن ثم فعدد صفحات قليل يستحوذ على أكبر عدد من الصفحات الأكبر:

نفس الأمر في مثال الأوبئة، حيث يبدأ الوباء عند مجموعة صغيرة من حاملي الوباء، لكن مع التفاعل الاجتماعي بين الناس بعضهم بعضًا، ينتشر الوباء، لكن أسباب حدوثه غالبًا ما تكون عدد قليلًا جدًا من الأشخاص حاملي الوباء، وهكذا وهكذا..
الآن لاحظ الشكل الذي تتبعه الحروب في الصورة أول المقال، ستجد أنها تتبع نمط التوزيع هذا نفسه.
(ملاحظة من المُراجع)

كثير من المواقع على الانترنت مرتبطة بعدد أقل من المواقع الأخرى، ولكن عددًا ضئيلًا من هذه المواقع الإنترنتية متصل بأرقام كبيرة من المواقع الأخرى. لا شك أن الفرق في الانتشار يختلف باختلاف المضاعفات الرقيمة: هذا هو توزيع قانون القوة.

إن حجم الأوبئة التي تنتشر عبر التفاعلات الاجتماعية يتبع نمط التضاعف الرقمي، الغالبية العظمى من مسببات الأوبئة صغيرة العدد، لكن تتضاعف قيمته لتؤثر على ملايين كثيرة من الناس، حتى حجم حرائق الغابات، والذي ينتشر عبر الارتباط المكاني بين الأشجار يتبع توزيع قانون القوة.

النتيجة الرئيسية التي اكتشفها باردي وزملاؤه هي أن بيانات الصراع العنيف تُظهر بوضوح ميزة قانون القوة هذا. معظم الصراعات العنيفة تتضمن عددًا قليلًا من الوفيات، ولكن هذا العدد القليل يؤدي إلى عديدٍ من الملايين من الوفيات ” يبدو أن الحرب تتبع ذات القوانين الإحصائية التي تتبعها الظواهر الكارثية، مثل الأعاصير، الزلازل، تسونامي، الفيضانات والانهيارات الأرضية، والتي يتبع توزيعها قانون قوة مقارب -بحسب برادي وزملائه-.

تنبع أهمية هذا التحليل من كونه يمكّن المنظّرين الشبكيين من دراسة الحرب مستخدمين أدوات رياضية مطورة لشريحة عريضة من الظواهر الشبكية، وتهب منظور جديد لطبيعة ومسببات الحرب

يركز المؤرخون -على سبيل المثال- على أسباب معينة دافعة للحرب، لكن هذه المنهجية الجديدة تقترح أن المحفز لا يحدد النتيجة النهائية للحرب.

ثمة تشابه مماثل كامن في حرائق الغابات، حجم هذه الحرائق لا يمت بصلة إلى حجم الشرارة التي سببتها، ولكنه معتمد على شبكة العلاقات بين الأشجار، وهذا متغير عبر الوقت.

وكذلك الأمر لحجم الحرب، فإنه لا يمت بصلة للواقعة التي سببتها، إنما هو معتمد على شبكة من التوترات السياسية، الاجتماعية والاقتصادية الواقعة حينها، من العسير قياسها، لذلك يجب أن تقابل بالشك كل تلك الادعاءات التي تقول إنه يمكن مقاومة الحرب تحت ظروف معينة.

 يستخدم برادي وزملاؤه هذه النظرية لفحص فكرة (الإنسانية ” أصبحت أكثر سلميّة”) قائلين إن الدليل غير مقنع حاليا، وقد خلصوا إلى أن “الدليل الداعم لفكرة أن الإنسانية تتقدم نحو عالم آمن ضئيل”، وذلك لأن الحروب أصبحت أقل حدوثًا، لكنها أشد دمارًا.

لا تبدو منهجية برادي وزملاؤه جديدة أو بدعا من الطرق أبدا، بدأ كثير من الباحثين ينظرون إلى الحرب من الزاوية ذاتها خلال العشرين سنة الأخيرة، تكمن أهمية العمل الجديد في أنه يجمع الجهود السابقة من خلال تطبيقها على واحدة من أضخم قواعد بيانات الصراع العنيف للمرة الأولى.

هذا النوع من الجهد أيضا يضع السلام النسبي بعد الحرب العالمية الثانية في الزاوية الصحيحة. في العام المنصرم، طبق أرون كلاوست في جامعة كولورادو في بولدر استراتيجية مشابهة على قاعدة بيانات صغيرة من الصراعات العنيفة، وخلُص إلى أن السلام الحالي مقدّر له أن يستمر في حدود الـ 100 عام، بعد ذلك يمكننا أن نبدأ في التفكير في كونه يعكس تغيرًا حقيقيًا.

على المنوال ذاته، يجعل هذا احتمالية نشوب صراع عظيم مرتفعة بصورة باعثة على القلق، وكما يقول كلاوست: «يبدو أن الأنماط التاريخية للحرب توحي أن الأمان الطويل قد يبدو أكثر هشاشة مما يعتقده المؤيدون».

بواسطة
كتبت المقالة عن الورقة البحثية التالية
المصدر
technology review

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق