عام

وهم التفرد: قصة كلوب هاوس

  • دان دي سيمون
  • ترجمة: يارا عمار
  • تحرير: ريم الطيار

إن كنت متابعًا لتويتر الأسبوعين الماضيين، فربما رأيت شخصًا على الأقل يبحث عن دعوات أو يقدمها لغيره، أو حتى يحاول بيعها لتطبيق جديد يُدعى كلوب هاوس clubhouse.

ما الكلوب هاوس؟ هو تطبيق تواصل اجتماعي يعتمد على الصوت، وبإمكانك أن تنضم إلى أي غرفة، وتشرع في المحادثة مع الأصدقاء.

وقد طُوّر في يوليو في ذروة وباء عالمي، وانتشر في دوائر وادي السيليكون وما شابهه، ولا يزال حاليًا في إصدار تجريبي بالدعوة فقط.

قد يبدو واضحًا أن ينطلق تطبيق كهذا في خضم وباء عالمي حيث تكون التفاعلات الاجتماعية الشخصية محدودة، إلا أنني تساءلت عما إذا كان هناك ما هو أكثر من ذلك، كم عدد التطبيقات والأجهزة الأخرى التي لها وظيفة مشابهة ويعرفها الناس بالفعل؟ Discord هو أقرب ما يتبادر إلى الذهن، يتيح غرفًا ذات محادثة نصية وصوتية. وهناك أيضًا Zoom، Skype، FaceTime، GoToMeeting، وما إلى ذلك، أو مجرد المكالمة الهاتفية قديمة الطراز.

أسمع أسبوعيًا -في العمل والمنزل- عن مدى تعب الناس من تحميل تطبيق آخر أو الاشتراك فيه للتحدث مع غيرهم عن بُعد. فلماذا إذن يتوسلون وربما يدفعون للاشتراك في كلوب هاوس الذي لا يوفر إلا المحادثة الصوتية؟ أعتقد أن الأمر يتعلق بعلم النفس هنا أكثر من الابتكار.

إن النمو وتبنّي المستخدم ليس بالأمر السهل، لا أحد يرغب في استخدام أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي التي لا يستخدمها أي من أصدقائه. ولهذا السبب أخفق كل متحدٍّ لفيسبوك أو إنستجرام برز في العقد الماضي في الوصول إلى وضع منافس حقيقي.

أيا ما كانت الكيفية التي تنظر من خلالها للموضوع، فهذا يتغير هذا قليلًا عندما تأخذ في الاعتبار أن المحادثة المرئية، أو الصوتية أكثر حميمية من مجرد النشر على فيسبوك.

فعندما يكون لا بأس برؤية ما تنشره من أكثر من 500 صديق، فإنك لا ترغب في الانضمام إلى غرفة محادثة صوتية مع جزء من هذا العدد، لكن إن لم يكن أي ممن ترغب في محادثتهم مشتركون في هذا التطبيق، فما الذي يبقيك منشغلًا؟

ذكر أحد مستخدمي تويتر في تسلسل (ثريد) عن كلوب هاوس أن “نظام حظر الاشتراك غير المدفوع (جدار الدفع) في تطبيق مجاني يعتبر استراتيجية مناهضة للنمو”.

أنا متفق معه في أن هذه الاستيراتيجية غير فعالة للنمو على المدى البعيد، لكن أعتقد أنها فعالة على المدى القريب.

وعلم النفس يدعم هذا الرأي، وهناك أمثلة عديدة لشركات “التكنولوجيا الكبرى” التي استخدمت المبادئ ذاتها للنمو المبكر.

 

مبدأ الندرة

مبدأ الندرة مفهوم نفسي واقتصادي مشهور، اقتصاديًا مثلًا –عادة ما يُطبّق على السلع المادية-كشراء مناديل ليسول، أو ورق المرحاض بكمية كبيرة مع دفع مبالغ أكبر؛ خوفًا من عدم توافرها لاحقًا.

ونفسيًا يمكن استخدامه للنمو المصطنع وزيادة الطلب، فإن كنت تتسوق عبر الإنترنت ورأيت “بقي X فقط” أو “لفترة محدودة” فهذا هو مبدأ الندرة في العمل.

ومن الأمثلة على ذلك استخدام ماركات أزياء Streetwear الشهيرة شعار “أعداد محدودة” للإيهام بندرة منتجاتها. تطلق شركة Nike إصدارات محدودة لأحذية Air Force الرياضية التي تُباع على الفور، ثم يُعاد بيع من 5 إلى 10 أضعافها.

يستطيع أكبر مصنعو الأحذية الرياضية في العالم إنتاج المزيد من أزواج الأحذية الرياضية إن أرادوا، لكنهم يفضلون عدم القيام بذلك لزيادة السعر والطلب بشكل مصطنع.

إن الخدمات والمنتجات الرقمية -في زمن التوسع شبه اللامتناهي للخدمات عبر الإنترنت من خلال خدمات أمازون أو مايكروسوفت أزور Azure أو جوجل كلاود- لا يوجد لها الكثير من القيود التقنية لتحجيم عدد المشتركين كما كان منذ عشر أو عشرين عامًا، فبإنشاء نظام يعتمد على تلقي دعوات ممن هم داخل التطبيق فقط، مقابل نظام دعوة مفتوح، فإنك ترفع قيمة الدعوة بالحد من عدد المشتركين الموجودين.

بالنسبة لتسلسل تويتر المذكور أعلاه، يُعتبر الادعاء بأن نظام الدعوة هذا يحد من النمو موضع نقاش؛ لأن كل مستخدم يملك حوالي 20 دعوة متاحة في هذا الوقت، وطبقًا لمبدأ دنبار، فإن الشخص العادي لديه خمسة أصدقاء مقربين وخمسة عشر من غير المقربين (تستمر الدوائر في التوسع أكثر).

هذا يعني أنه في علاقة كلوب هاوس سيتعين عليك دعوة كل أصدقائك المقربين وغير المقربين (5+15=20)، وسيكون لزامًا عليهم أن يقبلوا دعواتك، وهذا أيضًا يفترض أنه لا تداخل بين الدعوات/ الأصدقاء.

بينما يبدو في الظاهر أن نظام الدعوة يضع حدًا للنمو، إلا أن أغلب الأشخاص لن يتجاوزوا هذا الحد في الواقع، لكن هذا النظام يخلق طلبًا وقيمة عن طريق الحد من العرض.

ويدعم ذلك النظر في أرقام نمو كلوب هاوس، تمكّن المستخدم @rashiq –من خلال خطأ في واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بهم-من رؤية 106 ألف شخص قد سجلوا فيه، ويضيف كل منهم 20 مستخدمًا جديدًا كل دقيقة.

فإذا دعا كل مستخدم 20 صديقًا، فسيتجاوز عددهم مليونَي مستخدم في عامل واحد، وما يقرب من مليار في العامل الرابع (1/3 مستخدمي فيسبوك النشطين شهريًا)، وسيتم تجاوز عدد سكان العالم ب 10 مليار في العامل الخامس.

 

قلق الفومو[1]

يقيم نظام الدعوة حديقة مسوّرة من نوع ما يريد كل من بالخارج أن يرى ما بالداخل؛ خوفًا من فوات المتعة الموجودة بكلوب هاوس، وهذا يتصل بمبدأ الندرة؛ لأنه إن كان بإمكان كل شخص أن يسجل وينضم فسيتلاشى الطلب سريعًا.

توجد عشرات التطبيقات المجانية التي تتيح المحادثة مع الأصدقاء، Discord هو الأكثر شبهًا بكلوب هاوس ويحظى بشعبية في ذاته. شهدت هذه التطبيقات نموًا في عصر كوفيد، لكنها لم تنتشر انتشار كلوب هاوس، ولا توجد حتى قائمة انتظار، ليس ثمة حديقة مسوّرة، من السهل أن تسجل وترى ما بداخل Discord.

تزداد حالة الفومو في التكنولوجيا بسبب دورة الحياة التي تعتمد على الابتكار، فهناك نسبة ملحوظة من السكان الذين تبنوا التكنولوجيا في وقت مبكر (15%)، وهؤلاء يشعرون بالزهو عند الوصول إلى أحدث التطبيقات، وبالشعور بالفومو تجاه الأشخاص المحيطين، وهم أنفسهم الذين يفتخرون بإنشاء حساب تويتر قبل عام 2010، والذين يتحدثون عن مدى جودة موقع Reddit قبل أن يكون رائعًا.

 

Hey… هذا يبدو مألوفًا

كما قلت في البداية لا أعتقد أن هذه الاستيراتيجية جيدة للنمو على المدى البعيد، لكن هناك العديد من شركات التكنولوجيا التي استخدمت نفس المبادئ بنجاح متفاوت.

Hey عبارة عن خدمة بريد إلكتروني يديرها نفس مؤسسو شركة Basecamp. وقد حققوا نجاحًا هائلًا مماثلًا عندما أطلقوه لأول مرة في يونيو بدعوات محدودة مجانية، حيث توقعوا أن يصل عدد المستخدمين إلى 20000 في الشهر الأول، إلا أنه قد وصل إلى 2000000 شخص على قائمة الانتظار في الأسبوع الأول. وبمقارنة خدمة بريد إلكتروني مدفوعة مع بحر من الخدمات المجانية، يتبين مدى قوة هذه المبادئ.

Spotify أيضًا عندما أُطلق كان بنظام الدعوة لكن مع استثناء واحد، وهو أن بإمكانك أن تدفع لتتخطى قائمة الانتظار، وتنضم إلى خطة Premium المدفوعة.

تتنافس Spotify منذ بداية تأسيسها مع الموسيقى المجانية، القانونية وغير القانونية. فكيف إذًا يمكن جذب شخص يدفع لشيء يستطيع أن يحصل عليه مجانًا؟ اجعله يشعر بالتفرد، عندما يرغب 15% من الناس في أن يكونوا من أصحاب السبق، فإن استطعت أن تحصل على جزء صغير منهم يدفعون 10 دولارات شهريًا، فسيصبح عملك بملايين الدولارات.

لقد غفل الناس عن عدم احتواء Spotify على أغلب المميزات وواجهة المستخدم التي نعتبرها اليوم أمرًا مفروغًا منه-لم يكن عمليًا ومكتبة الموسيقى محدودة.

Google+ كان المحاولة الرابعة لجوجل لإطلاق منافس لوسائل التواصل الاجتماعي، وكان كذلك بنظام الدعوة في البداية، فأُتيح للمستخدمين الأوائل مشاركة 15 دعوة (أقل من كلوب هاوس بخمس دعوات).

قد يرى بعضهم توقفها العام الماضي عقب 8 أعوام فشلًا، إلا أنها كانت واحدة من أكبر منافسي شركات التواصل الاجتماعي الكبرى، فقد تجاوز عدد مستخدميها 10 مليون مستخدمًا عقب أسبوعين من إطلاقها، و25 مليون مستخدمًا عقب شهر، وبنهاية العام الأول كان عدد مستخدمي Google+ 90 مليونًا.

لم تكن تلك إلا ثلاثة من الكثير من الأمثلة الموجودة، ولا أجزم أن كلوب هاوس يتعمد افتعال ندرة متوهمة لأنه ما زال في مرحلة تجريبية، لكن يبدو أنه يساعد في زيادة الهوس بالبرنامج وطلب الانضمام.


(1) –  الخوف من فوات شيء ما Fear of missing out (FOMO) الفومو هو قلق الشخص من تفويت أمر غير مشارك به قد يستمتع به غيره. ويصيب الكثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فيدفع الشخص إلى تفقّد حساباته بين الفينة والأخرى؛ خوفًا من فوات المستجدات. (المترجمة)

أعجبني المقال

المصدر
dandesim

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى