الفلسفة

الثقافة والمثقف ومأزق الذات من منظور فلسفي

  • خالد الغيلاني

إطلالة:

في كتاب “المثقفون المغالطون” لبسكال بونيفاس ترجمة عبدالرحمن مزيان: يحكى أن فرنسوا ميتران حين انتخب رئيسًا للجمهورية واستضافته مارغريت تاتشر في المملكة المتحدة، طلب لقاء مثقفين فردوا عليه أن بإمكانهم إيجاد كتّاب، مؤرخين، فلاسفة، وباحثين لا مثقفين. وعنون الكاتب لهذه المقدمة: فرنسا البلد الذي فيه المثقفون ملوكًا.

التعليم أو التثقيف

كلمة التعليم Education في اللغة الإنجليزية لها جذران لاتينيان مختلفان “educare” تعني: التدريب، أو التشكيل و”educere” وتعني lead out، وبعضهم يرى أن الكلمة “Education” مشتقة من الكلمات اللاتينية:

educare، educer، educatum، E + duco،educatus، educatio

وبالنسبة للكلمة اللاتينية:”E + duco” فالمصطلح “E”: يعني “الخروج من” و”duco” تعني “القيادة”، وفسرت أيضا “Educo”: بأنها تعني تحرير الذات وتمكينها من الداخل.

وفي مقاييس اللغة: العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على أثَرٍ بالشيء يتميَّزُ به عن غيره‏.‏ من ذلك العَلامة، وهي معروفة‏.‏ يقال‏:‏ عَلَّمت على الشيء علامة‏.‏ ويقال‏:‏ أعلم الفارس، إذا كانت له علامةٌ في الحرب‏.‏ وخرج فلانٌ مُعْلِماً بكذا‏.‏ والعَلَم‏:‏ الراية. أهـ. وأما التعليم فهو من توليد المصطلح على المصادر تجده عند الجرجاني كمصطلح التجريد، والتأويل، وعند التهانوي من رجالات القرن الثاني عشر الهجري في معجمه “كشاف اصطلاحات الفنون”؛ نجد مصطلح التثقيل، والتأريخ، ومصدر التفعيل له معانٍ مختلفة فإنك تجد مصدر التمهير بمعنى استنتاج الخيل وتجده بمعنى اتخذ الأمهار، ويأتي بمعنى نقل المهارة كما في لفظة التعليم التي تعني نقل التعليم للغير ويجتمع فيها ( التأثير + التميز+ القيادة ) فتكون قريبة من مدلولات المصطلح الأجنبي.

وكلمة التعليم في جميع اللغات تعني تطوير الصفات، وطبيعة القوة الكامنة لدى المرء، والعمل على إثباتها عمليًا؛ ومن ثم يمكن اعتبار الشخص متعلمًا إذا طور معرفته، ومهاراته بطريقة تؤدي إلى المساهمة الإيجابية في المجتمع، فاكتساب المعرفة واستخدامها في سعادة الآخرين يجعل الإنسان متعلمًا حقًا ؛ ولهذا فإن المعرفة المكتسبة من خلال التعليم ضرورية لأي مجتمع يطمح للازدهار.

دور المثقف ومأزق الذات

لابد للشخص المتعلم أن يكون ذا مسؤولية اجتماعية، فيقوم بإنشاء أسرة، ومنزل جيد، وهو ما أكده أرسطو أن الأسرة هي أصغر وحدة وأول مدرسة في حياة أي شخص. وهذا ما يجعلنا نطور مفهوم الأسرة، فهي ليست فقط لتربية الأبناء بل أنها قد تكون مدرسة للآباء أنفسهم من خلال عملهم على تطوير مهاراتهم حتى يواكبوا النمو العقلي والبدني للأبناء، أو بواسطة اكتساب مهارات جديدة عن طريق الأبناء أنفسهم، وبالطبع يمكن للشخص المتعلم استخدام معرفته لتثقيف الناس حول حقوقهم، وواجباتهم كما يمكنه نشر ثقافة الحب بينهم، وتشجيع الأجيال الشابة للاضطلاع بمسؤولياتها؛ لبناء شخصية وطنية صلبة؛ بتعميق الإرث المكتسب للأجداد المؤسسين كما يمكنه أن يخلق فيهم انسجاما اجتماعيا؛ كل ذلك لتعزيز الوحدة الوطنية إلى غير ذلك من الأدوار التي تحض على الحفاظ على الموارد الطبيعية، أو تصحيح العادات الخاطئة كزواج الأطفال، وغلاء المهور، أو نشر قيم التسامح والاعتدال؛ مما يعني رفاهة مجتمعية، ومساهمة عالمية للدولة في الكيان العالمي الأكبر، وهو ما يسهم في تحقيق السلام والعدل العالميين،وهي مشاريع محترمة، وجديرة بالاهتمام في شخصية المثقف الذي قد يكون رجلًا دينيا أو شخصًا متعلما، ولكن المأزق الحقيقي في الموافقة بين عناصر مختلفة هي: “الحاجة المادية + النزعة الذاتية + طبيعة المجتمع + متطلبات النظام السياسي” ضمن ظروف راهنة، وفكرة حاملة ومحمولة للشخص في آن معًا، فالأفكار الجديدة لها حيويتها خاصةً إذا صدرت من أشخاص يتميزون بسمات غير عادية، وهيئة نافذة، فعندما كان سعد بن أبي وقاص في حربه مع الفرس وعامت الخيل في الماء، وخشي من غرقها قال له سلمان الفارسي: “إن الإسلام جديد، ذللت لهم البحارُ، والله كما ذُلل البر”، فهو لم يقل: إن الإسلام حق مع أنه حق بل قال جديد فمن المشاهد عند من يدرس المجتمعات والدول؛ أن الأفكار الجديدة دائما ما يسعفها القدر، وتنتشر إلى حدود معينة، وأزمنة قد تطول، وتقصر بحسب الهيكلية الموجودة في داخلها، فهناك أفكار ولّدت دولا، وعاشت قرونًا، وهناك أفكار ولدت جماعات لم يتعد عمرها الأيام أو الشهور ؛ لذلك قد يكون المثقف حبيسًا أو مرهونًا لهذه الأفكار الجديدة، أو الغالبة فيجري معها ويكيف من نفسه وفقها لأن العقل ابن بيئته، ولا يوجد عقل مستقل بذاته عن الخارج نعم وفقا لبعض المدارس الفلسفية هناك قضايا فطرية كما يزعم أفلاطون في “محاورة مينون” وبالضد منها نظرية أرسطو عن اللوح الفارغ “Tabula rasa”، وأن كل علم يبدأ من الحواس أو كما دار بين  الفيلسوف الإنجليزي جون لوك عندما أصدر كتابه “مقال في الفهم الإنساني”، مؤسسا للنظرة التجريبية، ومنتقدًا للديكارتيين ومعليًا من شأن الحواس، وبين الفيلسوف الألماني، لايبنز، وأدى إلى خروج أعظم الآثار التأليفية بين العقلانية والتجريبية. إلا أن تشكل المأزق الحقيقي للمثقف من خلال التوفيق بين الأنانة المتأصلة، وبين الواقع، أو ما يتطلبه الظرف، وفي الأثر الصحيح الموقوف: “فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ ما هم بمتَّبعي حتى أبتدعَ لهم غيرَه” وهذه هي الإنسانية المادية عندما تختفي الروح وتتجرد عن طبيعتها السماوية؛ لذلك فإن الجديد أحيانا قد يكون صورة عن إرادة السلطة، وفي الكامل للمبرد عن علي: يأتي على الناس زمان تكون العبادة استطالة على الناس. وقد يقول قائل هذا في الجوانب الدينية، لكن الاستطالة طبعي بشري متأصل، وما هذه إلا صورة من صورها، وهنا تكمن أزمة المثقف حيث أن التجرد للحق غير ممكن لكثيرين؛ فقد أشار ابن تيمية إلى أن كثيرًا من الاختلافات في المذاهب التي فيها تعصب، وتناحر سببه فساد النية وإرادة العلو في الأرض فيقول: “أو غلبته ليتميز عليه أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب أو بلد ونحو ذلك لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة وما أكثر هذا من بني آدم وهذا ظلم” وهذا يؤصل لذاتية الإنسان الذي يدور حول نفسه في كل تصرفاته؛ لذلك كان أرباب السلوك المتقدمين يتكلمون بشدة على التجرد، وهو ما يعني خلو الإرادة الخالصة مما يناقضها، وفي ذلك تتجلى مقامات العارفين، إلا أننا نرى شيئًا آخر في هذه الذاتية أنها الباعث لقيام الحضارات وازدهار العمران وتفوق الأمم، والمأزق الثقافي الحقيقي هو حرص الإنسان على تميزه واختصاصه بشيء لا يشركه فيه غيره؛ لأني وجدت خلاصة الحياة تتحقق في آية (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وقد يوضح هذا الشيء ما وقع لبعض الكتاب في أبيات يستشهد بها للزمخشري رحمه الله في تويتر:

وقائلةٍ أرى الأيام تعطي
لئام الناس من رزق حثيثِ

وتمنع من لهم شرف وفضل
فقلت لها خذي أصل الحديث

رأت جل المكاسب من حرامٍ
فجادت بالخبيث على الخبيثِ

ولو حللنا هذه الأبيات وقائلها لوجدنا ما يلي:

فلربما يقصد بهذا الرزق الجاه الدنيوي، والوجاهة، والمكانة بين الناس مع أن الآخذ لها لا يستحق لأنه ليس له فضل يعرف به إلا ما وهبه إياه الجد والحظ، ولكن لو تغلغلنا في دواخل هذا الكاتب الذي حاز الشهادات، والدرجات العلمية العالية، ورأى أنه أحق بذلك، وسألنا هل العلم لأجل العمل ونشر الخير أم لتحصيل المكانة، وهنا نستذكر الآية (وتعاونوا على البر والتقوى) فأنا بحق أتعلم لأجعل العالم أكثر سعادة لا لأجل أن أعطى المكانة وهذه وظيفة الأنبياء (قل لا أسألكم عليه أجرا) لا كما قال أحدهم: (ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي / لأخدم من لا قيت لكن لأخدما) لذلك فالمكسب الحرام حاصل لهذا الكاتب وهو حرام من جهة العرفان واقتراف القلب لغرض دنيوي فهو ومن ذمه سواء ؛ لذلك كان الشافعي أكثر وضوحا، وسلامة في المقصد عندما قال: (وددت أن الخلق يتعلمون هذا العلم، ولا ينسب إلي منه شيء) فالآية الآنفة الذكر هي خلاصة تفسيرية للحياة وأن نكون سفراء للسعادة، والأمل، والتفكير الجميل ؛ فإن حصل بعد ذلك شيء من المكانة فيكون كما قال أيوب السختياني أو غيره لا سبيل ألا تعرف ولكن تكره أن تعرف وفي وقتنا برزت قضيتان لم تكن موجودة قديما بهذا التركيز يدور في فلكها الكتاب وغيرهم: وهي الحب، والسعادة كما تجد عند من يعاني مهنة الحرف، والكتابة الأدبية أنه يثير فيك عندما يتكلم مثلًا عن جولاته السياحية، وزيارته للمقاهي وصالات السينما أنه يشتم روائحها ويكتنه أحاسيسها الغائرة ويستنطق صوامتها المحيطة به مع أن هذا غالبًا لا يقع، ولكنه القانون السائر في كل مهنة فتجد كل فريق له شرائط في الحديث، والأساليب المستخدمة بها يعرفون وإليها يحتكمون، وما هذا إلا ليتميزوا عن الدهماء والعامة، ويوهمون أن لديهم ما ليس عند غيرهم مع أن هذا الذي يجدونه لو وقع فإنه قد يقع أيضًا لعامة الناس ولكن ربما لا يحسنون وصفه، وقل في الحب أيضا مثل قيل في السعادة وقل مثل ذلك في الفنانين ومشاهير وسائل الإعلام حتى أن أستاذًا نيوزلنديًّا لي في اللغة الإنجليزية مع أنه غربي لخص هذه الأمر بطريقة ضاحكة فقال إذا نظرت إلى حياة هؤلاء، ونظرت إلى حياتك قلت وعندها أطبق على شفتيه وأصدر صوتًا أثار ضحك الحاضرين يريد أنها لا شيء لتتعمق عقدة النقص في الجماهير ويظلون هؤلاء وغيرهم أربابا من دون الله ويصدون عن سبيله وهم يوهمون الناس أنهم يريدون بها هدى وصلاحا كما قيل:

“PRETENDING TO BE HAPPY MAKES OTHER PEOPLE MISERABLE”

مع أن هذه المشاعر المفتعلة قد تخلق أدواء لأصحابها مع الوقت، فقد أظهرت الأبحاث في ألمانيا أنك عندما تجبر نفسك على الظهور بمظهر سعيد يتسبب لك بمشاكل صحية، ولهذا الغرض أنشأت تلك الدراسة فريق اتصال وهمي لشكاوى عملاء السكك الحديدية للعمل في وظائف تتطلب مستوى عاليا من “السعادة الزائفة” وقاموا بتقسيم 80 طالبًا جامعيًا فريقين، فريق يستطيع الدفاع عن نفسه لفظيًا ضد العملاء الوقحين، وفريق يجب عليه أن يظل ودودًا ومهذبًا؛ فأظهرت النتائج أن المجموعة المهذبة كان معدل ضربات القلب مرتفع لديها، وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى مشاكل تتراوح من الاكتئاب إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، وهو مؤشر واضح على زيادة عبء العامل النفسي وخلصت الدراسة أن التظاهر بالسعادة له آثاره السلبية على الصحة، وأن المشكلة تكمن عندما يكون التظاهر على فتراتٍ طويلة حيث يتعين علينا أن نبدو ودودين وحيويين بالرغم من شعورنا بالتعب.

فلا أجمل من أن تكون طبيعيا في حياتك تتقلب فيها على كل أحوالها وتنهض بنفسك لنفسك وتجدد في داخلك كل ضامر من نوابض السعادة فأنت المسؤول عن نفسك وما لم تجد في ذاتك هذا الشيء فلن تجده عند غيرك فكونوا رحماء بأنفسكم.

اقرأ ايضًا: القلق النافع

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى