فكر وثقافة

اللسانيات النقدية

د. عبد الرحمن محمد طعمة*

أدّى التلاقح بين اللسانيات الاجتماعية والنحو الوظيفي النظامي (النسقي) إلى بروز اتجاه بيني جديد، عُرف بمصطلح اللسانيات النقدية Critical Linguistics ، على يد مجموعة من الباحثين بالمملكة المتحدة، وهم: السيميائي “غانثر كريس”، واللساني البنيوي “روجر فاولر”، والناقد الأدبي “روبرت هودج”، والفيلسوف السياسي “توني ثرو”. وقد أنهَوا كتابهم (اللغة والمراقبة [أو التحكّم]، 1979م) Language and Control  بمقال بعنوان “اللسانيات النقدية”، شرحوا فيه موضوع دراسة هذا النوع من اللسانيات، مع بيان الأدوات المفهومية الخاصة بها، والخطوات الإجرائية، لأجل دراسة الخطابات الإنسانية- عمومًا- دراسة لسانية نقدية .

تُعنَى اللسانيات النقدية بدراسة الأنواع المختلفة للخطابات الإنسانية (الدينية والسياسية والإعلامية والتربوية والقانونية والأدبية … إلخ)، من منظور نقدي، يحاول الكشف عن العلاقة أو الرابطة بين البنية اللسانية والبنية الاجتماعية. ومن خلال هذه العملية، تنتقد اللسانيات النقدية البنيات اللسانية التي تُعزّز القيم السلبية في المجتمع، منطلقة في ذلك من مُسَلَّمة مُفادها أنّ التداخل بين البنيات اللسانية والاجتماعية هو تداخل بالقوة، فالتعالق بينها قائمٌ بالضرورة. وقد استثمرت اللسانيات النقدية نتائج البحث في اللسانيات الوظيفية النظامية عند “مايكل هاليداي”، وربطتها بالبحث في اللسانيات الاجتماعية، مُضيفة إلى هذا الربط تقديم البدائل التحليلية، التي تفيد في التوعية باستعمال اللغة الإنسانية.

يُعرّف رائد اللسانيات النقدية “روجر فاولر” Fowler هذا العلم بأنه “البحث في العلاقات بين العلامات والمعاني والشروط الاجتماعية والتاريخية التي تحكم البنية السيميائية للخطاب، من خلال استعمال نوع خاص من التحليل اللساني.”[1]

وعلى جهة العموم، تُعدّ اللسانيات النقدية أداتية؛ بمعنى أنها مُعَدَّةٌ لأجل تحليل الخطاب العام،
من خلال الكشف عن الأيديولوجيا المُشفَّرة بداخله، ولذلك تنصب بؤرة اهتمام اللسانيات النقدية على دراسة التمثيل؛ أي الطريقة التي يُقدِّم بها خطابٌ ما الأحداث والمشاركين والآراء المُعيّنة … إلخ. والهدف
من ذلك هو الكشف عن (سوء التمثيل)، إذا تبيّن- على سبيل المثال- أنّ الكُتّاب يتلاعبون بأدوات اللغة، من مثل البناء للمجهول، واختيارات الأفعال المتعدية … إلخ، بما يعكس وجهات نظر أيديولوجية خاصة ويُعزّزها؛ أي إنّ اللسانيات النقدية- من هذا المنظور- تبحث في انعكاس الوظيفة النحوية على الوظيفة الفكرية.

من جهة مغايرة، تهتم اللسانيات النقدية بالبحث في قضايا النظام العام، كما في حالات السلوك الجنسي والعنصرية واللامساواة (عمومًا) والحروب والممارسات التجارية والإستراتيجيات السياسية…إلخ. والغاية المحورية من دراسة هذه الموضوعات هي إزالة الأُلفة عنها وزيادة الوعي بها، والمهم هو:
إبراز دور اللغة في ممارسة هذه الموضوعات. ولعل “ميشيل فوكو” من أهم المُنظّرين الذين مارسوا ذلك النوع من التحليل الجينيالوجي النقدي.

يوضح الناقد واللساني والفيلسوف “نورمان فيركلوف” أنّ النحو الوظيفي النظامي ينظر إلى النص نظرة نَسَقِية، لأنه يراه متعدد الوظائف، بمعنى أنّ النص يُمثّل- دائمًا، وبصورة متزامنة- العالَم (الوظيفة الفكرية)، كما يُمثّل العلاقاتِ والهُوياتِ الاجتماعيةَ (الوظيفة الشخصية)؛ فالنصوص في النحو الوظيفي النظامي عبارة عن مُركّب من الاختيارات. أما الخطاب، فهو في النحو الوظيفي النظامي عبارة عن حقل من العمليات الأيديولوجية واللسانية المتزامنة في آن، ومن هنا، يمكن للاختيارات اللسانية داخل النصوص أنْ تَحملَ، أو تُوجهَ إلى، معنى أيديولوجي معين.[2]

الأبعاد الأساسية للمنهج التحليلي في اللسانيات النقدية[3]:

– البُعد الأنطولوجي: فهناك رابطة قوية بين البنية اللسانية والبنية الاجتماعية؛ إذ يستطيع التركيب أنْ يُشفّر بنية العالم، دون اختيارٍ واعٍ أو حُرٍّ من لدُن الكاتب أو المُتكلم، فرؤية العالم عند مستعملي اللغة الطبيعية تتأتّى من خلال علاقتهم بالمؤسسات والأبنية الاجتماعية والاقتصادية في أوطانهم.

بُعد التركيز: تُركّز اللسانيات النقدية على التحليل اللساني التفصيلي لمجموعات من التراكيب داخل اللغة الطبيعية (مثل التعدية، والبناء للمجهول، والتصنيف المعجمي … إلخ)، لكنها تنفتح- مع ذلك- على السياق، لأنها تُوظّف أدوات التحليل داخل السياق الذي تُستعمل فيه؛ فدلالة الخطاب- وفقًا لفاولر- تُشتَقُّ فقط من التفاعل بين بنية اللغة والسياق الذي تُستعمل فيه.

بُعد الغاية: تتميز اللسانيات النقدية عن مقابلاتها الكلاسيكية (البنيوية، والتوليدية، والاجتماعية) بتبَنّيها لموقفٍ سياسيٍّ صريحٍ، هدفه الأساسي هو الدفاع عن المجموعات المُضطهدة في المجتمع (نموذج “فوكو”)، من خلال إبراز كيفية إسهام استعمال اللغة في النظام العام، من أجل المحافظة على النظام القائم كما هو، وهو النظام الذي يكون قائمًا- في الغالب- على علاقات سلطة غير متكافئة وغير متساوية[4].

ونلاحظ من كل ذلك، وكما فطن “فاولر” أيضًا، أنّ اللسانيات النقدية تبحث عن تطوير منهجها التحليلي، من خلال الارتباط الوثيق بين البنية اللسانية والبنية الاجتماعية، وهو الارتباط الذي يدفع بكل قوة نحو اعتماد تأويل الخطاب على (المعرفة المشتركة) أو (المعتقدات المشتركة)، وواضح أنّ ذلك التوجّه في التحليل ينطلق بنا إلى ربط النموذج النقدي اللساني بالعلوم العرفانية وأبحاث اللسانيات العصبية.


المراجع والإحالات:

* كلية الآداب، جامعة القاهرة

سعيد بكار: “في مفهوم اللسانيات النقدية”، ضمن نعيمة سعدية (وآخرون): اللسانيات العربية، مراجعات وتطبيقات، الجزائر، ألفا للوثائق، طــ 1، 2019.

– Fairclough, N. (1995). Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language. London: Longman.

– Fowler, R. (1991). Language in the News: Discourse and Ideology in the Press. London and New York: Routledge.

– Fowler, R. (1996). On Critical Linguistics. In Coulthard, C.R.C. and Coulthard, M. (1996). Texts and Practices: Readings in Critical Discourse Analysis. London: Routledge.

[1] Fowler, R. (1991). Language in the News: Discourse and Ideology in the Press. London and New York: Routledge. P 5.

[2] Fairclough, N. (1995). Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language. London: Longman. P 25.

[3] للمزيد من التفاصيل والمناقشات، سعيد بكار: “في مفهوم اللسانيات النقدية”، ضمن نعيمة سعدية (وآخرون): اللسانيات العربية، مراجعات وتطبيقات، الجزائر، ألفا للوثائق، طــ 1، 2019، ص 230 وما بعدها.

[4] Fowler, R. (1996). On Critical Linguistics. In Coulthard, C.R.C. and Coulthard, M. (1996). Texts and Practices: Readings in Critical Discourse Analysis. London: Routledge.
Pp 3-4.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى