عام

النقد الثقافي .. عن تعقيد الجمال وتقييده

“(الثقافة) مفردة معقدة على نحو استثنائي؛ فقد شاع ادّعاء بأنها المفردة الثانية أو الثالثة في ترتيب الكلمات الأكثر تعقيدًا في اللغة الإنجليزية”[1].

تلحّ هذه المعلومة على الناقد الإنجليزي (تيري إيجلتون) فيفتتح بها كتابين بينهما أكثر من 15 عامًا، وربما كان ذلك تبصّرًا منه بصعوبة الحديث عن الثقافة بدلالاتها الشاسعة، التي يخدع البعض قرب ساحلها.

والدلالات اللغوية للفظ الثقافة قادمة عربيًّا من تثقيف الرماح والتشذيب،  وفي الدلالة الغربية قادمة من الرعي والزراعة، وكلا الدلالتين نابعة من الحرفة والتنظيم والذكاء والدأب.

أما الدلالة الاصطلاحية فالثقافة “مجموعة من الصفات الخُلُقية، والقيم الاجتماعية، التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لاشعوريًّا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي وُلد فيه”[2]، والإنسان بطبيعته كائن ثقافي، إلّا أنه يُحدّد بالتعلّم-كيفما كان- “بتطوير الذوق والحسّ النقدي، والمعرفة شرط ضروري للثقافة، لكنها ليست شرطها الكافي، فكلمة ثقافة تشمل الحكم والشعور، وهي حالة عقل مثقّف بالتعلّم[3].

أما تخصيص الثقافة بالنقد، فيستدعي السؤال الأوّليّ اليسير/الصعب: ما تعريف النقد الثقافي؟

ويأتي الجواب -في غير الكتاب الأول عربيًا للنقد الثقافي-: “فعل الكشف عن الأنساق، وتعرية الخطابات المؤسساتية، والتعرف على أساليبها في ترسيخ هيمنتها، وفرض شروطها على الذائقة الحضارية”[4].

وهذا التعريف يحتاج إلى تعريف، فهل من اتفاق على وصف النسق؟ وهل بيت الشعر الواحد وتجربته الفردية صالحة أن توصف نسقًا؟ ومتى نمايز بين انفعالات الأدب الفوّارة وبين الخطابات المؤسساتية العقلانية المحرّرة؟ ثمّ لماذا يُعمّم فعل التعرية ويصبح الهدف؟ وإذا كان النقد الثقافي يجنح إلى نزع أي سلطة أو هيمنة، فكيف يشتغل والثقافة كلها عبارة عن انتظام لسلطة معرفية أو جمالية أو فنية أو عقدية؟ وهل المسألة على إطلاقها أم أن للمرجعيات العقدية والأخلاقية استثناءاتها؟ أو أنه لا مرجعيات؟

والأمر الأكثر تعقيدًا أن مصطلح (النقد) يعتمد على التقويم والفرز، مهما حاولت المناهج النقدية الحديثة تهميش وظيفة التقييم، أو ركّزت على التشريح والوصف والاستنطاق دون إصدار حكم في النهاية، إلا أنها لا تستطيع أن تصمد وتصمت عن التقييم، بطريق مباشر أو غير مباشر، وحين يُتْبع النقد -بصرامته وتوجيهه وانضباطه- بالوصف (الثقافي) شاسع الدلالة، متعدد المعاني، رحب المظلة التي يدخل تحتها مختلف الأفكار والمنتجات، فمن الصعب أن يطمع بعد كل ذاك الشتات أن يكون نقدًا ألسنيًا منهجيًا..

واضطراب التعريف بين ركنيه: النقد والثقافة، يجعل المهمة أصعب عند انتقال أفكاره من ثقافة إلى ثقافة أخرى، فمفاهيم النقد الثقافي تواجه مشكلات في بيئتها الأصل: تعدد ثقافات وتنازع هويّات وآداب إثنيّة مختلفة، وحين انتقلت إلى البيئة العربية بدا هذا الحقل المعرفي غريبًا مضطربًا، مائجًا بالأدبيّ وغيره، بالثمين وما  دونه.. مما جعل وصف “الدراسات الثقافية” ينجو من قيد مصطلح النقد المتطلب لأدوات معينة لا يحملها كل أحد، ولا تشترطها الدراسة الثقافية، والمفارقة أن المشاهَد من التطبيقات للنقد الثقافي سمحت أو أغرت بأن يحمل حقيبة الناقد الثقافي أيّ أحد، حتى أنه يمكن وصفه بمنهج مَن لا منهج له.

واستشعارًا لهذا الإشكال يسمّيه بعضُهم نشاطًا وليس منهجًا؛ لافتقاره إلى تنظيم المنهج، فانطلق النقد الثقافي مقاومًا للنقد الأدبي، ومتّهمًا إياه بالانغلاق والشكلية، وانطلق بصفته نشاطًا، وليس مجالًا معرفيًا خاصًا بحد ذاته، فنقاد الثقافة يطبقون المفاهيم والنظريات على الفنون الراقية والشعبية، ويرون أن بمقدور النقد الثقافي أن يشمل نظرية الأدب، وعلم الجمال والنقد وتحليل الوسائط، وتفسير العلامات، ويتناول وسائل الإعلام، ودراسات الاتصال[5].

وتعقيد التعريف واتساع المدلول أدّى إلى تباين الفهم بين روّاد المنهج، ففي البيئة الغربية المصدِّرة تتزايد الشكوى من غياب الأدبية، وتحطّم النموذج، والعناية بما لا يستحق، فقط لأنه يتوافق مع فكرة من أفكار النقد الثقافي، ففكرة مثل: التعددية والأقلّيات أو المهمّش متاحة -بتقدير وترحاب- في النقد الثقافي، وهذه فكرة فيها نظر، فلن تعدم أيّ أقلّية من مؤيّد لها، وكل وجهة نظر بغيضة أو شوهاء يمكن أن تمرّ ببال الفرد هي متبنّاة من قبل شخص ما في مكان ما في العالم، وما يُسمّى إساءة في ثقافة ما للنساء أو الأطفال تتبنّاه مجموعة ما، فالانشغال المفرط والمهموم بهذه الموضوعات أزاح الاهتمام عن أمور أكثر أهمّية، وإنه لأمر ماكر ومتسربل بثياب الخديعة إذا ما استمرّ المديح تجاه التنوّع الثقافي دون إدراك كافٍ لتبعاته المكلفة[6].

    ويبدو أن إشكال الأفكار الكبرى في تنظير النقد الثقافي انسحب على تطبيقاته، فما يكاد يستقيم تطبيق وفق رؤى المنهج -المنظِّر لها-، بل تؤخذ الأفكار بحماس العربة قبل الحصان، الفكرة ثم قسر الشاهد، في حين يقتضي الإنصاف والموضوعية أن النظر لنصوص متقاربة المعاني بمسبار ثقافي سيعطي نتائج متقاربة أيًّا كان كاتب النص، شكسبير أو محمود درويش أو المتنبي، ولكن عددًا من تطبيقات النقد الثقافي لا تحقق هذا، مع الطرح البرّاق الجدليّ،  واشتداد الصخب  وازدحام الاتجاه دون رويّة يذكّر بمقولة سارتر: “إن الأعشاب الرديئة تنبت هي أيضًا، وتصبح ضخمة، من غير أن تكفّ عن أن تكون رديئة”.

وسأذكر مثالين من تطبيقات النقد الثقافي، الأول ينظر خارج النص، والثاني داخله.

 

المثال الأول:

في تطبيق الدكتور عبدالله الغذامي لدراسة شعر المرأة، تحدّث عن (فحولة) الخنساء، فقال: “حتى لقد أمضت عمرها كله في رثاء رجلين والبكاء عليهما ولم تحقق أي إضافة أنثوية” [7].

وهذا رأي مشروع وفق الفكرة التي يتبناها النقد الثقافي، لكنه بالمقابل يُثني على رثاء نازك الملائكة لضحايا الكوليرا، فماذا قدّمت نازك من نسق أكثر من الخنساء؟ ويؤكّد في موضع آخر:  “الحزن بوصفه أنثى، وأنه فن المشاعر المكبوتة، وصوت الضمير الذاتي. وصوت الحزن علامة على تأنيث النسق وإن كان الشاعر رجلا “[8]. فما الذي يجعل رثاء رجلين لا يحقق إضافة ورثاء ضحايا يحقق إضافة؟ ويمكن التمحيص قليلًا في وصف النسق كله -إذ الطرح وفق مبادئ النقد الثقافي لا يعتبر بفنّية النصوص- فيصف الرثاء كله أنه نسق أنثويّ جعل مثل الفرزدق يأنف منه، -وهذا وصف عريض جدًا-  فما الحكم على الشعراء الفحول من أهل المراثي؟ وإن كانوا ليسوا فحولًا في رأي النقد الثقافي فما المانع من أنوثة الخنساء؟.

ويبدو أن ضبابية طرق النقد الثقافي لن توصل إلا إلى وجهة حتمية من عرض متناقض، وشاهد مكرر، وأحكام انتقائية، فالأمثلة لا تطّرد لأن المقياس غير دقيق، والحماس للفكرة طاغ على النظر الهادئ المنصف، فأصبح النسق (النقدي) بلغته الجميلة الجاذبة هو الذي يخبّئ قبحيات الأحكام.

المثال الثاني:

من كتاب “جماليات النقد الثقافي” للدكتور أحمد جمال المرازيق، ومنذ صفحاته الأولى أراد الخروج من جلباب مفهوم الدكتور عبدالله الغذامي للنقد الثقافي، وحاول جذب النقد الثقافي إلى داخل النص، وإلى وظيفة جمالية كانت مستبعدة، فالتركيز على القبحيات المختبئة في الأنساق ليس حجر الزاوية في النقد الثقافي عنده، وأشار إلى أن تطبيقه مختلف وبرؤية مغايرة.

 والمثال من تحليله لنونيّة ابن زيدون، ضمن فكرة: مركزية الصراع  والضد في إطار القصيدة الواحدة، وعنون الفصل “أضحى التنائي في شعرية الثابت والمتحول”[9]، وقسّم القراءة إلى أنساق للتحول ذاتية وزمانية ومكانية أمام نسق ثبات وعوالم تضاد، ومع إضافة مصطلحات النقد الثقافي إلا أن القراءة لا تعدو كونها قراءة نصّية جمالية، وربما كان هذا أثرًا لمحاولة اجتراح طريقة جديدة تسدّ خلل بعض طرائق النقد الثقافي، فأصبحت أقرب إلى دراسات علم النص في  تحليلها النصّي، أو إلى الدراسات الأسلوبية التي تُعنى بظاهرة محددة كالمفارقة أو التضاد، على أنها لا تكاد تخلو دراسة للنونية من بسط الحديث عن بنائها القائم على التضاد، أمّا إضافة مصطلحات النقد الثقافي إلى القراءة فآتت نتيجة ظاهرية وحسب، لم تتجاوز إلى بيان أثر “الثقافي” أو تأثيره، في ذات الشاعر أو في النص.

والخلاصة أن تعقيد تعريف النقد الثقافي ألقى ظلاله على التطبيقات، وأن خلل المنهج أكثر فداحةً من خلل المسائل والتطبيقات، رغم الحماس للأفكار العامة، التي يُظن أنها قريبة المأخذ، وطيّعة لشعارات المنهج الجاذبة، لكنها للفاحص لا تستقيم بين نصّين، ولا النقد الثقافي  ينضبط بين حقلين فضلًا عنه بين بيئتين، وأصبحت أسئلة النقد الثقافي  كسؤال النسق بديلًا عن سؤال النص، وسؤال المضمر بديلًا عن الدالّ، وسؤال الاستهلاك الجماهيري بديلًا عن النخبة المؤثرة، جميعها أسئلة  لا تثمر أكثر من إقصاء النقد الثقافي عن حقول الأدب، ولم يعد هذا هو الإشكال، بل كون المبادئ نفسها منتقاة، فتأتي التطبيقات أوضح انتقائية، وأمام الخطابات العامة لا يتجلى ذاك الخلل، وأجلى ما تكون عند الوقوف أمام النصوص الجميلة، فمحاولة استخراج القبح منه قد تزيد الناظر إليه استمتاعًا.

 قدَر الجمال أن يكون معقّدًا طليقًا لا يقبل القيود، ورحم الله أبا العلاء:

لا تقيّد عليّ لفظي فإنّي

مثل غيري تكلّمي بالمجاز


الحواشي

[1] ينظر: فكرة الثقافة: تيري إيجلتون، ت.شوقي جلال، ص 13، وكتاب: الثقافة: تيري إيجلتون، ت.لطيفة الدليمي،ص35 .

[2] مشكلة الثقافة: مالك بن نبي، ص74.

[3] ينظر: موسوعة لالاند الفلسقية:أندريه لالاند، ص241.

[4] نقد ثقافي أم نقد أدبي: د.عبدالله الغذامي وعبدالنبي صطيف، ص12.

[5] ينظر: النقد الثقافي المقارن: د.عز الدين المناصرة، ص231-232.

[6] ينظر: الثقافة: تيري إيجلتون، ص81.

[7] تأنيث القصيدة والقارئ المختلف:د.عبدالله الغذامي , ص11، وص17، وص40و ص53 تكرار لفحولة الخنساء.

[8] ينظر: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف:د.عبدالله الغذامي ، ص54.

[9] ينظر: جماليات النقد الثقافي: د.أحمد جمال المرازيق، ص231-251.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى