العلم

تأثير داروين في الفكر المعاصر

  • إرنست ماير
  • ترجمة: عبد الله الشامي
  • مراجعة: خالد الشايع
  • تحرير: خلود الحبيب

 

من الواضح أن تصورنا للعالم ومكاننا فيه في بداية القرن الحادي والعشرين قد تغير تغيرًا عميقًا من فترة ازدهار الثقافة في بداية القرن التاسع عشر، ولكن لا يوجد إجماع على مصدر هذا التغير الجذري، فغالبًا ما يذكر كارل ماركس، وأحيانًا ينسب ذلك أو ينفى نسبته إلى سيغموند فرويد. أما كاتب السيرة الذاتية لألبرت أينشتاين المؤلف “إبراهام بايز” فادعى ادعاء عريضًا بأن نظريات أينشتاين قد غيرت جذريًا طريقة تفكير الرجال والنساء المعاصرين بخصوص ظاهرة الطبيعة الجامدة، ولم يمض وقت طويل على قول “بايس” لهذا حتى أدرك مقدار المبالغة في كلامه، فكتب “من الأفضل عمليًا أن نقول؛ العلماء المعاصرين، وليس النساء والرجال المعاصرين؛ لأن المرء يحتاج إلى دراسة طويلة في أسلوب التفكير الفيزيائي والتقنيات الرياضية ليقدر مساهمات أينشتاين حق قدرها. وفعلًا فإن هذه المحدودية تصح على كل النظريات الغريبة في الفيزياء المعاصرة، والتي كانت لها تأثير محدود على طريقة فهم الشخص العادي للعالم.

ولكن الوضع يختلف جوهريًا في حالة مفاهيم علم الحياة “البيولوجيا” فإن كثيرًا من الأفكار البيولوجية خلال 150 عامًا الماضية كانت في نزاع مباشر مع ما يفترض معظم الأشخاص صحته، وقبول هذه الأفكار احتاج إلى ثورة فكرية، ولا يوجد بيولوجي تحمل ثقل المسؤولية عن التغيرات الأكثر عمقًا في الرؤية الكونية للشخص العادي أكثر من تشارلز داروين.

لقد كانت إنجازات داروين كثيرة ومتنوعة بحيث أنه من المفيد أن نميز ثلاث مجالات ساهم فيها بشكل رئيسي: البيولوجيا التطورية، فلسفة العلم، والفكر المعاصرة. ورغم أنني سأركز على هذا المجال الأخير ولكن لغاية اكتمال العرض سأذكر عرضًا موجزًا لمساهماته في المجالين الآخرين وبالأخص من حيث إنها تلقي الضوء على أفكاره الأخيرة.

نظرة علمانية للحياة

أسس داروين فرعًا جديدًا لعلم الحياة وهو البيولوجيا التطورية، وهنالك أربعة مساهمات له في البيولوجيا التطورية ذات أهمية خاصة؛ لأن تأثيرها يتجاوز هذا الاختصاص. المساهمة الأولى هي عدم ثبات الأنواع الحية أو الفهم المعاصر لنظرية التطور، المساهمة الثانية هي فكرة التطور المتفرع الذي يقتضي وجود سلف المشترك لكل الأنواع الحية على الأرض من مصدر وحيد متفرد. حتى عام 1859 كانت كل المقترحات التطورية مثل مقترح عالم الطبيعة لامارك تقوم على التطور الخطي الذي يعتمد الغاية ويرتقي نحو الكمال. وهو الذي كان منتشرًا منذ وجود مفهوم أرسطو عن سلسلة الموجودات. ثم لاحظ داروين لاحقًا أن التطور يجب أن يكون تدريجيًا دون انقطاعات كبيرة أو فراغات. وأخيرًا جادل داروين منطقيًا بأن آلية التطور هي الانتقاء الطبيعي.

إن الأفكار المفيدة الأربعة قد خدمت كقاعدة لتأسيس داروين لفرع جديد في فلسفة العلم هو فلسفة البيولوجيا، ورغم مرور قرن قبل أن ينمو هذا الفرع الفلسفي ويكتمل، فإن شكله النهائي قد بني على المفاهيم الداروينية. على سبيل المثال قدم داروين مفهوم التاريخية في العلم، البيولوجيا التطورية عند مقارنتها مع الفيزياء والكيمياء هي علم تاريخي – لأن عالم التطور يحاول تعليل أحداث وعمليات انتهت في الماضي، القوانين والتجارب ليست تقنيات ملائمة لاستنباط هذه الأحداث والعمليات، بل على العكس يبني المرء سردًا تاريخيًا يتألف من إعادة بناء تجريبية لسيناريو محدد أدى لهذه الأحداث التي يحاول أن يفسرها.

على سبيل المثال افترضت ثلاث سيناريوهات لتعليل الانقراض المفاجئ للديناصورات في نهاية العصر الطباشيري: وباء قاتل، أو تغير كارثي في المناخ، أو سقوط نيزك على الأرض وقد سميت هذه بنظرية الفاريز ALVAREZ، وقد رفض أول مقترحين نتيجة عدم توافقهما مع الأدلة، وقُبل السرد الأخير لنظرية “الفاريز” لاتساقه مع كل الحقائق المعروفة، وهي الآن النظرية المقبولة على نطاق واسع لتعليل انقراض الديناصورات. إن اختبار السرديات التاريخية يقتضي أن الفجوة الواسعة بين العلم المعاصر، والعلوم الإنسانية التي كانت تؤرق الفيزيائي “سي بي سنو” ليست موجودة عمليًا، وذلك لوجود منهجية البيولوجيا التطورية وقبوله الزمن كعامل يجعل التغيير ممكنًا، وهكذا تخدم البيولوجيا التطورية كجسر.

إن اكتشاف الانتقاء الطبيعي من قبل داروين وألفرد والاس يجب اعتباره بحد نفسه تقدمًا فلسفيًا غير اعتيادي، فقد بقي المبدأ مجهولًا على مدى أكثر من ألفي عام من الفلسفة من أيام الإغريق إلى أيام ديفيد هيوم وكانط والعصر الفيكتوري. إن لمفهوم الانتقاء الطبيعي قدرة مميزة على تفسير التغيرات الموجهة والتأقلمية. وطبيعته تكمن في البساطة ذاتها. فهو ليس قوة كالقوى الموصوفة في قوانين الفيزياء؛ فآليته ببساطة هي التخلص من الأفراد الأدنى inferior. وعملية التخلص غير العشوائية هذه حثت الفيلسوف المعاصر لداروين “هربرت سبنسر” أن يصف التطور بتعبير أصبح مألوفًا اليوم “البقاء للأصلح” (وقد تعرض هذا الوصف طويلًا للسخرية بأنه تفكير دائري: “من هو الأصلح؟ أولئك الذين بقوا” وفي الحقيقة يمكن لتحليل دقيق أن يحدد لماذا يفشل أفراد معينون في العيش في ظروف معينة.)

والإنجاز المميز حقيقة لمبدأ الانتقاء الطبيعي، أنه يجعل من غير الضروري استدعاء “الأسباب النهائية” – ويعني ذلك أي قوى غائية تقود إلى هدف محدد. وفي الواقع لا يوجد أي شيء قد حدد مسبقًا. كما أن هدف الانتقاء قد يتغير من جيل إلى الجيل التالي، بحسب تغير الظروف البيئية.

وجود المجموعة المتنوعة ضرورية لعمل الانتقاء الطبيعي بشكل مناسب. (ونجاح داروين يعني أن علماء التصنيف typologists الذين يكون بالنسبة لهم كل أفراد الصنف متطابقين أساسًا، قد تُركوا بوجهة نظر لا يمكن الوصول إليها). ونظرًا لأهمية التباين، يجب اعتبار الانتقاء الطبيعي عملية من خطوتين: إنتاج تباينات واسعة يليها إزالة للأفراد الأقل قيمة. وهذه الخطوة الأخيرة هي خطوة موجهة. وعبر اعتماد الانتقاء الطبيعي فإن داروين قد حسم نقاشًا يدور بين الفلاسفة منذ آلاف من السنين بخصوص الصدفة والحاجة. فالتغير على الأرض هو كلاهما معًا، الخطوة الأولى يسيطر عليها العشوائية، والخطوة الثانية تسيطر عليها الحاجة.

اتسم داروين بتفكير شمولي holist: فعنده يكون هدف أو نتيجة الانتقاء بشكل أولي هو الفرد ككل. أما عند علماء الوراثة تقريبًا من 1900 وما بعدها فأقرب للروح الاختزالية reductionist وفضلوا اعتبار المورثة “الجين” كهدف يعمل عليه التطور. ولكنهم عادوا خلال 25 سنة الماضية إلى وجهة النظر الداروينية بأن الفرد هو العامل الرئيسي.

وعلى مدى 80 عامًا بعد 1859 ثار جدل مرير حول صحة أحد أربع نظريات تطورية. التطافر transmutation وهو تأسيس نوع حي جديد عبر طفرة واحدة أو قفزة saltation، ونظرية التطور الموجه Orthogenesis التي تقول بأن ميولًا غائية داخلية أدت لتغيرات الشكل. ونظرية التطور اللاماركية التي اعتمدت على وراثة الصفات المكتسبة، والآن توجد نظرية التطور لداروين بالتغير عبر الانتقاء الطبيعي. وقد انتصرت نظرية داروين في هذا الجدل بصياغة التركيبية التطورية evolutionary synthesis في أربعينيات القرن العشرين. وذلك بدمج الاكتشافات الحديثة في علم الوراثة مع الملاحظات التصنيفية taxonomic بخصوص علم تصنيف الأحياء وتسميتها systematics، أي تصنيف الأحياء وفق علاقاتها. وتعتبر الداروينية اليوم مقبولة بالإجماع من قبل علماء التطور المعروفين، كما أنها أصبحت المكون الأساسي لفلسفة البيولوجيا الجديدة.

وهنالك مبدأ مهم جدًا للفلسفة البيولوجية الجديدة، اكتشف بعد قرن من نشر كتاب أصل الأنواع، وهو الطبيعة الثنائية للعمليات البيولوجية. فهذه الأنشطة تحكمها كلٌ من القوانين العامة للفيزياء والكيمياء والبرنامج الوراثي الذي هو نفسه نتاج الانتقاء الطبيعي، الذي قولب النمط الجيني لملايين الأجيال. إن العامل السببي لامتلاك برنامج وراثي تتفرد به الكائنات الحية، غائب كليًا عن عالم الجمادات. ونتيجة لتخلف حالة المعرفة الجزيئية والوراثية في عصره كان داروين يجهل هذا العامل الهام جدًا.

والمنحى الآخر للفلسفة البيولوجية الجديدة يتعلق بدور القوانين، فالقوانين تقدم سبيلًا للمفاهيم في الداروينية. كقاعدة تبنى النظريات في العلوم الفيزيائية على القوانين، على سبيل المثال، قوانين الحركة أعطت نظرية الجاذبية. ولكن البيولوجيا التطورية تبنى فيها النظريات غالبًا على مفاهيم مثل التنافس واختيار الأنثى والانتقاء والاستبدال succession والسيطرة dominance. وهذه المفاهيم البيولوجية والنظريات التي بنيت عليها، لا يمكن اختزالها إلى قوانين ونظريات العلوم الفيزيائية. ولم ينص داروين على هذه الفكرة بوضوح، وتأكيدي لأهمية داروين في الفكر المعاصر هي نتيجة تحليل النظرية الدارونية خلال القرن الماضي، فخلال هذه الفترة حدث تغير كبير في منهجية البيولوجيا. وهذا التغير لم يحدث فقط نتيجة لداروين، ولكنه اشتد قوةً نتيجة التطورات التي حدثت في البيولوجيا التطورية. فالملاحظة والمقارنة والتصنيف وكذلك الاختبار للسرديات التاريخية المتنافسة، أصبحت طرقًا تعمل عليها البيولوجيا التطورية، وترجح على التجريب المعملي experimentation.

ولا أدعي أن داروين كان المسؤول الأوحد عن كل التطورات الفكرية في هذه الفترة، فكثير من هذه التطورات، مثل رفض النزعة الحتمية عند الفيزيائي وعالم الرياضيات “بيير سيمون لابلاس”، والتي كان رفضها قاب قوسين في ذلك الوقت. ولكن داروين في معظم الحالات، إما كانت له الأولوية، أو عزز الرؤى الجديدة بقوة.

 

ثقافة عصر الداروينية

ينظر المرء في القرن الحادي والعشرين على العالم بنظرة تختلف تمامًا عن نظرة المواطن في العصر الفيكتوري. ولهذا الانتقال في الرؤية مصادر متعددة، وبالأخص التقدم الهائل في التقنية، ولكن ما لا يتم تقديره هو المدى الكبير الذي أنتجته أفكار داروين حقًا على هذه النقلة في التفكير.

ولنتذكر أنه في عام 1850 كان كل العلماء والفلاسفة المرموقين رجالًا مسيحيين، والعالم الذي يسكنون فيه قد خلقه الله، وكما ادعى اللاهوتيين الطبيعيين، قد وضع الإله قوانين حكيمة أثمرت تأقلمًا تامًا لكل الكائنات مع بعضها، ومع بيئتها. وفي نفس الوقت فإن مهندسي الثورة العلمية قد بنوا رؤية كونية تعتمد مذهب الفيزيائية Physicalism [المذهب القائل بأن الوجود المادي هو الوجود الوحيد –المترجم] (وهو اختزال للأشياء والأحداث الزمكانية أو خصائصها)، والغائية والحتمية ومبادئ أساسية أخرى. وهكذا كان تفكير الإنسان الغربي قبل نشر كتاب أصل الأنواع عام 1859. والمبادئ الأساسية التي اقترحها داروين ستعارض تمامًا هذه الأفكار السائدة.

أولًا رفضت الدارونية كل الظواهر والأسباب فوق الطبيعية، وتفسر نظرية التطور بالانتقاء الطبيعي التأقلم والتنوع في العالم بأسلوب مادي محض، فهي لا تتطلب وجود الله كخالق أو مصمم (رغم أن المرء لا زال حرًا ليؤمن بالله حتى وإن قبل نظرية التطور). وقد أشار داروين بأن الخلق كما وصف في الكتاب المقدس ووصف النشأة في الثقافات الأخرى، يناقض تقريبًا كل منحى من مناحي العالم الطبيعي. فكل منحى من “التصميم الرائع” الذي أعجب به اللاهوتيين الطبيعيين، يمكن أن يعلل بالانتقاء الطبيعي. (كما أن نظرة متفحصة تكشف أن التصميم ليس رائعًا – انظر مقال “التطور ومنشأ الأمراض”، لراندولف إم نيسي و جورج سي ويليامز، ساينتفك أميريكان، عدد نوفمبر 1998.) فإزالة الإله من العلم أفسحت المجال لتفسيرات علمية محضة لكل الظواهر الطبيعية؛ وقد أدى هذا لظهور مذهب الوضعية المنطقية Positivism، كما أنتج ثورة فكرية وروحية قوية، لاتزال آثارها إلى اليوم.

ثانيًا ترفض الدارونية علم الأنماط Typology. من عصر فيثاغورث وأفلاطون فإن المفهوم العام لتنوع العالم كان يؤكد على ثباته وعدم تغيره، وتسمى وجهة النظر هذه علم الأنماط أو نزعة الأساسيات essentialism. وكان يقال إن التنوع الظاهر يتألف من عدد محدد من الأنواع الطبيعية natural kinds (أسس essences أو أنماط types)، ويشكل كل منها طائفة class. واعتقد أن أفراد كل فئة متطابقون وثابتون ومنفصلون تمامًا عن الأعضاء في الأسس الحيوية الأخرى.

والتغير بالمقابل غير أساسي وعرضي، يوضح المثلث نزعة الأساسيات: كل المثلثات لها الخصائص الأساسية نفسها، ويمكن تمييزها بسهولة عن الشكل الرباعي، أو أي شكل هندسي آخر. ولا يمكن تصور مرحلة وسطى بين شكل رباعي والمثلث، التفكير وفق الأنماط لا يمكنه استيعاب التغير، ويعطي تصورًا مضللًا عن الأعراق البشرية، بالنسبة لمتبع علم الأنماط فإن القوقازيين والأفارقة والآسيويين والإسكيمو، أنماط تختلف بطريقة غير واضحة عن المجموعات الإثنية البشرية الأخرى. وهذا النمط من التفكير سيؤدي إلى العنصرية. (رغم أن التطبيق الجاهل لنظرية التطور والمعروف باسم “الدارونية الاجتماعية” يلام عادة على تبريره للعنصرية، فالتمسك بنزعة الأساسيات، التي أبطلت، قبل داروين يمكن أن يؤدي في الواقع إلى رؤية عنصرية).

رفض داروين كليًا التفكير وفق الأنماط وقدم بدلًا عنه مفهومًا مختلفًا تمامًا يدعى اليوم التفكير السكاني population thinking فكل التجمعات من الكائنات الحية بما في ذلك البشر، هم سكان populations يتألفون من أفراد مختلفين بشكل متفرد، فلا يوجد أي شخصين متطابقين ضمن ستة مليارات من البشر، ولا تختلف الجمهرات السكانية بأسسها (أنماطها) ولكن تختلف عبر فروق إحصائية، وعبر رفض داروين لثبات الجمهرات السكانية ساعد داروين في تقديم التاريخ ضمن التفكير العلمي وتعزيز مقاربة جديدة متميزة للتعليل التفسيري في العلم.

ثالثًا جعلت نظرية داروين للتطور بالانتقاء الطبيعي من غير الضروري استدعاء أي رؤية غائية teleology، فقد وجد منذ زمن الإغريق اعتقاد عام بوجود قوة غائية في العالم تقوده نحو الكمال، وهذا “السبب النهائي” كان أحد الأسباب التي حددها أرسطو، وبعد أن حاول كانط دون نجاح في كتاب “نقد الحكم” أن يحاول وصف الظواهر الطبيعية بمساعدة تفسير نيوتوني فيزيائي، استدعى بعد ذلك القوى الغائية، وحتى بعد عام 1859 استمرت التفسيرات الغائية (التطور الموجه) بالوجود بشكل شائع جدًا البيولوجيا التطورية. وقبول سلم الموجودات Scala Naturae وقبول تفسيرات اللاهوت الطبيعي كانت تظاهرات أخرى لشعبية الغائية، لكن الدارونية قضت على هذه الاعتبارات.

(وسم “غائي teleological” طبق عمليًا على ظواهر مختلفة، فكثير من العمليات التي تبدو موجهة نحو غاية في الطبيعة غير العضوية هي نتائج بسيطة لقوانين الطبيعة – الحجر يسقط أو قطعة المعدن المسخن تبرد نتيجة لقوانين الفيزياء، وليس بسبب عملية موجهة بالغاية، والعمليات في الكائنات الحية تأخذ مظهرها الموجه نحو الغاية نتيجة لعمل برنامج داخلي وراثي أو مكتسب، والأنظمة التي تأقلمت مثل القلب والكلية، قد تدخل في أنشطة يمكن اعتبارها تسعى لغاية، ولكن هذه الأنظمة نفسها اُكتسبت خلال التطور، ويتم ضبطها بشكل مستمر عبر الانتقاء الطبيعي. وأخيرًا وجد اعتقاد بالغائية الكونية، أي وجود غاية أو هدف محدد مسبقًا ينسب لكل شيء في الطبيعة، لكن العلم المعاصر لا يستطيع أن يدعم وجود أي غائية كونية مثل هذه).

رابعًا ألغى داروين نزعة الحتمية، فقد تفاخر لابلاس بشكل أرعن أن المعرفة التامة للعالم الحالي وكل عملياته ستمكنه من توقع المستقبل إلى ما لا نهاية، لكن داروين بالمقارنة مع لابلاس، قبل بعمومية العشوائية والصدفة عبر عملية الانتقاء الطبيعي. (كان عالم الفلك والفيلسوف جون هيرشل John Herschel يشير إلى الانتقاء الطبيعي بسخرية بأنه قانون “اختلط الحابل بالنابل.”) كما عبر أينشتاين عن هذا النفور بقوله “الله لا يلعب بالنرد”. بالطبع كما ذكرنا سابقًا؛ فإن الخطوة الأولى في الانتقاء الطبيعي، أي إنتاج التغيرات، هي الأمر المعتمد على الصدفة، أما الخطوة التالية وهي الانتقاء الفعلي فتتصف بالتوجيه Directional.

ورغم الممانعة الأولية من قبل الفيزيائيين والفلاسفة لدور التصادف والصدفة في العمليات الطبيعية فهو تقريبًا دور معترف به عمومًا، يرفض كثير من البيولوجيين والفلاسفة وجود قوانين عامة في البيولوجيا ويقترحون بأن يعبر عن كل الانتظامات regularities بمصطلحات احتمالية، لأنه تقريبًا يوجد لكل ما يسمى قوانين بيولوجية استثناءات؛ ولذلك لا يمكن في هذه الحالات تطبيق اختبار قابلية الدحض Falsification المشهور الذي وضعه فيلسوف العلم كارل بوبر.

خامسًا التطور الدارويني رؤية جديدة للإنسانية، وبدورها نزعة جديدة لمركزية الإنسان anthropocentrism. فمن بين كل طروحات داروين كان المقترح الأصعب تقبلًا من معاصريه هو تطبيق نظرية السلف المشترك على الإنسان، فعند اللاهوتيين والفلاسفة على حد سواء، الإنسان مخلوق مستقل عن الكائنات الحية الأخرى وأسمى منها، وقد أجمع أرسطو وديكارت وكانط على هذا الرأي، مهما اختلف تفكيرهم بخصوص غيره. ولكن البيولوجي توماس هكسلي وإرنست هيكل كشفا عبر دراسة تشريح مقارن واسعة بأن البشر والقرود الحالية apes تمتلك بوضوح سلف مشترك، وهذا تقييم لم يتم التشكيك به بشكل جاد في العلم إطلاقًا. وتطبيق نظرية السلف المشترك على الإنسان تحرم الإنسان من موقعه المتفرد السابق.

ولكن للسخرية فإن هذه الأحداث لم تؤدِ لإنهاء نزعة المركزية الإنسانية، فدراسة الإنسان بينت أنه رغم تطوره من غيره، يتفرد بالفعل بين كل الكائنات. فلا يمكن مقارنة الذكاء البشري بذكاء أي مخلوق آخر. والبشر هم الحيوانات الوحيدة التي لها لغة حقيقة true language، تحوي القواعد والنحو grammar and syntax. والبشرية فقط كما أكد داروين قد طورت نظم أخلاق أصيلة genuine ethical systems. كما أن البشر عبر الذكاء العالي واللغة والرعاية الأبوية الطويلة هم المخلوقات الوحيدة التي أنشأت ثقافة غنية. وعبر هذه الأدوات اكتسبت البشرية، سواء كان ذلك خيرًا أم شرًا، السيطرة غير المسبوقة على الكرة الأرضية كلها.

سادسًا قدم داروين الأساس العلمي للأخلاق، يثار السؤال أحيانًا – ويعامل بقسوة عادة – بخصوص إن كانت نظرية التطور تقدم تعليلًا لوجود الأخلاق البشرية الصحيحة. ويتساءل الكثيرون طالما الانتقاء يكافئ الفرد فقط على السلوك الذي يعزز بقاءه الخاص ونجاح تكاثره، أي أنانية محضة، فكيف يؤدي إلى أي أخلاق جيدة، وكان لانتشار فرضية الدارونية الاجتماعية Social Darwinism على نطاق واسع والتي بدأت على يد سبنسر في القرن التاسع عشر، قد أعطت انطباعًا بأن التفسيرات التطورية على النقيض من تطور الأخلاق.

ولكننا نعلم اليوم أنه في الأنواع الحية الاجتماعية لا يكون الانتقاء مستهدفًا للفرد فقط بل يستهدف المجموعة الاجتماعية أيضًا، وقد طبق داروين هذا التفكير على النوع الإنساني في عام 1871 في كتاب تطور الإنسان  The Descent of Man إن بقاء وازدهار مجموعة اجتماعية يعتمد بمدى كبير على التعاون المتناغم لأفراد المجموعة، وهذا السلوك يجب أن يبنى على الإيثار altruism. وهذا الإيثار بدفعه لبقاء وازدهار المجموعة يفيد بشكل غير مباشر ملائمة أفراد المجموعة، والنتيجة يختار الانتقاء الطبيعي السلوك الإيثاري.

انتقاء الأقارب والمساعدة المتبادلة بالأخص سيتم تفضيليها في المجموعة الاجتماعية، وهذا الانتقاء للإيثار قد تبين في السنوات السابقة أنه واسع الانتشار عند كثير من الحيوانات الاجتماعية الأخرى، وربما يمكن للمرء أن يلخص فيقول أن الانتقاء الطبيعي يفضل الميل للإيثار والتعاون المتناغم في المجموعات الاجتماعية، والفرضية القديمة للدارونية الاجتماعية – الأنانية المفرطة – قد بنيت على فهم قاصر للحيوانات وبالأخص للأنواع الاجتماعية.

 

تأثير المفاهيم الجديدة

وسأحاول الآن أن ألخص نتائجي الرئيسية، لا يوجد أي شخص متعلم يشكك في صحة ما يسمى نظرية التطور، والتي نعلم اليوم أنها حقيقة بسيطة. وبالمثل فمعظم طروحات داروين المعينة قد تم تأكيدها مثل السلف المشترك والتدرجية في التطور ونظريته التفسيرية بالانتقاء الطبيعي.

وأرجو أن أكون قد وفقت في توضيح سعة انتشار أفكار داروين، نعم لقد أسس فلسفة البيولوجيا بتقديم عامل الزمن فيها، وبتوضيح أهمية الفرصة والتصادف، وبتبيين أن نظريات البيولوجيا التطورية قد بنيت على مفاهيم وليس على قوانين، وربما كان أعظم مساهمات داروين أنه طور مجموعة من المبادئ الجديدة التي أثرت على تفكير كل شخص: يمكن للعالم الحي عبر التطور أن يفسر دون اللجوء إلى ما فوق الطبيعة، وأن نزعة الأساسيات أو علم الأنماط غير صحيحة، وأنه يجب أن نعتمد التفكير بالجمهرات السكانية، والذي يكون وفقه كل الأفراد متميزين (وهذا مهم في التعليم ورفض العنصرية)؛ كما إن الانتقاء الطبيعي عند تطبيقه على المجموعات الاجتماعية يكفي فعليًا لتعليل منشأ النظم الإيثارية والمحافظة عليها، وأن الغائية الكونية التي تعني عملية داخلية تقود الحياة تلقائيًا نحو كمال أعظم على الدوام هي أمر باطل، وأن كل الظواهر التي تبدو غائية قابلة للتعليل عبر عمليات مادية محضة؛ وأن النزعة الحتمية قد رفضت بالتالي وهذا يضع قدرنا فعلًا بأيدينا التي تطورت.

وبكلمات داروين يوجد عظمة في هذه الرؤية للحياة، فأساليب جديدة للتفكير تطورت وهي تتطور الآن، وتقريبًا كل مكون في نظام اعتقاد الإنسان قد تأثر بطريقة ما بالمبادئ الدارونية.

 

  • هذا المقال مبني على ما ورد في عدد 23 سبتمبر 1999، وهي محاضرة ألقاها ماير في ستكهولم عند استلام جائزة كرافورد من الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم.
  • ملاحظة المحرر: نشرت هذه القصة بداية في عدد الشهر السابع من عام 2000 من مجلة ساينتفك أمريكان، وقد أعيد نشرها بمناسبة مرور 150 عامًا على صدور كتاب تشارلز داروين أصل الأنواع.

المصدر: semanticscholar

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق